النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

شــــرفـــــــة العــــار

رابط مختصر
العدد 9057 الاحد 26 يناير 2014 الموافق 24 ربيع الأول 1435

«شرفة العار» هي الشرفة الثالثة، أو بالأحرى هي الرواية الثالثة بين أربع «شرفات» وضعها الروائي المميز ابراهيم نصر الله ضمن مشروعه الروائي: (الشرفات). تلك «الشرفات» هي: شرفة الهذيان، وشرفة رجل الثلج، وشرفة العار، وشرفة الهاوية. ويأتي اختيار نصر الله «الشرفة» عنوانا مشتركا لرباعيته التي تمثل كل واحدة منها رواية مستقلة، رغبة منه في أن يطل من فوق على المجتمع العربي، كي يتمكن من رؤية معالمه بوضوح، ويستطيع سبر أغوار عقده بعد أن يجاوز الحواجز التي تضع بعض المساحيق التجميلية التي تزين سحنته. فمعنى الشرفة: هو «ما يوضع على أعالي القصور والمدن والجمع شرف وشرفات. مثل غرفة غرف وغرفات. ومثل حجرة حجر وحجرات». وهذا ما حققه نصر الله في «شرفة العار» حيث نجح في تصوير واقع المرأة العربية المرعب، المثير للشفقة، وسط تناقضات المجتمع العربي الذكوري الذي يمكن أن يغفر كل الخطايا إلا خطيئة «الشرف». نجح نصر الله أن يجسد تناقضات المجتمع العربي، وظلمه للمرأة على وجه التحديد، حين صدم قارئه، وهو يقترب من نهاية الرواية، بالحوار الذي يدور بين أمين وأخته منار. فأمين، الذي كان السبب وراء فقدان منار عفتها، هو ذاته الذي يتولى إطلاق النار على شقيقته كي يغسل العار الذي ألحقته منار بالأسرة. جاء في الرواية: «حين وضع (أمين)، المسدس على جبينها: أغمض عينيه وأطلق النار، وحين سمع ارتطام جسدها بالأرض أشرعهما من جديد». تجاهل أمين خطأه، الذي كان سببا في فقدان منار لعذريتها. وبهذا كأنما يحاول نصر الله أن يؤكد أن المجتمع العربي، متجسدا في «أمين» هو، بالذهنية الذكورية التي تسيطر على سلوكه، يمثل الخصم والحكم عندما يتعلق الأمر بقضايا الشرف. يصر نصر، كعادته في معظم رواياته أن يجمع بين المشكلات الاجتماعية وقضايا المجتمع العربي السياسية، دون أن يكون ذلك زجا مفتعلا، بل يأتي كما يقول عنه الناقد سليمان الأزرعي «إن الروائي نصر الله لم يستطع كبح جماح شاعريته التي ظلت تتربع في وجدانه حين تداخلت مع الرايات المنتشرة في الأحياء حدادا على شهداء غزة في تعبير عميق عن فهم الروائي لموضوع العار الوطني الأشد وطأة من راية العار الحافزة لاستعادة الشرف الاجتماعي». أما الناقد جميل السلحوت فيرى في «شرفة العار» نوعا من الصدمة الشديدة التي يحاول نصر الله أن يذكرنا من خلالها بـ»بؤس واقعنا الاجتماعي، وبؤس ثقافتنا العمياء المتمثلة بقتل النساء تحت شعار مقيت اسمه القتل بدافع الشرف، وكأن شرف الانسان العربي يتمحور في بضعة سنتيمترات بين فخذي المرأة، أما الخيانة والسرقة والكذب والفساد والافساد، والرشوة والنصب والاحتيال...الخ من الصفات الذميمة فيبدو وكأنها لم تعد واردة في تحديد مفهوم الشرف، وهذا يقودنا الى تساؤلات أخرى عن أسباب هزائمنا المتلاحقة، نحن لسنا بصدد بحثها في هذا الموضع». ولا ينطلق نصر في بناء روايته وسرد أحداثها من الفراغ، بل يقدم على معالجة هذه القضية الشائكة إثر دراسة معمقة لما يزيد على خمسمائة حالة مشابهة. وهذا أمر تؤكده احصائيات جرائم الشرف. فمثل هذه الجريمة ما تزال ترتكب وتحت أعين المجتمع في عدد من الدول، من بينها العربية. «ففي فلسطين، هناك 239 جريمة بدافع الشرف سنوياً، وفي لبنان سنوياً 36 جريمة، وفي الأردن سنوياً 23 جريمة، وفي الباكستان 1000 جريمة، وفي ألمانيا هناك ما بين عامي(1996-2005) 53 جريمة قتل بدافع الشرف، وفي تركيا كل سنة 200 جريمة شرف». وإذا ما ربطنا بين جرائم الشرف والعنف الذي يمارس بحق المرأة، فسوف تصدمنا الإحصائيات التي تشير «إلى مدى انتشار هذه المأساة الإنسانية. إذ تمر امرأة واحدة من بين كل ثلاث نساء في العالم في حياتها بتجربة التعرض للعنف ضد المرأة». فقد كشف تقرير نشرته الأمم المتحدة عام 2006 «أنه لا توجد فيما لا يقل عن 102 من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قوانين محددة حول العنف المنزلي، أما الدول الأخرى التي لديها مثل هذه القوانين فكثيراً ما تفشل في تطبيقها بالكامل أو في فرض تطبيقها». تجسد العلاقة بين بطلي الرواية: منار وأخوها أمين التناقض المشوب بالنفاق الذي يسير العلاقات بين الأنثى والذكر في المجتمع العربي. فتراجع أمين المخاتل عن قتل أخته منار غسلا للعار الذي الحقته بالأسرة لا يصمد طويلا أمام قيم المجتمع السائدة، فنجده يرتب لها إخراجها من السجن تهيئة لإبعادها إلى «دبي»، لكنه يقضي عليها وهي في طريقها إلى المطار بعد ترتيب ذلك مع بقية أفراد الأسرة، ويتولى هو شخصيا «تنفيذ حكم الإعدام»، كي يتسنى له مواصلة حياته الاعتيادية، بعد أن طهر شرف العائلة. أجمل ما في الرواية تلك الرسالة التي أصر نصر الله أن تكون بخط يد منار التي تنقل لأفراد أسرتها الذين دبروا مكيدة إعدامها، حبها لهم جميعا بمن فيهم قاتلها أمين، ولتكون، الرسالة، شاهدا على ظلمهم لها. يلفت الكاتب هنا إلى أن القاتل المباشر، لم يكن أكثر من عربيد يتردد على الحانات والملاهي، ولا يشبع من معاشرة المومسات مع صديقه السائق يونس، الذي اغتصب أخت أمين منار انتقاما منه لرفضه تسديد دين له عليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها