النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

حظـــــــك هــــــــذا العـــــــــــام

رابط مختصر
العدد 9048 الجمعة 17 يناير 2014 الموافق 15 ربيع الأول 1435

استقبلت العام الجديد، وأنا اتابع على شاشة التلفزيون برنامجا شهيرا رأى مقدمه أن أفضل وسيلة للاحتفال باستقبال عام 2014، هو أن يبتعد عن الموضوعات السياسية التى تعود أن يقدمها لمشاهديه كل ليلة، حتى لا يصدع رءوسهم بالمشاكل الكثيرة التى تعانى منها الأمة فى الأعوام الأخيرة، فلم يعلق على أحداث اليوم الأخير من عام 2013، ولم يذع خبرا من أخباره، ولم يستضف ـ كالعادة ـ أحدا من المحللين السياسيين أو الاقتصاديين أو العسكريين لكى يحلل الوقائع التى شهدها الوطن العربى والعالم خلال العام المنقضى ويستقرئ على ضوئها التطورات التى قد تحدث على الصعيدين خلال العام الجديد، وبرر ذلك بأنه لا يريد أن يثقل على مشاهديه، فى هذه الليلة المفترجة، التى يلقون خلالها بهموم العام الراحل خلف ظهورهم ويستقبلون العام المقبل بالغناء والرقص وتبادل التهانى والقبلات، ولذلك قرر أن يستغنى عن ضيوفه التقليديين من الساسة والمفكرين والمحللين الاستراتيجيين، الذين لا يجلب حديثهم إلا الهم والكرب، لتحل محلهم ضيفتان من المتخصات فى الفلك وقراءة الكف وفتح الفنجان، ووشوشة الودع، لكى تقرآ لهم طالع العام الجديد، وتذيعا عليهم ما أسفر عنه بحثهما العلمى العميق من تنبؤات لما سوف يحدث فيه. وكان وراء حرصى على متابعة الحلقة اهتمام قديم بهذا النوع من التنبؤات الفلكية يعود الفضل فيه إلى أستاذى الراحل «د. سيد عويس» ـ عالم الاجتماع المعروف، الذى كان شديد الشغف بالبحث فى ظواهر التفكير الخرافى الذى يسكن عقول العرب والمصريين، منذ اكتشف مصادفة فى أواخر خمسينيات القرن الماضي، أن من بين المصريين المعاصرين من يرسلون خطابات بالبريد إلى مقام الإمام الشافعى بالقاهرة، يضمنونها شكاواهم مما يقع عليهم من مظالم، ويعتقدون أن الإمام الشافعى الذى توفى منذ عدة قرون سيبت فيها من قبره، ويحكم فيها باعتباره قاضى الشريعة، وهى ظاهرة دفعت «د. عويس» للمقارنة بينها وبين مجموعة من أوراق البردي، عثر عليها فى مقابر قدماء المصريين، الذين كانوا يتلقون ـ بعد موتهم ـ خطابات من الأحياء، ليخلص من ذلك إلى أن هناك عوامل ثقافية موروثة تتحدى الزمن، وأن بعض المصريين المعاصرين لا يزالون يحتفظون بتقاليد أجدادهم الفراعنة ويفكرون بالطريقة التى كانوا يفكرون بها. وانطلاقا من هذا الاستخلاص، بدأ «د. سيد عويس» بإجراء سلسلة من البحوث حول التفكير الخرافى لدى المصريين المعاصرين وصلته بالموروث الثقافي، اجتذب إليها عددا من تلاميذه كنت أحدهم ليجمعوا مادتها عبر استثمارات بحث كان يصممها لهذا الغرض، شملت دراساته الشهيرة حول نظرة المصريين المعاصرين نحو الموت والموتي، وظاهرة الكتابة على هياكل السيارات، وحفز فريق منا على إجراء بحوث فى بعض الموضوعات كان من بينها دراسة شائقة حول قراءة أبواب الحظ فى الصحف المصرية، كشفت عن أنها من الأبواب التى يقبل معظم القراء على متابعتها يوميا، ومع أن عددا ملحوظا منهم، كان يقرؤها على سبيل التفاؤل مع عدم تصديقه لها، فإن عددا لا يستهان به منهم، كانوا يصدقون ما يرد بها، وينفذون ما يرد بها من نبوءات، فإذا قال له فلكى الجريدة، ان هذا اليوم غير ملائم لعقد الصفقات التجارية، امتنع عن ذلك، وإذا قال إنه سيصاب بعارض صحى أسرع يتناول أدوية الوقاية من البرد، وهكذا.. وعندما اشتغلت بالصحافة اكتشفت أن بعض هذه الأبواب يحررها صحفيون لا علاقة لهم بما يسمى علم الفلك ولا صلة لهم بعلوم قراءة الفنجان وضرب الرمل ووشوشة الودع، بل هم ـ مثلى يعتبرونها نوعا من الدجل والشعوذة والنصب على ناقصى العقل والمعرفة واستغلال جهل العوام واشباههم، ولكنهم يحررونها لأن الجريدة تحرص على أن تضمن صفحاتها هذا الباب الذى يقبل القراء عليه، ولأن مواردها تعجز عن دفع مكافأة فلكى محترف من ذوى الأسماء اللامعة، والأجر الكبير فقد كلفته أن يحرره مقابل مكافأة لا تزيد على 25٪ من المكافأة التى يتلقاها الحاصلون على درجة الدكتوراة فى علم «نبين زين نبين.. ونضرب الودع». وكنا نتخذ من زملائنا الذين يحررون هذه الأبواب هدفا لسخريتنا لأنهم لا يقلون نصبا عن الفلكيين المحترفين فهم لا يفعلون شيئا يستحق المكافأة الإضافية التى يحصلون عليها مقابل تحرير باب «حظك اليوم» ويكتفون بتكرار نفس النبوءات يوميا، مع نقلها من برج إلى برج آخر، فما يقال لمواليد برج «الدلو» اليوم من نبوءات ينتقل فى اليوم التالى إلى مواليد «برج السرطان» بينما تنتقل النبوءة الخاصة ببرج السرطان إلى مواليد برج «الميزان» وهم يحرصون على ألا تتضمن النبوءات الخاصة بمواليد برجى «العقرب والجوزاء» فى أى يوم من الأيام، أى بنود تعكر صفوهما، كالمرض والمشاكل العائلية وفراق الأحباب لسبب بسيط هو أن الأول هو البرج الذى ولد فيه السيد رئيس مجلس إدارة الجريدة، والثانى هو البرج الذى ولد فيه السيد رئيس التحرير، بينما كان بعضهم يحرص كلما شددنا عليه المسخرة، على أن يتحف المولودين منا فى غير هذين البرجين، بنبوءات من نوع مصيبة كبرى فى الطريق.. أو تخسر قدرا كبيرا من المال. والمؤرخون وعلماء النفس والاجتماع يقولون إن وراء ظاهر قراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل عوامل تاريخية تعود إلى عجز الإنسان البدائى عن فهم ظواهر الطبيعة، مما دفعه للاستعانة بالسحرة والعرافين لتفسيرها له، وإلى عوامل نفسية تدفع الإنسان ـ حتى بعد أن تقدمت العلوم ونجح فى فهم معظم الظواهر الطبيعية ـ للخوف من المستقبل وللسعى لمحاولة اكتشاف ما يخبئه له الغد وعوامل اجتماعية دفعت فريقا من البشر لاستغلال عدم الفهم والقلق لدى الآخرين كوسيلة لأكل العيش والارتزاق تطبيقا للقاعدة التى يصوغها مثل شعبى مصرى يقول «رزق الهبل على المجانين» والهبل فى العامية المصرية هم البلهاء وناقصو العقل.. والمجانين هم العرافون! ولأنى كغيرى ممن تجاوزوا السن القانونية للاحتفال برأس السنة عن طريق الرقص وتبادل القبلات ـ لم أجد ما أفعله فى استقبال عام 2014، سوى تلقى التهانى والأمانى بالعام الجديد، ومتابعة نبوءات عالمتى الفلك، ساخرا من محاولة كل منهما، الإيحاء للمشاهدين بأنهما ضليعتان فى علوم المستقبل، وحاصلتان على أرقى الشهادات العلمية فى هذا المجال، ومن إصرار مقدم البرنامج على أن علم الفلك علم معترف به ويتعلق بتأثير حركة الأفلاك على سيكولوجية الإنسان وإعلانه بأن سنة 2014 ستكون سنة سعيدة، لأن الرقم 14 هو مضاعف الرقم 7، وهو من الأرقام التى يؤكد علماء الفلك أنه يحفل بالأسرار وبالبركات، فضلا عن أن مجموع الأرقام التى يتكون فيها الرقم 2014 هو سبعة، وهو استخلاص لم تؤيده عالمتا الفلك اللتان أكدتا أن ما بين أيديهما من شواهد علمية تؤكد أن سنة 2014 ستكون سنة أسود من قرن الخروب وتوقعنا أن تشهد مصر خلاله أحداثا جسيمة، بسبب تداخل الأفلاك فى بعضها البعض، بل وملكت إحداهما الجسارة لكى تعلن أن مصر ستشهد فى اللحظات الأولى من العام الجديد تفجيرا فى بعض الكنائس من النوع نفسه الذى شهدته فى اللحظات الأولى من عام 2011 عندما جرى تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية. وكانت تتكلم بثقة أوحت لى بأنها علمت بالخبر من الشيخ «أيمن الظواهري» رئيس تنظيم القاعدة ذات نفسه فطار النوم من عيني، وظللت على امتداد الساعات التالية انتقل بين قنوات التليفزيون بحثا عن التفاصيل حتى أشرقت شمس اليوم الأول من العام الجديد، وتبين لى أن الخبر كاذب، وأن مصادر عالمة الفلك فى وكالة «ناسا» لأبحاث الفضاء قد كذبت عليها وأن العام الجديد سيكون أفضل من العام الماضي، بصرف النظر عن نبوءات الفلكيين المتفائلة والمتشائمة، لأننا نحن العرب والمسلمين نريده كذلك!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها