النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

الإرهاب... مكارثية من نمط جديد

رابط مختصر
العدد 9064 الاحد 2 فبراير 2014 الموافق 2 غرة ربيع الثاني 1435

«انفجرت عبوة ناسفة عصر الجمعة بالقرب من سينما (رادوبيس) بمنطقة الهرم بمحافظة الجيزة المصرية، مما أسفر عن مصرع أحد المواطنين وإصابة 7 آخرين، كما تم إبطال مفعول قنبلة ثانية في محيط السينما. وانتقلت قوات الأمن فور الانفجار إلى المنطقة، وتم فرض كردون أمني حول مكان الحادث. يأتي الحادث بعد ساعات من حادث تفجير بمحيط مبنى مديرية أمن القاهرة، بواسطة سيارة مفخخة، والذي خلف 5 قتلى وعشرات الإصابات. وقد أعلنت جماعة (أنصار بيت المقدس) مسؤوليتها عن الحادث». إثر ذلك بادر حزب التجمع المصري، إلى نقل «التعازي إلى أسر شهداء العمليات الإرهابية الغادرة في القاهرة، وأكد على أن الثورة ستنتصر على الإرهاب، الذي لن يستطيع مهما بلغ من إجرام أن يعيد جماعة الإخوان الإرهابية وحليفاتها من الجماعات الإرهابية والتكفيرية إلى حكم مصر، والسيطرة عليها من جديد». وسبقه إلى الموقف ذاته مفتي الجمهورية المصرية فضيلة الدكتور شوقي علام، الذي استنكر «العلميات الإرهابية التي وقعت من تفجير لمديرية أمن القاهرة، وأمام محطة مترو البحوث بمنطقة الدقي، وقسم الطالبية وغيرهم». وأكد مفتي الجمهورية، في بيان له أن «من يقوم بمثل هذه الأعمال الإرهابية والتخريبية مفسدون في الأرض وعاصين لأمر الله ووصية رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-بحرمة الدماء، ويستحقون اللعنة والطرد من رحمة الله وسوء العاقبة». لو أجرى الواحد منا اليوم مسحا كميا عن أكثر كلمة تتردد في الاعلام التقليدي والتخيلي (شبكات التواصل الاجتماعي)، فمن المتوقع أن يكون تعبير «الإرهاب» أو مشتقاته، أو تلك المصطلحات القريبة منه هو صاحب الحظ الأكبر. فقد أصبحت تهمة الإرهاب توجه بسبب أو بدون سبب لكل عمل، حتى ولم يكن عنيفا، يخول أصحابه لأنفسهم الدعوة للتغيير، أو التعبير، وعبر طرق سلمية محضة، عن معارضتهم لما هو قائم. اختلط الحابل بالنابل، فلم نعد نفرق بين الإرهابيين الفعليين والذين من غير المستبعد أن يجري تمويلهم من قبل الأطراف وهي تعمل على تمويه علاقتها مع الإرهابيين، أن تسخر أجهزة أعلامها «لنبذ الإرهاب وإدانته»، دون ان تنسى أن تربط بين عملياته التي لا يقرها أحد، مع تلك الحركات السلمية الحضارية التي تدعو للتغيير، لكون هذه الأخيرة تشكل خطرا يهدد مصالح الأولى. ويملك الغرب، وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة، الذي يتصدر اليوم ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه حرب مشروعة على الإرهاب، وباع طويلة في مجال الخلط بين الإثنين. تذكرنا هذه الحالة المشوشة بالحرب على الإرهاب ما تعرض له عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين في مطلع الثلاثينات إثر وصول الحكم النازي على يدي أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا في العام 1933، عندما اتهمه القوميون النازيون بتأسيس «الفيزياء اليهودية». هرب آينشتاين حينها، بحثا عن الأمن إلى الولايات المتحدة التي كان يفترض فيها أن تكون حينها منارة المجتمعات الديمقراطية التي ينعم أهلها بالحرية، وبالفعل منحته واشنطن الإقامة الدائمة. لكن لم يكن على آينشتاين أن ينتظر طويلا كي تلاحقه لعنة «الإرهاب»، فلم يكد يمض على إقامته هناك بعض الوقت حتى أصبحت تطارده النازية الأمريكية التي لبست ثوب ما عرف حينها باسم «المكارثية». وهي الحملة المسمومة التي أسس لها السيناتور الأمريكي الجمهوري جوزيف مكارثي»في خمسينيات القرن الماضي لمطاردة أصحاب الفكر اليساري بحجة أن هناك تغلغلا شيوعا يتآمر مع الاتحاد السوفيتي ضد الولايات المتحدة». وكانت قريبة من محاكم التفتيش الأوروبية. لقد دفع وضع آينشتاين المزري أنه يختار، كما أفصح في خطاب بعثه إلى رئيس تحرير مجلة «ريبورتر» الأمريكية، في 1954 أكد فيه أنه لو قيض له العودة للوراء لاختار أن يكون سباكا على أن يصبح عالما كي ينعم بالدرجة المتواضعة التي أريدها من الاستقلالية التي لا تزال موجودة لهذه المهن في ظل الظروف الحالية». تماما كما نشاهد اليوم المؤسسات الاعلامية اليوم، لجأت المكارثية في الخمسينات من القرن الماضي إلى أسلوب التشهير بكل من تخول له نفسه الوقوف في وجه حكومة الولايات المتحدة بالنقد أو الإشارة إلى أخطائها، ونجحت، كما ينقل عنها، من خلال حملات التشهير التي اعتمدها مكارثي بتدمير «الحياة الوظيفية لكثير من المواطنين حتى تردت الأوضاع في أجهزة الدولة التي تدهور أداؤها وانحدرت معنويات العاملين فيها». نجحت المكارثية في ذلك من خلال زرع بذرة الشك في نفوس المواطنين إزاء بعضهم البعض، وتعزيز أدوات الرقابة على المواطن كي تغرس عقدة الخوف عميقا في نفوس الغالبية العظمى منهم، حتى نجحت في تشكيل «لجان تحقيق لمساءلة كبار ضباط الجيش، متهمة وزير الدفاع في عهد ترومان وهو جورج مارشال بالخيانة ومساندة الشيوعية». هذا المهندس الأمريكي الذي يقف وراء مشروع مارشال الشهير، والذي استحق أن ينال، بسبب النجاح الذي لاقاه ذلك المشروع في انتشال أوروبا من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي كادت أن تدمرها، جائزة نوبل للسلام. ليس هناك من يؤيد الإرهاب أو العمليات الإرهابية، مثل تلك التي تعصف اليوم بالعديد من العواصم العربية، مهما كانت النوايا التي تقف وراءها، والمبررات التي يسوقها أصحابها. لكننا بالقدر ذاته نرفض المكارثية الجديدة التي تقودها أجهزة الإعلام الغربية وفي المقدمة منها تلك الأمريكية، التي خدمة لأغراضها الاستعمارية البالية، تخلط الحابل بالنابل، وتضع الحركات العربية المعارضة بشكل حضاري وسلمي وبناء في مصاف تلك الإرهابية الهدامة المتحجرة. نحن إزاء مكارثية من نمط جديد لا نملك إلا أن نلعنها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها