النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

معضلة غياب القوى الديمقراطية الحقيقية

رابط مختصر
العدد 9060 الأربعاء 29 يناير 2014 الموافق 27 ربيع الأول 1435

الحديث عن حل سياسي دائم وقابل للاستمرار يستوعب التطلعات نحو المزيد من الإصلاح الديمقراطي، يصطدم بغياب القوى الديمقراطية الحقيقية التي ابتلعت صوتها او ذابت في ثنايا التيارات الطائفية، بما يطرح أسئلة مشروعة، من نوع: هل يمكن بناء ديمقراطية بدون ديمقراطيين؟ وهل يمكن تصنيف الافكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية «الدينية» للتيارات والجماعات الدينية والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الجماعات الطائفية التي وسمت العقدين الاخيرين بسمات التطرف وتبرير العنف ونشر الكراهية بكونها أفكارا ديمقراطية؟ وهل يمكن اعتبار القيادات الدينية-الطائفية التي تقود او تؤثر في المشهد السياسي بجمعياتها وجماعاتها ومريديها بانها ديمقراطية؟ وهل يمكن التعويل عليها للإسهام في بناء مجتمع ديمقراطي؟ نحن اليوم امام مفترق طرق للتقدم نحو حل الوسط التاريخي الجامع القابل للاستمرار، من خلال بناء الحل الوطني التوافقي الديمقراطي طويل المدى، بدلا من التقدم نحو الحلول السهلة والتي تدفع في اتجاهها القوى الطائفية، أي دولة «المحاصصة الديمقراطية»، إن صح التعبير، وهذا يقودنا إلى مسارين مختلفين: - المسار الأول: يتطلب أن يكون للقوى الديمقراطية الحقيقة حضور وتأثير حيوي للدفع في اتجاه حل وطني، لا حلا طائفيا قائما على روح المحاصصة ومنطقها، وهذا الحل الوطني الذي مداره تعزيز الديمقراطية والعدالة والمساواة يقتضي من جميع الأطراف المؤمنة بالديمقراطية اتخاذ خطوات، منها: لاعتراف بالأخطاء وإجراء مراجعة جادة وحقيقية مثل جميع الأحزاب المحترمة في العالم حتى وان اقتضى الأمر تغيير القيادات الحزبية -استعادة الثقة-مراجعة التحرك العقيم على الأرض – بالتحرك السياسي الممنهج عبر قنوات للتفاوض والحوار الجاد للبحث عن حل وطني قابل للاستمرار والتوقف عن الاعتماد على العامل الخارجي الذي يعقد الأمور ولا يسهلها، فضلا عن كونه المتقلب والمتغير والاعتماد، بدلا عن ذلك على القوى الوطنية، باستعادة خطاب متوازن ومعتدل يقول بشرعية الحكم وبالحاجة الى المزيد من الإصلاح والعدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين وليس بين الطوائف. كما يتطلب مثل هذا الحل مسارعة السلطة لاتخاذ الخطوات الضرورة لتجاوز الوضع الراهن، استكمالا للخطوات التي اتخذتها في السابق، والتي كانت واضحة منذ بداية الأحداث، وهي الشجاعة التي جعلتها تشكل لجنة تقصي الحقائق المستقلة، وجعلتها في نفس الوقت تقبل وتلتزم بالتوصيات الواردة في تقرير اللجنة بغض النظر عن سرعة التنفيذ، ولكن وبالرغم من أهمية هذه الخطوات فإن على السلطة ان تتقدم خطوة إضافية نحو التشجيع على الحل وبشكل متوازن بين جميع مكونات المجتمع السياسي بما يجعل من دور السلطة دورا تعديليا، تتوسط بين هذه القوى وتؤثر في القرار الوطني الاستراتيجي، بما يساعد على الخروج من حالة الانقسام السياسي، لأن عامل الوقت لا يخدم الجميع. إن الحل في هذه الحالة يوجب على الجميع ان يتحرك من منطقته التي يقف عليها إلى منطقة الوسط، وان تكون هنالك إرادة حقيقية لتجاوز الأزمة وللوصول إلى حلول توافقية وطنية تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف وطموحاتهم، حتى يكون الوطن هو المنتصر في النهاية، أما الإبقاء على الوضع الحالي فلن يخدم أحدا: السلطة أو المعارضة أو بقية القوى الاخرى ولا المجتمع في النهاية. -المسار الثاني وهو الذي تدفع باتجاهه القوى الطائفية التي لا يهمها البناء الوطني الديمقراطي، بل يعنيها بالدرجة الأولى حجم المكاسب والمقاعد ونصيبها من السلطة والحقائب، فالجمعيات والزعامات الطائفية لا يمكن أن تكون ديمقراطية؛ لأن الديمقراطية تكريس للمواطنة الحرة وأن الوطن هو نقيض الطائفية بطبيعته الاجتماعية والسياسية والتنظيمية، فعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن، وعندما يفرض هذا الوطن نفسه على الجميع تتوارى الطائفية وتذبل، وبهذا المعنى فإن في الطائفية ضياعاً للحل وللوطن معا، لأنه عندما تحل الطائفة محل الوطن فإنها تضفي عليه صفاتها فيتآكل ويموت في الذاكرة والعقول والسلوك قبل موته المادي ونفيه إلى العدم بإعادة إنتاج لحروب أخرى من ذات الطبيعة وهي الحروب التي تتغذى عليها الطائفية ولا تقوى على العيش بدونها. ولكن الخوف كل الخوف ان تغيب الرؤية الوطنية الجامعة، ويتقدم الحل الطائفي، لأنه بالإمكان إنشاء الطائفية المحاصصية بكل سهولة، لكن لن يحدث ذلك إلا باتفاق الطوائف على إلغاء الوطن والمواطن وتقاسم المغانم على أسس طائفية، وإذا كان البعض يعتقدون أن هذا النوع من المحاصصة «كتلك الموجودة في لبنان وتشق الحياة العامة والإدارة وجميع مؤسسات الدولة» هل حل ضروري في ظل الانقسام المجتمعي، فإنه من الأفضل لهم أن يتحدثوا عن أي شيء، إلا عن الديمقراطية والوطنية. بعض الطائفيين أوصلهم تفكيرهم إلى انتهاء المعركة الطائفية بما يشبه التعادل في مباراة الصراع المصطنع؛ ولذلك يسوقون بكل بساطة إلى نوع من التقسيم الطائفي لإدارة الدولة والسلطة، وهكذا يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مفرغة، نتيجة الاستماتة في الوصول إلى السلطة بأي ثمن بما في ذلك «تقسيمها» عن طريق آلية المحاصصة. وإذا كان هؤلاء ما يزالون إلى اليوم يعتبرون الديمقراطية بدعة لا تجدر الثقة بها أو اللجوء إليها، إلا للظفر بالسلطة «التي تتحول عندهم إلى غنيمة» وكمطية للسيطرة على المجتمع، فمعنى ذلك أن ما سيبقي من الديمقراطية سوى هيكل عظمي وكرسي هيمنة الزعماء الطائفيين على الحياة العامة والخاصة للمواطنين، وتلك معضلة أخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها