النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

دولة مدنية أم دولة ديمقراطية؟!

رابط مختصر
العدد 9053 الأربعاء 22 يناير 2014 الموافق 20 ربيع الأول 1435

لعل المبالغة الدعائية في الحديث عن “مدنية الدولة” أو “الدولة المدنية” خلال السنوات القليلة الماضية من قبل رموز التيارات الدينية-الطائفية تحديدا، يبدو للوهلة الأولى كمفارقة غريبة وغير منطقية، وغير متسقة مع الخلفية الأيديولوجية لهذه الجماعات وأدبياتها المكرسة منذ بداية القرن الماضي وحتى اليوم، بما يطرح أمامنا احتمالين لتأويل هذه المفارقة: - الأول: أن تكون هذه الجماعات قد قامت بمراجعات عميقة لفكرها ورؤيتها للدولة مفهوما وإدارة، وهذا بالطبع ما دأبت هذه الجماعات على تأكيده منذ عقدين من الزمان على الأقل. - الثاني: أن تكون هذه الجماعات، وفي سياق تحالفها مع القوى الخارجية، ومناوراتها مع القوى العلمانية الداخلية، تحاول اللعب بهذه المعادلة، من أجل بناء تحالف “مدني-ديمقراطي” تكتيكي من أجل الوصول إلى السلطة، وبعدها تعود هذه القوى إلى تنفيذ برنامجها الأصلي، وهو برنامج أيديولوجي، ما وراء وطني، لا يؤمن بالحدود الجغرافية، ولا بإرادة الناخب (إلا لمرة واحدة) ولا بالتشريع المدني، فلا مواطنة ولا مواطنون، وانما مؤمنون وغير مؤمنين، مسلمون وأهل ذمة، وملحدين.. وقد يقول قائل اننا إزاء تأويل مثل هذه المفارقة نقع في محاكمة النوايا، ولكن ما عايناه في عدد من التجارب المرتبطة بحكم الجماعات الدينية، بدءا بحكم الإسلاميين في إيران، ومرورا بحكمهم في السودان، ووصولا إلى حكمهم في مصر، وجدنا ان هذه التجارب قد رجحت في اتجاهها العام التفسير الثاني، بما يجعل هذا الإلحاح الغريب على الأخذ بــ “مدنية الدولة” من تيارات معروف عنها تأييدها ومطالبتها بإنشاء دولة دينية خالصة، بل وبالعودة إلى نظام الخلافة الإسلامية في بعض الأحيان، ووجه المفارقة هنا أن الدولة العلمانية هي النموذج المقابل للدولة الدينية بالمفهوم الكنسي الذي ساد في العصور الوسطى، وقد استعمل البعض كلمة “العلمانية” على أنها فصل الدين عن الدولة، حتى بدا وكأن أصحاب الدعوات من هذه التيارات يوافقون على بناء دولة “علمانية” بالمعنى الذي يؤول بنا إلى فصل الديني عن المدني في السياسة والاقتصاد والحياة عامة، باستثناء ما يتعلق بأحكام الأسرة تقريبا.. حيث اصبح من الواضح ان المفهوم الذي يروج له منذ سنوات في الخطابات والتصريحات والكتابات، وحتى في الصياغات الدستورية، يكاد يفضي بنا إلى إنشاء ما يمكن ان نسميه دولة “مدنية–دينية” على أن يكون هؤلاء هم من يديرونها ويحكمونها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وما يقودنا إلى هذا الفهم هو القراءة الموضوعية في التأويلات والتفسيرات لـمصطلح “الدولة المدنية” عند بعض هؤلاء، فاغلب هذه التيارات ترى– وهي تتحدث عن هذا الموضوع-أن “الدولة الإسلامية القديمة” في مجملها “دولة مدنية” لأن حكامها وملوكها كانوا مدنيين، ولم يكونوا رجال دين، وان كانت الدولة تطبق أحكام الشريعة، وبهذا المعنى فهم يؤيدون قيام دولة يكون الحكم فيها للشعب بطريقة ديمقراطية، ويكون فيها الناس متساوين في الحقوق والواجبات، ولا يكون فيها الحكم لرجال الدين أو للعسكر. ولكن مفهوم الدولة المدنية-وهو بالمناسبة مجرد مصطلح غير دقيق والصحيح هو دولة ديمقراطية -يرتبط بـ: - عدم ممارسة الدولة ومؤسساتها أي تمييز بين المواطنين بسبب الاختلاف في الدين أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. - خضوع مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية للمساءلة والمحاسبة. - عدم حصول رجال الدين على وضعية فوق المواطنة وفوق القانون، فلا يتحول رجل الدين إلى شخص فوق القانون وفوق المحاسبة (خط أحمر)، رجل فتوى بفتواه يتحرك الآلاف إلى الشارع لا يبقون ولا يذرون. مثلا!!). - منع تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية، بل يكون الصراع صراعا سلميا بين رؤى وأفكار وبرامج وقوى ومؤسسات وأشخاص يهدف إلى اختيار الأفضل للدولة والمجتمع. - ضمان الشفافية الكاملة وإمكانية الطرح العلني لجميع الرؤى والأفكار والبرامج الهادفة لتحقيق الصالح العام في ظل قبول التعددية واحترام الرأي الآخر... - ضمان ان يكون التعليم معبرا عن الروح العامة للمجتمع وليس عن طائفة، يعبر عن القوانين العامة وعن العصر وعن تيارات العصر، وعن كل ما يستجد في الحياة. - ضمان صياغة مؤسساتنا، أحزابنا، نقاباتنا، هيئاتنا المدنية صياغة ديمقراطية، لأنه يستحيل أن تطلب من الآخر أن يكون ديمقراطياً وأنت لست ديمقراطياً، فلكي تطلب الديمقراطية ينبغي أن تكون ديمقراطياً أولاً، وإذا ما كنت في نفسك وفي أسرتك وفي بيتك ديمقراطيا تقدر أيضاً أن تتحرك نحو هذا الهدف في دوائر أوسع. إن الديني هو العقيدة والإيمان وقواعد الشريعة والعبادات، والسياسي هو المصالح العامة ونظم الحكم وإدارة شؤون الناس، ولذلك يوجد فرق كبير بين المفهومين اعتبارا لان الديني هو وحي ومبادئ مقررة بوضوح، أما السياسي فهو نظام وضعي بشري يبقى المقام فيه مفتوحا للاجتهاد بما يحمله من الصواب والخطأ، فالأول مطلق والثاني نسبي، وعليه فان الخلط في مستوى الشعار والدعاية بين البعدين يضر بالدين ويضر بالسياسة على حد سواء، لأن السياسة تتأثر بالعصبية والمصالح في المواقف وتحولاتها وتقلباتها وأهواء القيادات والأحزاب ومصالحها ومصالح الفئات الاجتماعية التي تصطف وراءها، بل ان السياسة قد تضحي بالقيم والثوابت من اجل تحقيق مصلحة او بناء تحالف ما او درء مخاطر، بما في ذلك ما هو مجرم بمنطق القيم الدينية والاخلاقية، انها باختصار عالم النسبية والمصالح العابرة المتغيرة في حين أن الديني يتميز – أو يجب أن يتميز مبدئيا- بالتعالي على العصبيات والمصالح الفئوية ويجب ان يرتبط ويعبر عن المطلق بدلا من النسبي، ولذلك لن يحمي الدين او الطائفة السياسي او المشتغل بالسياسية، لأنه في عالم السياسة لا قداسة ولا مقدسون ولا عصمة ولا معصومون..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها