النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بــــــــــدي أدرس

رابط مختصر
العدد 9055 الجمعة 24 يناير 2014 الموافق 22 ربيع الأول 1435

شدتني ضمن نشرة الأخبار لقطة خاطفة على قناة فضائية عندما سأل مراسل القناة طفلة سورية ممن ينال منهم برد الشتاء القارص، وتفتك بهم آلام التشرد في الشتات. كان يبدو على الطفلة مرض جسدي بيّن وظاهر فضلا عن مرض نفسي متخف وراء عينين زائغتين شاردتين في المدى، سألها المراسل: «ماذا ستعملين إذا ما كتب لك الله الشفاء من مرضك وعدت إلى منزلك؟» فأجابت الطفلة بملء براءة الطفولة التي اتخذت من عينيها مسكنا ومن مفرداتها رسولا قائلة: «بدي أدرس». هذه الإجابة المختصرة والمعبرة عن رغبة تختزل طموح بناء ذات، وتعمير وطن، وضعتني أمام مسؤولية الكتابة عما تتعرض له مدارسنا من هجمات همجية باركها الجهل المقدس وقد جعل المؤسسات التربوية قبلة كل من لم يؤمن يوما بالوطن وقداسة مؤسساته وبالمستقبل أملا يزرع في صفوف المدارس وفصولها وساحاتها، ومسؤولية الحديث عن الصراع القائم بين من يحمل هموم الدولة والأمة ومن يعيش أوهام جني الأرباح مما يقبضه من ثمن عرضه الوطن في سوق النخاسة المذهبية، فمدارسنا وقد حُكم عليها بأن تكون محورا رئيسا من محاور هذا الصراع ومازالت تئن تحت وطأة سطوة مؤامرة لا تريد أن تنتهي. لقد استحضرت وأنا أتابع حديث هذه الطفلة الضحية ما ينال مؤسساتنا التعليمية ممن يفترض فيهم أن يكونوا أبناء هذا الوطن وأحرص الحريصين على صون ممتلكاته، وبالأخص المحافظة على محاضن بناء مستقبل أبناء هذا الوطن. فمن أين يمكنني البدء في الكتابة؟ أحسب أن البداية ينبغي أن تكون في شكل سؤال كهذا «هل اعتاد الناس، مواطنين ومقيمين، على أعمال التخريب الموجهة بصفة رئيسية إلى مدارس وزارة التربية والتعليم، وبات السكوت عن هذه الجرائم وعدم إدانتها هو الموقف المثالي الذي ينبغي على المجتمع أن يتخذه؟». طرحت هذا السؤال على نفسي بعد أن أعدت في خاطري خبرا جاء به لي صديق في صيغة سؤال قائلا: «هل سمعت عن الاعتداء الذي تعرضت له مدرسة عالي الإعدادية للبنين؟» وفي ذات اللحظة التي فيها استعدت السؤال قد استعدت معه إجابتي العفوية على سؤاله الخبري، عندما قلت له «يا أخي، وهل مر أسبوع، منذ ثلاث سنوات، من دون أن نسمع فيه عن اعتداء سواء على مدرسة أو على رجال أمن أو خبر «اختطاف» شارع أو «احتلال» ميادين، كما يقولون بملء افتخار؟ إن مثل هذه الاعتداءات يا صديقي أضحت أعمال روتينية أخذت صفة العادية عند الناس لشدة تكرارها على مدى الثلاث سنوات الماضية. وأضفت إنه بالأمس القريب استطاع مخربون أن يعيثوا فسادا بمدرسة سترة الإعدادية قبل أن «تغزو» كتيبة أخرى مدرسة ابتدائية للبنين بقلالي؛ ليرتفع بذلك عدد المدارس المعتدى عليها إلى 239 مدرسة، وما هي إلا ثلاثة أيام أخرى حتى جاء خبر «تحقيق الإنجاز الجديد» بإضافة الهدف الآخر المتمثل في مدرسة عالي الإعدادية التي تتحدث عنها أنت ليصل عدد المدارس المغدور بها إلى 240 مدرسة حتى كتابة هذه السطور. وبالعودة إلى سؤالي الاستهلالي «هل اعتاد الناس من مواطنين ومقيمين على أعمال التخريب الموجهة بصفة رئيسية إلى مدارس وزارة التربية والتعليم؟» لا أملك إلا أن أردد الإجابة عينها التي سبق لي التصريح بها؛ أي، نعم، لقد اعتاد الناس على سماع هذه الأخبار، وباتوا لا يلقون إليها بالا ولا تحرك فيهم ساكنا وصاروا يتداولونها مع ما يتداولون من أخبار العنف التي تعصف بالعراق رغم التفاوت الكبير في الحالة الأمنية والسياسية وانعكاسهما على الحياة الاجتماعية. لكن هل هذه الإجابة تعبر حقيقة عن واقع الحال؟ أي هل أن الناس باتت متصالحة مع العنف باعتباره قدرا محتوما، أو أنها غدت متكيفة مع الإرهاب بعد مرور هذه الفترة غير القصيرة؟ الحقيقة التي لا يجب أن يتغافل عنها أحد هي أن من يظن بأن الناس تغفر لمن يتعرض لمستقبل البحرين ويتلاعب بمصير ناشئتها واهم في مطلق الأحوال، فالتكيف مع العنف لا يعني البتة المساس بخطوط حمر سطرها الوعي الجمعي بأهمية المؤسسة التربوية ضمانا لمستقبل أفضل، ولا يعني أبدا أن يتحول العنف إلى ضرب من العبث بأمن الناس وأمانهم الذي لا يُحمل على عيشة الحاضر فحسب، بل يتعداها إلى امتدادات كل جيل وعناصر مستقبله الحيوية وضمانات استمراره وتوازنه. أنا أُدرك أنني لا أخاطب عقلاء، وأعرف أن الحديث معهم مثل الكتابة على أديم الماء؛ إذ انهم لو كانوا كذلك لما أقدموا على مثل هذه الأعمال التي تنال من مستقبل البلاد وأمنها الاستراتيجي، لكن لعل محاولتنا تصل إلى من يتشدقون بالوطنية ممن يتعذر عليهم أن يصدروا بيانا يدينون فيه هذه الأعمال فيقومون بدور الناصح بعد أن مارسوا دور المحرض، ويعرفون للهمج المعتدين أن أفعالهم هذه لا تضر الدولة بقدر ما تضر المواطنين؛ إذ ينبغي أن يكون معلوما لدى القائمين بأعمال التخريب والمحرضين عليه، أن الوزارة لن تترك ما يجري تخريبه على ما هو عليه من خراب، إنما ستقوم، وهذا مؤكد، بعمليات التصليح مهما كلفت، وهي تصل إلى ملايين هي في الحقيقة، وهذا ما لا أظنه غائبا عنكم أيها المطالبون بـ»الديمقراطية»، والتواقون إلى بناء «الدولة المدنية»، من أموال الشعب. كنت أتمنى لو أن أحدا ممن يمارسون «هوايتهم» في إيذاء الأطفال قبل أن يؤذوا وزارة التربية والتعليم يقف وقفة صدق مع نفسه، وبدلا من التخفي تحت جنح ظلام الليل لتنفيذ اعتداءاته على المدارس أن ينزل صباحا، ويقف أمام أي مدرسة حكومية أو غير حكومية ويسأل أي تلميذ أو تلميذة من تلامذتها هذا السؤال: «ليش اتيي أو اتيين المدرسة؟» وسيحصل بلا شك على إجابة الطفلة السورية «بدي أدرس» ولكنها ستكون باللهجة البحرينية «أبي أدرس». فهل هناك إنسان يسمع طفلا يبدي رغبته في الدراسة ويقف حجر عثرة في طريقه من خلال إيذائه في أماكن تعلمه؟ إجابتي تقول أنه لا يوجد إنسان بهذا التبلد من الإحساس إلا عندنا نحن هنا في البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها