النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الحاجة إلى «لوثرية جديدة»: لماذا تفشل الأحزاب الطا

رابط مختصر
العدد 9044 الاثنين 13 يناير 2014 الموافق 11 ربيع الأول 1435

السؤال أعلاه لا يخص الحالة البحرينية فحسب، بل يخص كل حالة مشابهة يتنظم فيه المجتمع السياسي -في منحاه الأعم- من خلال أحزاب وجماعات سياسية طائفية، رأينا ذلك في البلدان التي كانت البنية الطائفية فيها قوية ومهيكلة بشكل يجعلها منافسة للدولة أو حتى أقوى منها في بعض الأحيان، ولا يهمنا في هذا السياق مسمى الطائفة أو نوعية الطائفية، فهي في النهاية تتساوى في الممارسة وفي النتائج الكارثية التي تحل بالمجتمع من عدة جوانب: - أولاً: إعاقة التطور الطبيعي للمجتمع، ومنع تكون الوحدة المجتمعية الوطنية المدنية التي كانت وراء نشوء الدولة المدنية في أغلب البلدان الأوروبية، فوجود الطائفة وتمركزها الجغرافي والسياسي واستحواذها على الموارد واحتكارها للسلطة (الأسرية كتشريع ديني - طائفي) وقدرتها على جمع المال، وترويجها لقراءتها للتاريخ وللمستقبل وامتلاكها لسلطات معنوية مطلقة، جعلها في الكثير من الأحيان تمتلك سلطات أكبر من سلطة الدولة نفسها، في التوجيه والقيادة والتعبئة. - ثانياً: يتولد عن سلطة الطوائف ما يمكن تسميته بالعصبية الطائفية التي تتأسس على ذوبان الفرد في الجماعة التسلطية على أساس المرجعية الدينية المخصوصة المغلقة والمنتجة لإيديولوجية متعصبة متطرفة، أساسها الكراهية والحقد والانغلاق، بما يجعلها أداة لتفتيت المجتمع وأداة لفرض البقاء والتحكم في رقاب الناس، وبذلك تعيق الطائفية تأسيس مؤسسات المجتمع المدني الحقيقي ـ الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والاجتماعية الفاعلة المبنية على أساس وطني وعقلاني- بل وتؤدي إلى تشويه العمل السياسي وعرقلة تكوين الوعي الوطني المستند إلى مفهوم المواطنة. - ثالثاً: المصيبة الكبرى أن تتمثل في استغلال الجميع تقريباً للبنية الاجتماعية الطائفية التي هي أقدم من الدولة -وربما أكثر صلابة منها في بعض الوجوه- لتمرير خطابه ومصالحه الآنية (الأحزاب والجمعيات السياسية والسلطات المختلفة والأندية ومؤسسات المجتمع المدني بكافة أشكالها)، بما يطيل عمر هذه البنية الطائفية ويقويها ويجعها تمارس قدراً واسعاً من الابتزاز للجميع، وهذا ما يسهم في تشويه المشهد السياسي، وبناء التحالفات الغريبة، فالبنية الطائفية للمجتمع شبيهة بالبنية القبلية في بعض المجتمعات، مغرية وسهلة الاستخدام، فهي خزان الأصوات والحشد، وعادة ما يتحكم فيها أفراد قليلون لهم قدر من القدسية والقدرة على التأثير.. بما يحول الصراع الاجتماعي المدني السياسي في المجتمع إلى صراع فئوي، ويخلق المزيد من التفتت والويلات والحروب الكارثية (نحيل هنا إلى الحالتين العراقية واللبنانية، حيث تسببت الطائفية وأحزابها في كوارث لا حصر لها ولا عد).. - رابعاً: إن المنطق الطائفي، يقود حتماً إلى الكراهية وتدمير أسس التسامح والتعايش السلمي بين المواطنين الذين تتقاسمهم الطوائف، والأخطر من ذلك أن الصراع السياسي الديمقراطي الذي يهيمن عليه هذا المنطق بشكل أو بآخر يفضي بالضرورة إلى فكرة «إنهاء سيطرة طائفية لإحلال سيطرة طائفة أخرى»، فينحرف الصراع المدني الوطني الديمقراطي ليتحول إلى صيغة طائفية، ولذلك فإن البحث خارج الخطاب الطائفي يقود بالضرورة إلى التعلق ببنية الخطاب العقلاني والوطني التوحيدي المضاد للطائفية شكلاً ومضموناً، والمناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في طريق مفتوح، متحصناً بالقداسات المزيفة. هذا الخطاب هو الذي ينتج اليوم الإرهاب والقتل على الهوية والتفجيرات اللإنسانية التي تطال المساجد والمآتم والتجمعات السكانية، بلا هوادة، هذا ما أنتجه هذا الخطاب الذي يسمي الشركاء في الوطن ( كفاراً أو كلاباً وأعداءً، أو خونة......)، إنه ينتج حروباً تدميرية مستحضراً ثارات تاريخية وهمية، يستبيح من خلال روايتها دماء (المسلم) أو يحرق أو يهدم مقدساً دينياً، باسم الطائفة، مثلما نشهده اليوم في العراق الذي تم تدميره إنسانياً بشكل منهجي غير مسبوق، بفعل تغلغل الطائفية في كل أركان الدولة والمجتمع.. وإن الدولة إذا ما سمحت للطائفية بالنمو والازدهار، وإذا ما سمحت للأحزاب والجماعات والخطابات الطائفية -خطابات الكراهية والأوهام- بالتواجد علناً وممارسة إفسادها للعقول والنفوس، تكون قد سمحت بتدمير بنيتها الوطنية وتآكل ووحدة شعبها، ولذلك فإنه، وبالإضافة إلى الحاجة لبناء مجتمع ديمقراطي يتساوى أفراده أمام الدولة وأمام القانون، هنالك حاجة ماسة إلى محاربة الطائفية والحد من تأثيرها، ويتطلب ذلك ثورة فكرية حقيقية، وتحرراً في الخطاب الديني شبيهاً بما أنجزه مارتن لوثر ومهد به لبزوغ عصر جديد في أوروبا مما كان له من عميق الأثر على صعيد الفكر الأوروبي قاطبة، بتصاعد مد تيار تحرري عام أفضى إلى ليبرالية شاعت في الحياة الفكرية والثقافية، والسياسية والاجتماعية، ومن ثم إلى عصر التنوير الذي توج نهائياً بالعلمانية. كما أننا في أمس الحاجة إلى تعزيز منهج التسامح والقبول بالآخر والتعايش القادر على التعاطي مع الطوائف ومع الثقافة الطائفية وتحجيم دورها، حيث يحدث التغيير في المناخ الفكري الحر وفي المناخ السياسي الديمقراطي فتتلاشى الظواهر السلبية، بما في ذلك الطائفية، وأسلوب العزل الذي يقوي انغلاق أي طائفة على ذاتها، وتشبثها بما يعزلها عن الآخرين، بحثاً عن الاحتماء الداخلي الوهمي والمزيف... جملة مفيدة: «من المسائل التي شكّلت الاعتراضات الرئيسية للقس الألماني المصلح مارتن لوثر على سياسة الكنيسة الكاثوليكية في القرن 16م، وتوجهاتها الأيديولوجية: رفض صكوك الغفران التي كان (البابا) يبيعها للناس مقابل الوعد بالتوسط بإعفائهم من ذنوبهم عند الله، ثم رفضه لنظرية عصمة البابا، وقوله إن البابا هو مجرد إنسان عادي، يمكن أن يخطئ ويصيب، مثله مثل أي إنسان آخر، كما أكد في بيانه الشهير على الطابع المقدس للسلطة المدنية، وضرورة الخضوع غير المشروط لها مع ضرورة الفصل التدريجي بين الإيمان والقانون».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها