النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

كي يغدو الخليج ليعرب مثل الصدر للسفن

رابط مختصر
العدد 9048 الجمعة 17 يناير 2014 الموافق 15 ربيع الأول 1435

كان من أبناء مسقط القلائل الذين برزوا في حقول التعليم والأدب والإعلام في بحرين الخمسينات. سمعتُ عنه الكثير وقرأتُ بعضا من قصائده الجميلة، لكن دون أن أتتلمذ على يديه يوم أن كان مدرسا للغة العربية في الهداية الخليفية بالمحرق ما بين عامي 1950 و 1959، بسبب إتمامي للمرحلة الإبتدائية خارج البحرين. لكن تشاء الصدف أن ألتقي أثناء دراستي الجامعية في بيروت في أوائل السبعينات بإبنه البكر مازن – انتقل إلى جوار ربه في 2010 – الذي كان وقتذاك يدرس الهندسة في الجامعة الأمريكية، وبأبنته لميس التي كانت تدرس علم الإجتماع في كلية الآداب بجامعة بيروت العربية، حيث التقت هناك بمن صار لاحقا زوجها وهو السفير سعود العنسي - توفي في 2006 - الذي كان ذات يوم دينامو الحركة الطلابية الخليجية في لبنان ورئيس الإتحاد الوطني لطلبة عمان وأول رئيس لكونفدرالية طلبة عمان والخليج العربي في بيروت بل الشخصية المساندة بقوة لما كان يـُعرف بـ «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج»، قبل أن يكتشف خرافة ذلك الكيان، وهـُراء قادته، وعبثية حروبه في ظفار، ويعود إلى رشده فينضم إلى قافلة الإصلاح والمصلحين من أبناء عمان الشقيقة الذين أخرجوا بلادهم من ظلمات القرون الوسطى إلى أنوار القرن العشرين بـُعيد تسلم جلالة السلطان قابوس بن سعيد لزمام الحكم في بلاده في 1970. إنه المغفور له الأستاذ عبدالله بن محمد بن صالح بن عامر الطيواني البطاشي الطائي المعروف اختصارا بعبدالله الطائي، صاحب السيرة العطرة، والمواهب المتعددة، والصولات والجولات في عوالم الشعر والصحافة والتعليم والتأريخ. الرجل الذي ما كان يستقر في مكان حتى تأتي الرياح – لسبب أو لآخر – بما لا تشتهيه سفن نفسه، فيضطر للانتقال منه إلى وطن آخر، ووظيفة أخرى. والقارئ لكل ما كــُتب عن مشواره العلمي والعملي، طالبا، وأديبا، وشاعرا، وقاصا، ومؤرخا، ثم وزيرا، ومستشارا لصناع القرار، يكتشف ذلك بجلاء. فالرجل المولود في مسقط في 1924 لعائلة عٌـرفت بالعلم وتولي القضاء، والمتتلمذ ابتداء على يد السيد هلال بن محمد البوسعيدي، كان ضمن الدفعة الأولى من الطلبة المتخرجين في أواخر الثلاثينات من المدرسة السلطانية الثانية في مسقط، كما كان ضمن أوائل العمانيين الذين قــُدر لهم الوصول إلى العراق في 1938 لإتمام تعليمهم الإعدادي والثانوي. وبمجرد إكماله للمرحلة الثانوية عاد إلى وطنه ليستثمر ما تعلمه في تعليم مواطنيه، فالتحق بسلك التدريس في المدرسة السعيدية بمسقط ما بين عامي 1943 و 1949. وقد لا يعرف الكثيرون أن الطائي حينما حل في البحرين للعمل في الهداية الخليفية في 1950 كان آتيا من باكستان التي ذهب إليها مهاجرا من أجل تدريس اللغة العربية والفقه الإسلامي في تلك الديار. وأثناء تواجده في باكستان عمل، إلى جانب التدريس، مذيعا في القسم العربي بالإذاعة الباكستانية. لكن يبدو أن المقام لم يطب له هناك، أو أنه حنّ إلى المجتمعات العربية الشبيهة بمجتمعه الأم فوقع اختياره على البحرين كمكان جديد للإقامة والعمل لأسباب عدة، لعل أهمها ميزة البحرين كبلد تعددي متسامح حاضن لمختلف الأعراق والأجناس والمذاهب، وتردد عمانيين كثر وقتذاك علي البحرين للتجارة والدراسة والترويح والعمل، ناهيك عن سبب هام آخر هو وجود الصحافة والإذاعة والحركة الأدبية والثقافية التي كانت عشق الطائي الأبدي. لذا لم يكن غريبا أن نجد الطائي خلال الأعوام التي قضاها في البحرين كمعلم غارقا في الكتابة الصحفية، مساهما في إصدار مجلة «صوت البحرين»، وناشطا في الحقل الثقافي. وكان بالامكان أن تطول إقامة الطائي في البحرين التي أحبها وأحبته، غير أن المضايقات التي تعرض لها من جانب السلطات البريطانية بسبب توجهاته العروبية وتماهيه مع المد القومي، أجبرته على مغادرة البحرين إلى الكويت في 1959. وفي الكويت التي رحبت به وأحتضنته كعادتها في احتضان كل أبناء الخليج والجزيرة، عمل الطائي في وزارة الإعلام التي كانت وقتذاك تسمى بـ «وزارة الإرشاد والأنباء»، وترأس تحرير مجلة الكويت، كما عـُين نائبا لرئيس تحرير مجلة العربي. إلى ذلك استثمر ما تعلمه في البحرين من خلال صحافتها وجمعياتها وأنديتها الثقافية في تأسيس «رابطة الأدباء» الكويتية وتحرير مجلتها المسماة «البيان». تلك الرابطة التي كرمته قبل رحيله الابدي فألقى في احتفائها به قصيدة من أبياتها: لله من أدب أغنى روابطنا كأنه نسب من عهد ذي يـزن اني لألمح في تكريم كم بـردا يكاد يمسح ما في القلب من شجن فلنبذل الجهد في خير الخليج لكي يغدو ليعرب مثل الصدر للسفن فالأرض عطشى لأمجاد نجددها والبحر يسأل عن ملاحه الفطـن وحينما استقلت الكويت في 1960 وصارت حكومتها أكثر حرية في التحرك نحو شقيقاتها الخليجيات الأقل ثراء لجهة دعمهن ماديا والتكفل بحاجاتهن من الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية من خلال «برنامج الخليج وجنوب الجزيرة العربية» الإنمائي اختير الطائي للعمل في البرنامج كونه الأقرب لفهم طبيعة المنطقة المستهدفة، بل أنتدب للعمل في مكتب دولة الكويت في دبي كنائب لرئيسه خلال الفترة من 1962 ولغاية 1964. لم يكن الطائي غريبا على الامارات ولم تكن الامارات غريبة عليه، غير أن عمله في دبي قربه كثيرا من عــُلية القوم وعرّفه على كبار رجالات وشيوخ إمارات الساحل المتصالح. لذا نجد انه بعد فترة وجيزة من تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لمقاليد الحكم في «أبوظبي» خلفا لأخيه الشيخ شخبوط، ودوران عجلة التنمية في هذه الإمارة، يـُستدعى الطائي ليعمل أولا مستشارا في ديوان الشيخ زايد من 1968 وحتى 1970، ثم ليكلف بإدارة جهاز العلاقات الخارجية للإمارة وتقديم الإستشارة لدائرة التربية والتعليم، قبل أن يساهم بعلمه وخبرته في إنشاء جهازي إذاعة وتلفزيون أبوظبي في فبراير 1969، ويتولى رئاسة لجنة التحرير المسؤولة عن إصدار مجلة الاتحاد الإسبوعية التي تحولت إلى صحيفة يومية في 1971. غير أن الحدث الأهم في حياة الطائي كان يوم أن لبى نداء وطنه الأم للعودة إلى أحضانه والمساهمة في تطويره وإخراجه من ظلمات القرون الوسطى. ويـُقال أن السيد طارق بن تيمور عم السلطان قابوس حينما تولى رئاسة أول حكومة عمانية بعد التغيير الإصلاحي في البلاد في 1970 هو من قام بترشيح الطائي لتولي حقيبتي الإعلام، والشؤون الإجتماعية والعمل، انطلاقا من إيمانه بقدرات ومواهب الرجل لجهة التطوير والتغيير المنشود، فضلا عما كان يعرفه الجميع من شوق الطائي لخدمة بلده والبذل والعطاء في سبيله. ولعل ما يشهد على ذلك قصائده الكثيرة في حب عمان، وحنينه للعودة إليها في ظروف مواتية، ناهيك عما كتبه في مخطوطة كتاب عثر عليها بعد وفاته. وهكذا عاد الطائي الى وطنه من بعد 23 عاما قضاها متنقلا من مكان إلى مكان، ليس ليتولى الحقيبتين الوزاريتين المذكورتين فحسب، وإنما أيضا ليقود وفد الصداقة التي أمر السلطان قابوس بإرساله إلى الدول العربية لتوثيق عرى الصداقة معها. في تلك المخطوطة التي حاول فيها الطائي ان يـُعرّف ببلده عمان لما وجد أن الكثيرين من أبناء العروبة يجهلون موقعها وتاريخها وقبائلها وتقسيماتها الجغرافية والديموغرافية وتجارتها وزراعتها، بل ويجهلون أيضا كيفية نطق إسمها فيخلطون بينه وبين إسم العاصمة الأردنية، ناهيك عن قيام البعض بإلحاقها تارة بإمارة قطر وتارة أخرى باليمن - مثلما فعل أحد كتاب جريدة الحياة البيروتية في 1954 – يقول الطائي حينما أكتب إسم عمان «تتصاعد في قلبي عشرات من التصورات والخواطر والآمال، فلهذه الكملة مفعول عزيز في نفسي، إنها تنقلني إلى الماضي فأستعرض كل ما دار في بلادي خلال القرون الماضية، ثم أنظر إلى الحاضر الأخرس من حياة بلادي فأطرق برأسي لا خجلاً ولا حيرة ولكنه تأمل في مدة هذا الحاضر الثقيل ومدى استمراره، أما المستقبل فأنا أرمقه مشرقا باسما ومن الغريب أنني رغم تأملي في هذا الحاضر لا أرى خلال نظرتي إلى مستقبل بلادي سدوداً ولا حواجز، ذلك لأني مؤمن أن حل واقع بلادي المعقد سوف يساعد الجانب العربي فيه، فعمان بقعه عربية تتأثر دون شك بما يحدث في الوطن العربي الأكبر ومجرى الحوادث في هذا الوطن جارف يبعث على التفاؤل، بل إنه موكب وثاب طريقه مستقيم وسيره قويم وسبيله واضح فعلام أجزع على بلادي؟». والمتمعن في هذا النص يجد نفسا عروبيا قوميا يسيطر على كاتبه، وهي التي تسببت له في الكثير من الاشكالات زمن الهيمنة البريطانية على الخليج، خصوصا وأنه أصر على تجسيدها في معظم أعماله الشعرية والقصصية حول القضية الفلسطينية مثل قصائد «مهر فيروز»، «رسالة من يافا»، «انفخوا النار»، «موكب البطولات»، «أبو رمزي يحدث نفسه على الجسر»، «رسالة من الجبهة»، و»فلسطين أمام الجدار»، وقصص «عبدالبديع»، «دوار جامع الحسين»، ومأساة صبيحة»، بل أنه ألف رواية سماها «ملائكة الجبل الأخضر» تدور أحداثها الدرامية استنادا إلى مبادئ القومية العربية الداعية للوحدة، ويتحرك أبطالها من القاهرة إلى بغداد والكويت مرورا بالبحرين ومشيخات الخليج. وهذه الرواية بدأ صاحبها في كتابتها في البحرين في 1958 وأتمها في الكويت في 1962 وطبعها في بيروت في 1963. وطبقا لبعض النقاد فإن من أعذب قصائد الطائي قصيدة «من مراحل الطريق» التي نظمها في دبي في 1964 ووضعها في ديوانه «الفجر الزاحف». في هذه القصيدة يستهل الطائي أبياتها بمقولة للأديب المصري عباس محمود العقاد نصها «لقد علمتني تجارب الحياة أن الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها، ولا تغيظهم النقائص التي تعيبنا». ويبدو من هذه المقدمة والابيات المختارة التالية من هذه القصيدة أن حساد الطائي كانوا كثرا، و أن من أحسن إليهم قابلوا إحسانه بالجحود والنكران والتآمر، فأنشد قائلا: اليــوم قد أضحـى جميلك منكرا ومشى عدوك شامتا متبخـترا رام الــــوصول فنال كل مرامــه من بعد أن حطب الدسائس وإفترى وسعى إلى صدر الصديق يثيـــره ليت الصديــق لدى الإثارة فكـرا ورنا إلى ماضي الوداد بنظرة وسعى الى الرأي الصحيح و قـدرا لكنه أصغـى فناصر حاقدا وأسـاء وأساء ظنا واستشاط تنكرا وأراق من كأس الوداد رحـيقه فأبى الرحيـق على الجفا أن يقطرا يا للصداقة إذ ينال سمـاءها قزم بأذيال الهـوان تعثـرا غير أن هناك من يخالف هذا الرأي ويزعم أن أجمل ما نظمه الطائي موجود في تلك القصائد التي كتبها في البلاد التي هاجر إليها، أو حينما كان على وشك الهجرة، لأنه سكب فيها حنينه الفياض إلى وطنه وأصدقائه ومرابع صباه وطفولته بصدق، وصوّرشجونه وهواجسه بأسلوب مؤثر. وعدد هذه القصائد ثلاث وهي «حنين» التي كتبها في كراتشي في 1949، و»مهاجر وشيطان» التي كتبها في البحرين في 1953، و»عماني يودع مسقط» التي كتبها في مسقط في 1949. وإذا ما عدنا إلى مخطوطة كتاب الطائي التي أتينا على ذكرها آنفا لوجدنا فيها ما يفيد بافتخاره بالمرأة العمانية ونصرته لقضاياها بدليل قوله «إن المراة العمانية مثال واضح للمرأة العربية في تاريخها الصحيح، و إذا أنت غادرت مدينة مسقط لم تجد العباءة وانكماش المرأة ورضوخها للعبودية، بل وجدت أن المرأة تؤدي واجبها وافرا في المجتمع العماني، فهي تشارك الرجل في تحمل شؤون الحياة ولا تعرف الحجاب إلا ما نص عليه الإسلام الحنيف فتراها تستر رأسها وصدرها ولكنها تكشف وجهها وتمشي في الطريق وتقابل أهالي الحي في حدود شؤونها المنزلية. وقد خصصت مجلة نزوى العمانية في عددها الصادر في يونيو 2009 تحقيقا موسعا عن الطائي بقلم الأكاديمي العماني محسن الكندي الذي عزا التنوع الخصب في تجربة الطائي الأدبية ما بين الأدب والشعر والقصة والرواية والمسرحية والمقالة والدراسة التاريخية والسيرة الذاتية إلى عدة أسباب من بينها مواهبه الشخصية وسعة ثقافته، واختلاطه وعلاقاته بقامات فكرية كبيرة أثناء تغربه في البحرين والكويت من أمثال إبراهيم العريض وأحمد آل خليفة في الأولى وعبدالرزاق البصير في الثانية، وجود مناخ ثقافي موات لطموحات وميول الطائي ممثلا في الجمعيات والندوات والأندية الثقافية في الدول التي أقام بها ولاسيما البحرين والكويت، وتجربته الخاصة المنبثقة من ظروف بلده التي حتمت عليه تسجيل وتوثيق بعض الأحداث والوقائع من خلال الفنون الأدبية المختلفة، المهن والوظائف التي شغلها في الصحافة والإعلام والتعليم والتي أذكت ميوله الإبداعية وحفزته على تأليف الكتب التاريخية وإعداد المسرحيات الشعرية كي تمثل على المسارح المدرسية اقتداء بما رآه أثناء عمله في البحرين على يد الشاعرين الكبيرين إبراهيم العريض وعبدالرحمن المعاودة اللذين عمدا إلى تأليف مسرحيات من وحي أحداث التاريخ الإسلامي. لذا قيل أن فضل الريادة في كتابة المسرحية في الأدب العماني يعود إلى الطائي تحديدا لأنه صاحب أول عملين مسرحيين في الأدب العماني الحديث وهما مسرحيتا «جابر عثرات الكرام» و»بشرى لعبدالمطلب». فقد الطائي حقائبه الوزارية باستقالة حكومة طارق بن تيمور في 1973 فعاد ليستقر في أبوظبي حيث وافته المنية في 10 يوليو 1973.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها