النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

لدينا ما يغنينا عن ألف وثيقة...

رابط مختصر
العدد 9053 الأربعاء 22 يناير 2014 الموافق 20 ربيع الأول 1435

رغم عدم ثقتي في أي شيء يصدر عن جمعية “الوفاق” وشقيقاتها المذهبيات، إلا أنني لا أخفيكم بأنني كنت منجذبا لعنوان وثيقة موسومة بـ”لا للكراهية” أصدرتها الجمعية المذكورة، ولعلي أوضح أن انجذابي ما كان إلا للعنوان فحسب، أما الباقي فيندرج كله تحت باب عدم الثقة التي حازت عليها هذه الجمعية والجمعيات المتحالفة معها من جميع أطياف الشعب بامتياز، ولهذا فقد احتفظت بدلالات المعنى الذي حمله عنوان الوثيقة المذكورة باعتباره موروثا اجتماعيا متراكما تركه لنا الآباء والأجداد مغروسا ومتجذرا في سلوكنا الآدمي، وكان عنوانا جاذبا لجزيرة قصدها القاصي والداني طلبا للأمن والأمان على مدار التاريخ، ووجدت نفسي مدفوعا عقلا ووجدانا إلى أن أقرر اختيار أقرب مكب للنفايات مآلا محتوما لهذه الوثيقة التي أصدرتها جمعية “الوفاق” المذهبية وشقيقاتها بعد ثلاث سنوات عجاف من ممارسة كل ضروب الكراهية وعلى أوسع نطاق، ولسوف استسرع حافلة نقل النفايات لهذا المكب لتقذف بهذه الوثيقة وتلفظها بعيدا عن جوار قريتي التي فُطرت على التحاب مع جيرانها (الحد وعراد وسماهيج والدير) في فضاء المحرق المهيب الواسع باتساع المحبة والتواد، من دون أن يتلبس الخوف أهلها من اشتعال الكراهية التي أصبحت هاجسا مقيتا منذ اللحظة التي أقدمت فيها عصابة السوء على إشعال ثقاب هذه السوءة الاجتماعية في دوار العار والهزيمة الداخلية. جميل أن يرقى الحديث عن رفض الكراهية في المجتمع البحريني إلى هذا المرقى العالي من المسؤولية الوطنية، وأحسب أن الأجمل كان سيقع لو أن الجمعيات الخمس قد استشعرت الخطر المحدق بالنسيج البحريني المتآلف، وقرأت المشهد الاجتماعي بعيدا عن الحسابات الطائفية المقيتة، لكن يبقى أن استشعار الخطر لا يتم بتحويل الكراهية إلى كرة نار ترمي بها هذه الجمعيات على من لم يمارسها، إنما سيكون من الشجاعة أن تعترف هذه الجمعيات بأنها المسؤولة مسؤولية مباشرة عن تفجر هذه المشكلة التي لم يكن لها وجود قبل الرابع عشر من فبراير 2011 وفي تحولها إلى سلوك لدى كوادرها تمارسه في شوارع المملكة وقراها بكرة وأصيلا. وإذا كان من وجود لهذه الآفة الاجتماعية قبل الدوار اللعين، فإنه من الإفرازات التي كانت تؤسس لها الجمعيات المذهبية منذ نشأتها في الخفاء لتفجير تلك الأحداث من خلال شعارات صاغتها وتشدقت بها في منصات الدوار وتجمعاته. لقد تناول كتّاب كثر هذه الوثيقة بالتحليل والتعليق مذ طلعت علينا هذه الجمعيات بهذه البدعة الجديدة المسماة وثيقة “لا للكراهية” المتكئة على أكثر من مرجعية دولية وإسلامية أظهرتها في شكل لا تحضرني كلمة مناسبة في وصفها إلا كلمة “برداك” الروسية والتي تعني فيما تعنيه الخليط المشوش والملخبط الذي لا يمت بذات صلة للسلوك الحقيقي الذي تمارسه هذه الجمعيات في الواقع. فهل كل هؤلاء الكتاب هم ضد الدعوة إلى المحبة والتآلف والعيش المشترك؟ وهل أنهم يقفون على الضد مما تطرحه المرجعيات الدولية والإسلامية؟ الفطرة الإنسانية السليمة تقول لا طبعا، لكن في ظني أن كل هؤلاء الكتاب الذين بادروا إلى الكتابة والتعليق على هذه البدعة الجديدة، فيما عدا بضع كتاب في الداخل نذروا أنفسهم لانتصار “الثورة”،هم مندهشون من هذه الدعوة، ومن أصحاب هذه الدعوة إلى نبذ الكراهية؛ لأن التصور الماثل لدى المواطنين من كل المكونات الاجتماعية، باستثناء المذهبيين منهم، هو أن أصحاب الدعوة إلى نبذ الكراهية هم من أسس لها، وهم من نفث سمومها في المجتمع البحريني. عند الحديث عن الكراهية، ولعن الله من نشر ثقافتها في ربوع بحريننا الجميلة، ينبغي القول إن هناك أنواعا منها، غير أن ما يهمني هنا نوعان، أولهما هو النوع الذي يستمر حتى موت الكاره أو المكروه، وهذا النوع هو كره شخص لآخر وهذا يصعب القضاء عليه تماما، وثانيهما ما يُمكن أن نطلق عليه كره جماعة بشرية لأخرى، وهذا النوع من الكراهية ليس إلا نتاج ثقافة مجتمعية تكون فيها فئة متسلطة، وفي الغالب تكون سلطة دينية متشددة، تفرض إرادتها وثقافتها على بسطاء الناس وتنتج سلوكا عنيفا في المجتمع، أليس هذا النوع من الكراهية هو ما عملت الجمعيات المذهبية على اختلاف مسمياتها في البحرين على تعميم ثقافته لدى كوادرها وأتباعها ومريديها؟ لا أحد يتمنى أن يستمر هذا النهج إلى أن يقضي الكاره على المكروه أو العكس؛ لأن الدمار وقتها سيكون حتما كارثيا ماحيا للكاره والمكروه، وهذا ما انتبه إليه مجلس الوزراء الموقر فنبه إلى مخاطره؛ ليأمر بتشكيل لجنة لمناهضة الكراهية “تختص باقتراح وتبني السياسات والمنهجيات وإعداد البرامج الفعالة التي تتصدى لمشكلة خطابات الكراهية التي تبث عبر المنابر والكتب ومن خلال وسائل الإعلام...”. هناك مظاهر هي بمثابة الشواهد على الكراهية التي تتحدث عنها هذه الجمعيات، وهي مسجلة بواسطة ممارسي هذه الكراهية في وسائط التواصل الاجتماعية. فأنا شخصيا لا أعرف بماذا يمكننا تفسير حرق الشوارع والممتلكات العامة وتعطيل حياة البشر؟ أليس في هذا تعبير “صادق” عن كراهية متأصلة تستهدف كل ما يُحمل على أنه نجاح للمكروه حتى وإن كان في ذلك أمن الابن والبنت والأخ والعم والخال والصهر والصديق، لا كلام ينعت هذا السلوك إلا أنه شكل حاد من أشكال إظهار الكراهية لكل من لم يقف مع هذه الفئة ومارس شجبه لها بالوسائل المتاحة. ثم كيف لنا أن نفسر سكوت هذه الجمعيات الخمس عن إدانة هذه الأعمال، بل إن البعض بدل أن يدين كان يتخذ من المنابر الدينية مكانا يمارس فيه ضربا من “الدعارة السياسة” ليحرض على العنف، ويتخذ من المخربين المقبوض عليهم في كنف القانون عناوين لنضال بائس مكذوب لا ينطلي إلا على السذج البسطاء. العنف سادتي خطابا وفعلا لا يحتمل إلا تأويلا واحدا وتفسيرا أوحد: إنه مظهر واضح فاضح دال على الكراهية. لماذا وثيقة “لا للكراهية؟” في اعتقادي أننا في البحرين لا تنقصنا وثائق وخطابات تحارب الكراهية، وتتحدث عن المحبة والتسامح والاحترام، إنما يلزمنا التمعن مليا في وجوه آبائنا وأجدادنا الذين هم على قيد الحياة، لنستحضر مواقفهم مع بعضهم البعض، ونحتاج إلى إعادة قراءة مخزوننا من الثقافة الشعبية الناطق بما يفوق بيانا وإيضاحا مجلدات من وثائق النفاق السياسي والمزايدات الخاوية؛ فوجوه آبائنا وسيرهم المحفوظة في ذاكرتنا الجمعية تغنينا عن ألف وثيقة ووثيقة. قصارى القول، إن المحبة ليست متجسدة في سلوك آبائكم فحسب وإنما هي تعتلي وجوههم فتأملوها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها