النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

أنابيب مصنوعة من الحقن

رابط مختصر
العدد 9062 الجمعة 31 يناير 2014 الموافق 29 ربيع الأول 1435

تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن تاريخ الحركة المسرحية في البحرين، لكننا لم نقل كل شيء. لقد تطرقنا إلى مسرحية «عبدالرحمن الناصر» التي أخرجها عميد الصحافة المرحوم محمود المردي وتم عرضها في عام 1947 من على خشبة مسرح النادي الأهلي في المنامة، وقلنا انها عــُدت بمثابة العلامة البارزة في تاريخ الحركة المسرحية البحرينية. فما السبب الذي جعلها كذلك؟ في رأي شاعرنا الكبير الأستاذ قاسم حداد أنّ السبب يرجع إلى التجسيد الحي للمناظر المسرحية الأندلسية التي نفذها الفنان المبدع «يوسف قاسم الخاجة». حيث قام الأخير بصنع تماثيل من الجبس لإبراز قصر الحمراء، كما قام بصناعة تماثيل لأسود تخرج من أفواهها المياه. ولأن المياه لم تكن موصلة وقتذاك أي في عام 1947، قام يوسف قاسم بعقد اتفاق مع السقايين لجلب ما يكفي من المياه لتخزينها ثم دفعها إلى أفواه الأسود من خلال أنابيب بلاستيكية صنعها بنفسه من بقايا الحقن الشرجية المستعملة. أما الأسود فقد صنعها الخاجة -طبقا لما رواه الباحث البحريني مبارك الخاطر في كتابـــه «المسرح التاريخي في البحرين»- من الطين الناعم المستخدم في صناعة الأواني الفخارية بعد أن جلبها الخاجة من الرفاع وخلطها بشعر الماعز، قبل أن يـُطليها باللون الأبيض. وبهذه الرؤية يكون الفنان يوسف قاسم قد استجاب موضوعياً وفنياً لمتطلبات هندسية حتمها النص المسرحي ذاته، وقدم حلولاً منطقية علمية ساهمت في دفع هذه التجربة نحو النجاح. ومما يجدر بنا ذكره هنا أن مسرحية «عبدالرحمن الناصر» كــُتبت لتجسد عصرا من عصور الازدهار في الأندلس قبل أن يعقب ذلك الازدهار صراع دموي بين ولدي عبدالرحمن الناصر: الحــَكم وعبدالله، علما بأن عبدالله تآمر مع الفاطميين ضد أخيه الحكم، الأمر الذي مهد الطريق لضياع الأندلس وسقوط دولتها الاسلامية. ولأن المسرح لم يكن في تلك الأيام ضمن اهتمامات الناس فقد اضطر القائمون عليه لبذل جهد كبير من أجل ترغيب الناس في الحضور والمشاهدة والاستفادة. وفي هذا السياق يضرب لنا الأديب والناقد المسرحي الدكتور «إبراهيم غلوم» في كتابه الموسوم بـ «المسرح الموازي: سوسيولوجيا البدايات المسرحية والوعي القومي في مجتمعات الخليج العربي 1925 – 1958» مثلا حول ما قام به المرحوم محمود المردي قبيل عرض أول مسرحية يخرجها وهي مسرحية «لو لا المحامي». فمن أجل أن يضمن حضور عدد كبير من الناس لمشاهدة تلك المسرحية، نشر إعلانا في مارس من عام 1943 في جريدة «البحرين» كان نصه هو الآتي: «لو لا المحامي .. رواية أدبية إجتماعية غرامية موسيقية، إختيرت لما تنطوي عليه من معان إنسانية. إننا إذ نحث الجمهور على مشاهدتها فإننا في نفس الوقت نهيب أن يسارعوا إلى مشاهدة صورة من صور الحياة الناطقة بكل معاني الإنسانية». ومما يجدر بنا ذكره في هذا السياق أن هذه المسرحية كتبها اللبناني سعيد تقي الدين في عام 1923 حينما كان طالبا في جامعة بيروت الأمريكية، ومن بعد أن قدمها تقي الدين ورفاقه على مسرح الجامعة الأمريكية قدمتها فرقة جورج أبيض المصرية في القاهرة، ثم أعجب بها الكاتب المسرحي العراقي الكردي «فؤاد رشيد بكر» فأعدها وعرضها تحت اسم «العلم والجهل» في عام 1926 من فوق خشبة مسرح «مدرسة زانستي» في السليمانية. وبالعودة إلى يوسف قاسم الخاجة، صاحب الفضل الكبير في نجاح مسرحية «عبدالرحمن الناصر»، لا بد من التنويه أنه كان فنانا شاملا، وصاحب مواهب متعددة في الرسم والتصوير والتصميم والتمثيل والعزف والغناء، بل كان إضافة إلى ذلك رجلا موسوعيا بسبب أسفاره ومغامراته من أجل لقمة العيش التي جعلته يتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى ويقتبس منها الكثير من الأفكار. لكنه كالكثيرين غيره من الرواد البحرينيين الأوائل هــُضم حقه في التكريم، فلم يعد أحد يتذكره من الجيل الجديد. ومما يُــذكر عن الرجل أنه كان صديقا لرجل الأعمال السعودي الكبير المرحوم سليمان صالح العليان أثناء دراسة الأخير في مدرسة الهداية الخليفية، ثم أثناء عمله مع شركة بابكو. وحينما انتقل العليان من البحرين إلى الظهران للعمل مع شركة أرامكو في بدايات الخمسينات، ألح على الخاجة أن يبيع محل التصوير الذي كان يمتلكه في المنامة، وأن يأتي إلى الظهران بسبب حاجة شركة أرامكو الماسة وقتذاك للمصورين من أجل إعداد بطاقات الهوية الشخصية وشارات العمل. وبالفعل باع الخاجة محله وسافر بواسطة «اللنج» إلى فرضة الخبر ومنها بالسيارة إلى الظهران حيث افتتح هناك أول ستوديو للتصوير في تاريخ المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية تحت اسم «ستوديو الظهران». ويروي الخاجة بنفسه في مقابلة صحفية معه أن الحياة وقتذاك كانت صعبة ومرهقة، لكن الأعمال كانت كثيرة ومربحة. ولذلك افتتح فرعا لاستوديو الظهران في الدمام وآخر في الهفوف، وقام باستقدام الكثيرين من زملائه البحرينيين للعمل معه من أمثال: شاهين العماري، وأحمد الضاعن، وأحمد بوحسيّن، وعثمان البلوشي، ويوسف أحمد عبدالله، ومحمد سعد، وعبدالله جابر، وغيرهم. غير ان الخاجة -طبقا لاعترافه- إصيب بالإحباط حينما تعرض لمضايقات في الدمام من قبل رجال «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الذين اعتبرو التصوير أمرا منكرا ومخالفا للدين، فقرر على إثر ذلك بيع محليه في الظهران والدمام، وإهداء فرع الهفوف لأحد أصدقائه السعوديين، والعودة إلى وطنه. وفي مقال قديم نشره الاستاذ علي سيار في صحيفته «صدى الأسبوع» في عام 1985 تحت عنوان «من أوراق المسرح البحريني» يورد الكاتب شيئا من الحكايات والطرائف في تاريخ المسرح البحريني من تلك التي كان شاهدا عليها بإعتباره شارك بالتمثيل وهو طفل في بعض المسرحيات التاريخية التي كان يؤلفها ويخرجها شاعر الشباب والمناسبات عبدالرحمن المعاودة. يقول السيار ان المعاودة كان حريصا على أن يمنح أدوار البطولة في المسرحيات المدرسية للمرحوم عبدالله الحمد -والد الإعلامي والكاتب المعروف الأستاذ سعيد الحمد الذ عمل لاحقا في دائرة الطابو- بسبب كبر سنه مقارنة بأعمار التلاميذ الآخرين، ويعطي بقية الأدوار للتلاميذ عبدالله إبراهيم الجودر، ومحمد حسن الفاضل، وأحمد عبدالله الجامع رحمة الله عليهم جميعا -إضافة إلى يوسف المحمود، صار لاحقا مديرا لفرع البنك البريطــاني في المحرق- ويخصه هو، أي السيار، بأدوار الطفولة. ويضيف متذكرا أنه مثل دور الشقيق الأصغر للخليفة الأموي عبدالرحمن الداخل في المسرحية المسماة بإسمه. وبسبب الثارات الموجودة بين بني امية وبني العباس اقتضى الدور أن يقبض جنود العباسيين عليه وهو يلعب، ثم يقتلوه بتسديد سكين حاد في أحشائه. وطبقا للسيار فإن هذا المشهد تحديدا رافقته طرفة من طرائف المسرح البحريني التي يجب أن تـُروى. فمخرج المسرحية «عبدالرحمن المعاودة» كان يريد ان يبدو مشهد القتل حقيقيا فجاء بكرة مطاطية ووضعها تحت ملابس الطفل علي السيار بعد أن ملأها بسائل أحمر يشبه الدم. وبمجرد أن سدد الجندي العباسي سكينه نحو صدر السيار تدفق الدم دليلا على مقتله، الأمر الذي دفع بوالد السيار ، وكان ضمن المشاهدين، إلى الصراخ قائلا: «اذبحو الولد .. اذبحو الولد .. حسبي الله عليهم». فما كان من السيار إلا الخروج عن النص بعفوية ليخبر والده أنه بخير وأن الدم لم يكن سوى صبغة حمراء، وسط دهشة الجمهور وضحكه، وإصابة المعاودة بالحرج الشديد. ومن الطرائف الأخرى التي أتى السيار على ذكرها ما حدث خلال عرض مسرحية «الرشيد وشارلمان» من على مسرح مدرسة الإصلاح الأهلية. فقد أصيب «محمد حسن الفاضل» الذي كان يقوم بدور شاعر يدخل على الخليفة هارون الرشيد لإنشاد قصيدة بحشرجة، وبحـّة خشنة جعلتا صوته يختفي نهائيا، فيما كان مخرج المسرحية «عبدالرحمن المعاودة» الواقف خلف الكواليس لتلقين الممثلين يحثه على النطق ظنا منه أن الفاضل نسي ما يـُـفترض به قوله! ويضيف السيار أن الفاضل استعاد صوته مباشرة بعد إنتهاء العرض، الأمر الذي عزاه السيار إلى ما يشعر به الممثل غير المحترف عادة من ضغوط نفسية ورهبة أثناء مواجهة الجمهور. وفي موقع آخر من مقاله يتحدث السيار عن إحدى الشخصيات البارزة التي دعيت ذات مرة لحضور إحدى المسرحيات التي كان مشاركا فيها، فما أن بدأت المسرحية حتى إستغرق صاحبنا في نوم عميق لم يصحو منه إلا عند إسدال الستار على آخر فصل، فيما كان الممثلون يتبادلون بين بعضهم البعض الغمزات ضحكا من هكذا مشاهد. وفي المقال نفسه تعرض السيار لمشكلة ظلت تواجه المسرح البحريني في سنوات إنطلاقه الأولى ألا وهي مشكلة إفتقاره إلى العنصر النسائي لتجسيد أدوار المرأة. ومما قاله أن المشكلة كان يتم التغلب عليها عن طريق إسناد الأدوار النسوية إلى فتيات غير بحرينيات من بنات المدرسين العرب على نحو ما حصل في عام 1941 حينما مثلت إحداهن دور ليلى في مسرحية «مجنون ليلى» من فوق خشبة مسرح نادي البحرين، أو عن طريق إسناد الأدوار النسوية إلى الرجال من ذوي الطلة الحسنة والصوت الرخيم كما كان يحدث في المشاهد الكوميدية الضاحكة الفاصلة ما بين فصول المسرحية، حيث كانت تلك الأدوار تــُعهد إلى علي كمال -من موظفي وزارة الصحة- أو عبدالرحمن العمران -شقيق مدير المعارف أحمد العمران- أو أحمد شمس أو أحمد الزياني أو المرحوم حسن العمران -الشقيق الثالث لمدير المعارف- والذي أجاد تمثيل دور كليوباترا في مسرحية «مصرع كليوباترا» لأمير الشعراء أحمد شوقي. ويتذكر السيار بعض الشخصيات التي كانت تدعم العمل المسرحي في ذلك الزمن المبكر بما كان يحتاجه من لوازم وأدوات، انطلاقا من إيمانها بدور المسرح في التثقيف والتسلية والارتقاء بالمجتمع. ومن هؤلاء «أحمد جمعان» صاحب مطبعة أوال، و»يوسف أحمد الساعي رجل الأعمال المعروف، ويشيد السيار بأحمد جمعان لأنه لم يكتف بالدعم، بل أخذه حماسه يوم أن عُــرضت مسرحية كليوباترا لنحت تمثال حقيقي رائع للملكة المصرية من الجبس، هو الذي لم يسبق له أن صنع تمثالا من قبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها