النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مارثون حوار التوافق الوطني البحريني العبثي

رابط مختصر
العدد 9050 الاحد 19 يناير 2014 الموافق 17 ربيع الأول 1435

تكاد جلسات حوار التوافق الوطني البحريني أن تطفئ شمعتها الأولى. ففي شهر فبراير من العام 2013، وتحديدا في اليوم العاشر من ذلك الشهر، انطلقت جلسات الحوار الأولى، وسط موجة تفاؤل عارمة مست مشاعر جميع فئات الشعب البحريني التي كانت، حينها، تضع آمالها في سلة ذلك الحوار، وتعلقها على نتائجه. فقد جلس إلى تلك الطاولة من يشكلون تمثيلا مقبولا يضمن الحد الأدنى من مشاركة القوى السياسية المنظمة، بما فيها ممثلين عن السلطة التشريعية بغرفتيها. فالتاجر البحريني كان يتوخى أن يتوصل المتحاورون إلى ما من شأنه إشاعة الأمن والاستقرار اللذين يبيحان له العودة إلى ممارسة أعماله التي أوصدت أبوابها أعمال العنف والعنف المضاد التي شاعت، وأصبحت ظاهرة عادية لما يزيد على العامين، حاملة في أحشائها كل عوامل الهدم التي حولت البحرين من مركز للتجارة والاستثمار، إلى بؤرة للعنف والعنف المضاد. الموظفون والحرفيون كانوا بدورهم، ترنو أنظارهم إلى طاولة الحوار تلك، آملة أن يستجيب المتحلقون حولها لمطالبهم، فتعود دورة الحياة إلى ربوع البحرين إلى طبيعتها، بعد أن يستتب الأمن والأمان فيها، فينعم أفراد هذا القطاع بما يستحقونه من مكافآت معنوية ومادية أوقفها استمرار حالة الاستقطاب الطائفي الذي ترك بصماته على مجمل مرافق القطاعين العام والخاص. التلامذة والطلبة، هم الآخرون ضحية رخيصة قدمتها أحداث البحرين الأخيرة على مذبح الأزمة التي فجرتها تلك الأحداث، حيث تحولت قاعات الدراسة وفصولها الى ملاعب سياسية تتبارى فيها الفرق المتناحرة بسبب خلافات تقترب من العبثية، التي لا تملك من مقومات استمرارها أكثر من أنانية لاعبي تلك الفرق، وضيق أفقهم، ونزق سلوكياتهم. وفي خضم كل ذلك، ودون النظر إلى تلك المناشدات والآمال، وبعيدا عن أية مسؤولية وطنية، يوصل المتحاورون أنفسهم إلى طريق مسدودة، ويجدون أنفسهم وكأنهم عادوا، وأعادوا معهم البحرين، إلى المربع الأول في رقعة الشطرنج السياسية، فنجدهم يتقاذفون التهم، ويتبادلون تحميل المسؤولية التي يزيحها الواحد منهم عن كاهله، ويلقي بها على ظهر الآخرين، وكأنه بذلك أراح ضميره من كل الجرائم التي ارتكبت بحق هذا الوطن والمواطن. الضحية في كل ذلك المشوار الطويل المرهق هو ذلك المواطن البحريني، الذي كما يبدو، ومن خلال الفشل الذي منيت به طاولة الحوار، كان في أسفل قائمة أولويات المتحاورين، وفي قاع صندوقهم السياسي. هنا لا يمنع المواطن نفسه من إثارة مجموعة من الأسئلة التي لا يتردد في أن يرفعها في وجه المتحاورين، أفرادا كانوا أم ممثلين لأطراف سياسية. ما هو، إن كنتم صادقين مع الوطن وأنفسكم، السبب الحقيقي وراء فشل جلسات الحوار كي تجد نفسها أمام جدار عال صلد لم يعد في وسعها القفز من فوقه؟ ما هي القضايا الاستراتيجية التي اختلفتم بشأنها وحالت دون «توافقكم»، على الحدود الدنيا التي يمكنها أن تنتشل البحرين من مستنقع العنف وعدم الاستقرار الذي أغرقتموها فيه، وباتت مثل اللعنة التي تلاحقها أينما سارت؟ يتبع المواطن ذاته، تلك الأسئلة بخطاب صريح عنوانه إحدى عشر شهرا من عمر الوطن والمواطنين أضعتموها جميعا، دون أي استثناء، في مهاترات لا تليق بالمسؤولية الملقاة على عاتقكم، فخذلتم أنفسكم، لكن بعد أن خذلتم الوطن والمواطن. ينطلق المواطن في هذا العنوان الذي يخفي تحت جبته مجموعة من القضايا التي لا يمكن تبرير عدم التوافق بشأنها، اللهم إلا عندما تتلاشى هموم الوطن الكبرى أمام النظرات الضيقة، فتصبح «الأنا» السياسية أكثر حضورا، ومن ثم تأثيرا على مسار طاولة الحوار من تلك القضايا الكبرى. مارثون طويل، ومكلف، وعسير، طرقاته ملتوية، قطعته البحرين على الصعد كافة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يبدأ زمنيا، إذا ما حصرنا أنفسنا في الحوار التوافقي الثاني، من فبراير 2013 حتى اليوم، كي تجد نفسها مرة أخرى أمام طريق مسدودة، نتيجتها تعليق جلسات الحوار حتى إشعار آخر. ربما يريح هذا التعليق المشاركين في الحوار، لكنه لا يمكن أن يرضي الوطن والمواطن على حد سواء. لم يعد المطلوب اليوم الاستمرار في تبادل التهم، فما هو أهم من كل ذلك، هو أن تعيد القوى كافة النظر في سياساتها، وتراجع نفسها، وتقرأ بموضوعية وتجرد تامين قراراتها التي اتخذتها على مدى العام المنصرم، كي تتلمس، إن كانت هي صادقة مع نفسها، مواطن الخطأ الذي ارتكبته خلال المسيرة الماضية، وتضع حدا لتلك «الأنا» السياسية التي سيطرت على سلوكها، وتعود إلى طاولة الحوار، وهي أكثر مرونة وتهيؤ للقبول بالآخر والتعايش معه، من أجل الوصول إلى منتصف الطريق في اتجاهه. فما لم يحدث ذلك، وأصر كل فريق على التخندق في مواقفه، ورفض التزحزح قيد أنملة عنه، كما هو جار اليوم، فليس هناك من خيار سوى العودة من جديد إلى المواجهات العنيفة التي أوصلت البحرين إلى حالة العبثية السياسية التي نتحدث عنها، وأرغمت الجميع على القبول بالنزيف المستمر الذي لا يعرف سوى الله متى سيتوقف. ليس هناك من جدال بأن مواجهة الذات عملية صعبة، لكنها تصبح في غاية السهولة عندما تكون من أجل الوطن والمواطن، وإلا فليس أمام القوى جميعا الاستمرار في هذا المارثون الحواري الطويل الذي بات، كما ورد في الآية الكريمة «قاب قوسين أو أدنى»، لكن في حالة البحرين، من الحالة العبثية الملمة بها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها