النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

توفيق الحكيم .. وتسجيلات ثوار حركة أبريل!

رابط مختصر
العدد 9062 الجمعة 31 يناير 2014 الموافق 29 ربيع الأول 1435

في فيلم «اللعب مع الكبار» الذى كتبه «وحيد حامد» وأخرجه «شريف عرفة» وعرض عام 1991 يقوم النجم «عادل إمام» بدور شاب متعطل يدعى «حسن بهنسى بهلول» يحصل على معلومات خطيرة حول جرائم يجرى التخطيط لها، منها الإعداد لحرق أحد مصانع القطاع العام لإخفاء وقائع فساد وسرقة، «أحد نواب» الشعب يستغل حصانته البرلمانية فيقوم بإبلاغها إلى أحد أجهزة الأمن زاعما أنه رآها في المنام، وعندما يحاول المسؤولون في هذا الجهاز - بعد أن ثبت لهم صحة ما أبلغهم به - أن يعرفوا منه المصدر الذى يستقي منه معلوماته، يرفض بإصرار متعللا بأن هذا المصدر يحصل عليها من طرق غير قانونية تشكل في «حد ذاتها جريمة فهل لا يصلح - بالتالي - لأن يكون شاهدا وما يقدمه من معلومات يمكن أن يكون دليلا على إدانته هو نفسه قبل إدانة الذين يخططون لهذه الجرائم فضلا عن أنه يهدر قيمة هذه المعلومات كدليل اتهام ضدهم إذ أنه - كما يتضح في نهاية الفيلم - عامل في السنترال الرئيسى للعاصمة يحصل على هذه المعلومات عبر التنصت على المكالمات الهاتفية للمشتركين. تذكرت وقائع هذا الفيلم وأنا أتابع الضجة التى أثارها قيام برنامج «الصندوق الأسود» الذى يقدمه الباحث والإعلامى «عبدالرحيم علي» على قناة « القاهرة والناس» التليفزيونية بإذاعة تسجيل صوتي لمكالمات هاتفية جرت بين بعض قادة حركة 6 ابريل وغيرهم من الأسماء الشابة التي برزت أثناء ثورة 25 يناير 2011، كشف عن مشاركتهم في اقتحام مبنى جهاز مباحث أمن الدولة بعد الثورة بأسابيع بهدف الحصول على الملفات الخاصة بقادة الحركة التى كان الجهاز يحتفظ بها وهي تتضمن معلومات عنهم وتفريغا لمحادثاتهم التليفونية، تثبت مشاركة بعضهم في اقتحام المبنى والاستيلاء على وثائق رسمية سرية وتنطوي كذلك على معلومات عن حصولهم على دعم مالي من جهات أجنبية كما تفضح بعض الأسرار الشخصية ذات الصلة بالسلوك الجنسي لبعضهم. ولأن ما انطوت عليه هذه التسجيلات من حقائق كان صادما للرأي العام بحكم المكانة التي يحتلها اطرافها ممن دخلوا التاريخ لأنهم ينتمون لأحد الفصائل التى شاركت في تفجير ثورة 25 يناير، فقد أثارت قدرا من الارتباك، في تقييم ما فعله ناشرها «عبدالرحيم علي» شمل الثوار - بمن فى ذلك أطراف هذه المكالمات وغيرهم من شاركوا فى الثورة كما شمل المعنيين بالمدونة الأخلاقية للإعلام من الممارسين والخبراء والأكاديميين. وكان لافتا للنظر أن ما شغل معظم الذين تناولوا المسألة بالتعليق هو الشكل لا المضمون فتساءلوا عما إذا كانت الجهة التي سجلت هذه المكالمات قد حصلت على إذن من المحكمة المختصة بتسجيلها في سياق جمع الاستدلالات عن جريمة يجري التخطيط لها أم أنها سجلتها دون إذن قضائي .. وكان من رأيهم أن ذلك يشكل في - الحالة الأولى - عدوانا على سرية الاتصالات الخاصة التي يكفلها الدستور والقانون ويشكل في الحالة الثانية خروجا عن التقاليد القضائية إذ ليس من حق الجهة المختصة بجمع الاستدلالات لاثبات جريمة أن تذيع ما لديها من معلومات جمعتها عن المشتبه فيهم بارتكاب هذه الجريمة بإذن القاضى إلا إذا ثبت منها أن هناك شبهة جدية فى ارتكابهم لهذه الجريمة وأمام الجهة القضائية المختصة بالتحقيق معه ومحاكمته، فإذا لم تثبت هذه الشبهة الجدية، «لماذا لم تثبت هذه الشبهة الجدية»، وحفظ التحقيق لا يجوز لهذه الجهة إذاعة شيء منه. وكان ذلك ما استندت إليه بعض أطراف المكالمات الهاتفية التي جرى بثها لتقديم بلاغات للنائب العام يتهمون فيها مقدم برنامج القناة التي أذاعته بانتهاك حقهم في الخصوصية وتسجيل مكالماتهم الهاتفية دون إذن من الجهة القضائية المختصة وإذاعتها كما كان وراء البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية تنفي فيه صلتها بهذه التسجيلات وتؤكد أنها سجلت في الفترة التي كانت فيها أجهزة الوزارة مشلولة تماما عن العمل .. فضلا عن بيان عنيف اللهجة، أصدرته مجموعة من المنظمات الحقوقية، اعتبرت ما جرى عدوانا فظا على الحق في الخصوصية . وفى الرد على القائلين بذلك الذين تلقوا دعما قويا من معظم أساتذة الإعلام باعتبار ما جرى خروجا عن المدونات الأخلاقية للمهنة تمسك مقدم البرنامج بالحق الذي تكفله له هذه المدونات، ورفض أن يذكر الجهة التى حصل منها عليها، وقال انه كإعلامى من حقه أن يذيع أية وثائق يحصل عليها ويثق بمصداقية المصدر الذي زوده بها، ويطمئن لصحتها طالما أن هذه الوثائق مما يرى أنه يتوجب على الرأي العام أن يطلع عليها لأنها تتعلق بمصالح عامة. ولا يخلو كلام الذين ركزوا على الشكل من وجاهة، إذ الذي لا شك فيه أن هذه التسجيلات جرى إجراؤها وتسريبها خارج نطاق القانون، وهو ما يهدر ضمانات الحق في الخصوصية ويدل على أن بعض أجهزة الأمن تتنصت على الاتصالات الهاتفية للنشطاء السياسيين دون إذن من القضاء، وبصرف النظر عن أنها فعلت ذلك في فترة اضطراب كانت تمر بها مصر واستجابة لوساوس ربما تكون مشروعة تلبست هذه الأجهزة في مدى خطورة ما يفعله بعض هؤلاء النشطاء على الأمن القومي، فالذي لا شك فيه أن الأمر يتطلب اتخاذ الإجراءات الضرورية لإلزام هذه الجهات بأن تمارس مهامها في نطاق القانون وفي ظل احترام ضمانات الحرية الشخصية ومن بينها حرية الاتصالات والمراسلات. ولا يخلو دفاع مقدم البرنامج هو الآخر من وجاهة، وإن كان ذلك يفرض عليه أن يراجع ما يذيعه من تسجيلات لكي يتأكد من حذف ما ليس له صلة بالشأن العام حتى لا يبدو وكأنه يستهدف التشهير الشخصي. ويبقى بعد ذلك الجانب الموضوعي من هذه التسجيلات وهو يتعلق بالسياسة، وليس بالقانون أو حقوق الإنسان، أو المدونات الأخلاقية للإعلام أو التقاليد المرعية في التقاضي .. فقد يكون صحيحا أن هذه التسجيلات قد أجريت خارج نطاق القانون، وبالمخالفة لنصوصه وسربت بالمخالفة للتقاليد المرعية في التقاضي، ولكن ذلك كله لا يهدر الحقائق التي وردت فيها ليس فقط لأن أطرافها من الشخصيات العامة التي يستطيع المشاهد لكثرة ما استمع إلى مداخلاتها الإذاعية والتليفزيونية أن يميز أصواتها دون حاجة إلى خبير ينفى أو يؤكد أن هذه الأصوات صدرت عن أصحابها ولكن - كذلك - لأن أحدا من هؤلاء لم يطعن على ما أذيع بالتزوير أو التقليد لم ينكر أن هذا هو صوته بل انهم اعترفوا ضمنا بأنها صدرت عنهم حين قصروا بلاغاتهم ضد مقدم البرنامج على اتهامه بانتهاك حقهم في الخصوصية، دون أن يوجهوا إليه تهمة التلاعب في التسجيلات أو تقليد أصواتهم ولم ينكر أحدهم أن الكلام المنسوب إليه قد صدر عنه وكنت أتمنى لو أن إصرار ممن استمتع المشاهدين بأصواتهم الشجية في التسجيلات قد فسر لهم ما ورد بها على لسانه، أو أضاف إليه معلومات، تعطيه معنى مختلفا عن المعنى الذي فهمه منه المستمعون .. ولكنهم لم يفعلوا. ورحم الله الكاتب الكبير الراحل «توفيق الحكيم» الذى تعرض لحملة هجوم كاسحة في منتصف سبعينات القرن الماضي حين أصدر كتابه الشهير «عودة الوعي» فقال دفاعا عن نفسه «قد يكون الشاهد يخلو من أي فضيلة وقد يكون صاحب غرض لكن ليس معنى ذلك أن شهادته كاذبة»! وذلك ينطبق أيضا على الإعلامي الذي أذاع هذه التسجيلات والذي اتهمه بعض من تناولتهم بأنه يعمل لحساب أجهزة الأمن، وهو أمر - حتى لو صح - لا يعني أن ما ورد فى التسجيلات ليس صحيحا .. بل لعله يؤكد العكس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها