النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

البحث عن اجتهاد بديل

رابط مختصر
العدد 9055 الجمعة 24 يناير 2014 الموافق 22 ربيع الأول 1435

منذ أعوام قليلة رفض مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، طلبا تقدمت به إحدى القنوات الفضائية العربية لإنتاج مسلسل تليفزيونى عن سيرة الخليفة «عمر بن الخطاب» وقرر بهذه المناسبة أن يشفع رده على الطلب بتذكير وزارة الإعلام بقرار المجمع السابق، بأن ظهور شخصيات الصحابة فى المسلسلات التليفزيونية والأعمال الدرامية عموما، يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومكانة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وقرارات الأزهر بهذا الشأن كثيرة، يعود أولها إلى عام 1926، عندما اختار المخرج التركى «وداد عرفى» الفنان الراحل «يوسف وهبى» لأداء شخصية الرسول «صلى الله عليه وسلم» فى فيلم عالمى عن سيرته قياسا على الأفلام التى تتناول سيرة المسيح «عليه السلام» وأنتجتها السينما العالمية آنذاك.. لتتتالى منذ ذلك الحين قرارات الأزهر بحظر ظهور الشخصيات الدينية ، فلم يعد مقصورا على الرسول «صلى الله عليه وسلم» وآل البيت بل امتد ليشمل الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة ، ثم الصحابة الذين يرتبهم الفقه الإسلامى فى طبقات وصلت فى أقصى اتساع لها إلى كل من رأوه، ليصل عددهم إلى مائة ألف صحابى وليشمل كذلك جميع أنبياء الله، بما فى ذلك «موسى» و«عيسى» على الرغم من أن المؤمنين برسالتيهما لا يعترضون علي ذلك. والقول بأن حظر ظهور هؤلاء جميعا فى الأعمال الدرامية ، يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ينطوى على مبالغة إذ ليس فى هذه الأحكام نص يتعلق بهذا الأمر لأن السينما والمسرح والتليفزيون وغيرها من الفنون الدرامية لم تكن معروفة فى عهد السلف الصالح، وبالتالى فإن الحظر هو اجتهاد بشرى عصرى يتعلق بالأمور التى استجدت، بل إن الأزهر نفسه لم يسبق له أن أبدى رأيا فى هذه المشكلة إلا فى عشرينيات القرن الماضى، وتعددت قراراته وتنوعت وتناقضت، طبقا لاجتهادات وتقديرات شيوخه وللمناخ العام السائد، خاصة فيما يتعلق بالأمور الدينية. وبسبب ذلك حدثت مفارقات من بينها حظر ظهور شخصيات سبق لها أن ظهرت بالفعل فى أعمال درامية مثل الصحابى «بلال بن رباح» الذى ظهر فى عدة أفلام مصرية بينها فيلم عن حياته، و«خالد بن الوليد» والذي وافق فضيلة الشيخ «محمود شلتوت» - شيخ الأزهر الأسبق- على أن يجسد الفنان الراحل «حسين صدقي» فيلما عن حياته، و«حمزة بن عبدالمطلب» الذى كان ظهور شخصيته فى فيلم «الرسالة» الذى أخرجه المخرج السورى «مصطفى العقاد» سببا فى حظر تصوير الفيلم فى مصر وعرضه بها.. والأفلام العالمية الكثيرة التى ظهرت فيها شخصية السيد المسيح، وظلت تعرض لسنوات طويلة فى دور السينما العامة إلى أن أدركها الحظر، فقررت الرقابة على المصنفات الفنية أن تعرض فى الكنائس فقط.. وبينما عرض المسرح المصرى فى الثلاثينيات مسرحيات عن حياة النبى «يوسف الصديق»، وعرض التليفزيون المصرى مسلسلا عنه فى الستينيات، أثار فيلم «المهاجر» الذى استوحى فيه «يوسف شاهين» سيرته عاصفة من الاعتراض وصلت إلى حد استصدار حكم قضائى بسحب ترخيص عرضه. وفى كل هذه الحالات ثبت أن الحظر لا جدوى منه، فحظر تجسيد شخصيتى «بلال» و«خالد بن الوليد» لم يحل دون تكرار عرض الأعمال القديمة التى ظهرت فيها شخصيتاهما وحظر تجسيد شخصية «حمزة بن عبدالمطلب» لم يحل دون عرض فيلم «الرسالة» فى كل أنحاء العالم، بما فى ذلك معظم الدول الإسلامية التى لم توافق الهيئات الدينية فيها على أن ظهور شخصيته على الشاشة مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية ، بل استقبل الفيلم بترحيب شديد، وأسهم فى إبراز الطابع الإنسانى والعالمى للرسالة الإسلامية. أما المهم فهو أن عرض فيلم أو مسلسل تليفزيونى أو إذاعى ، لم يعد - بعد ثورة الاتصالات- يتطلب إذنا أو ترخيصا من أية جهة محلية سواء كانت الأزهر أو كانت الرقابة على المصنفات الفنية، وأصبح هذا الإذن مقصورا فقط على السماح بتصوير الفيلم أو المسلسل على أرض بلد محدد، أما العرض فهو لا يتطلب سوى موافقة الجهة العارضة، وهى - بالنسبة للمسلسلات التليفزيونية- القنوات الفضائية، التى تجاوز عدد ما يبث منها باللغة العربية الآن خمسمائة قناة، تختلف اجتهادات مستشاريها الدينيين تجاه ظهور الشخصيات الدينية وتضيق من نطاق الحظر الذى تفرضه على ظهور هذه الشخصيات، بينما لا يزال مجمع البحوث الإسلامية مصرا على موقفه الذى يوسع من نطاق الحظر. ومع أن التجربة كشفت عن أن الأعمال الدرامية التي ظهرت فيها شخصيات دينية مقدسة، كانت على وجه الإجمال ذات تأثير إيجابى فى إشاعة الإيمان بالرسالات السماوية، وفى تعريف المسلمين بتاريخ دينهم وتعريفهم بتاريخ غيره من الأديان وتعريف غير المسلمين بالإسلام إلا أن التوسع فى حظر ظهور هذه الشخصيات على الشاشة، قد أدى إلى عزوف صناع الدراما العرب عن تقديم أفلام ومسلسلات عن عصر صدر الإسلام ، لأن الحظر يكاد يشمل معظم الشخصيات التى صنعت أحداثه الكبرى، ولأن رواية وقائعها دون ظهورهم اكتفاء بالنقل عنهم يفقد هذه الأعمال تأثيرها، ويحولها من أعمال درامية إلى حصة مطالعة فى مدرسة ابتدائية! أما المهم ، فهو أن قرار مجمع البحوث الإسلامية بالاعتراض على تجسيد شخصية الخليفة «عمر» فى المسلسل ، لم يحل بين صناعة وبين البحث عن اجتهاد آخر، انتهى بالفعل بإخراجه وعرضه على شاشات عدد من القنوات الفضائية فى شهر رمضان منذ أعوام قليلة، دون أن يملك المجمع سلطة لوقف ذلك فى عصر السماوات المفتوحة، بل ودون أن يعترض على ذلك، حين عرض المسلسل على إحدى الشاشات المصرية غير الرسمية، وهو ما يفرض عليه أن يعيد النظر فى قائمة الشخصيات الدينية المحظورة من الدراما، ليضيقها إلى الحد الأدنى، بحيث تقتصر على الرسول «صلى الله عليه وسلم» خاصة بعد أن تتالى ظهور الخلفاء الراشدين الأربعة فى مسلسلات تليفزيونية استنادا إلى الواقع الذى تغيرت معه الدنيا فضلا عن أن هذا الحظر كان ولا يزال اجتهادا بشريا عصريا لا علاقة له بأحكام الشريعة الإسلامية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها