النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول مدونة الفساد والفاسدين..

رابط مختصر
العدد 9039 الأربعاء 8 يناير 2014 الموافق 6 ربيع الأول 1435

في كتاب لنادر سراج صدر عن دار الريس بعنوان (خطاب الرشوة) درس المؤلف بقدر من التقصي والمتابعة خطاب الرشوة بجناحيه: خطاب الراشي وخطاب المرتشي، مضيفا إليهما ما اسماه «خطاب الرائش» (أي الوسيط بين الطرفين)، كاشفا عن وجود مدونة عربية ضخمة في خطاب الرشوة التي لا تكتمل «الأفراح إلا بها، ولا يتم (تزييت) المعاملات إلا بها»، مميطا اللثام عن معجم الفساد الاجتماعي من خلال المدونة اللغوية في خطاب الرشوة.. والحقيقة انه وبالرغم من إمكانية التمييز نظريا بين الفساد الكبير والفساد الصغير، من حيث الحجم والخطورة والنتائج، فإن (الرشوة) تعد من أسوأ أنواع الفساد الكبير والصغير، بالمعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية والقانونية والاجتماعية في آن،لأنها تقوم على أساس إساءة استخدام السلطة، مهما كانت هذه السلطة محدودة، مثل الخدمة الإدارية البسيطة التي يمكن أن يقدمها موظف عمومي إلى الجمهور، وصولا إلى منح التراخيص والمزايا المختلفة والتي قد يصل مردودها المالي إلى الملايين، وهي بالتالي تلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد الوطني وبالمال العام، ويحرم الدولة من فرص ضخمة وإمكانيات تضيع هباء منثورا بفعل تفشي مثل هذا المرض.. وبهذا المعنى تؤدي ظاهرة الرشى إلى تدمير الحقوق الأساسية للكثير من الناس، وتفضي في المقابل إلى حصول آخرين على امتيازات غير مشروعة، ومن هذا المنطلق فإن هذه الكلمة المقيتة، لا يمكن أن توصف سوى بأنها أسوأ أشكال الانحرافات، بالرغم من كونها محدودة واستثنائية على صعيد السلوك الاجتماعي-الاقتصادي، وبالرغم من كونها أكثر الظواهر إثارة للحنق والغضب، خاصة عندما يتعلق الأمر بمن يتصدى للوظيفة العامة، ويستغلها لهذا الغرض، ولذلك فإننا عندما نتحدث عن الرشوة فإننا نتحدث عن نطاق واسع من الفساد الكبير والصغير -والذي يتم نفيه باستمرار وإنكاره والتنصل منه لما يسببه للمتهم من عار دائم، وما ينجم عنه من أضرار فادحة- ولكن لا يمكن إنكار وجوده واقعيا بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الواقع الاقتصادي والاجتماعي- في أي بلد، ونحن هنا لا نتحدث عن مخاطر الرشوة (الصغيرة) التي تخترق الحياة اليومية لأناس يلهثون وراء لقمة العيش، ويركضون وراء معاملات صغيرة قد لا تتحقق إلا من خلال هذه الكلمة السحرية، ولا نتحدث عن (الرشوة) البائسة التي يضطر الفرد إلى دفعها عدا ونقدا، خلال رحلة الركض خلف أبسط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ولا يحصل عليها وفق الشروط القانونية وفي إطار المساواة وتكافؤ الفرص، بل فيضطر لاتباع الطرق الملتوية للحصول عليها، بل إننا نتحدث عن الرشوة المؤسسة على النفوذ واستغلال الوظيفة العامة بشكل مستمر، يلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد وبالناس على حد سواء، خاصة في المجتمعات التي تفتقر إلى الديمقراطية وأنظمة الرقابة الفاعلة وإلى الصحافة الحرة، فتتسع فيها مساحة التعتيم والبيروقراطية، فتعاني أكثر من غيرها من انتشار أنواع الفساد، الذي أصبح العائق الأساس في إفشال عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العديد من البلدان، والكابح الرئيس لمحاولات التحديث وعقبة أمام تحديث الدولة وحاجزاً يصعب اجتيازه للوصول إلى استيعاب التطور وإنجاح برامج الإصلاح المفترضة والضرورية لحياة المجتمع. لقد أسهم الفساد في تخريب الاقتصاد وقيم الناس وأخلاقهم وطرح مفاهيم جديدة، استبدل بها مفاهيمه الخاصة سواء من العمل والأجر والدخل والاستهلاك أم من الأسرة والمجتمع والدولة، ومن الحقوق والواجبات، فلم يعد العمل جهداً ومثابرة بل صفقات وخداع وابتزاز، ولم يعد الأجر مقابل العمل، بل احتيالا ونهبا، ولم يعد الاستهلاك مرتبطا بالحاجة والمقدرة، بل صار سفهاً واستعراضاً للغنى، مما أودى بالطبقة الوسطى وقيمها ومواقفها المستنيرة إلى أسفل سافلين، وصار الكل يقلد الكل في السباق الاستهلاكي (دون حاجة حقيقية لا فردية ولا اجتماعية ولا اقتصادية) يتهافت الناس عليه بأي ثمن على حساب الكرامة والاستقامة ونظافة اليد، وانتشر الجشع وذهبت القناعة سدى. لقد رسم الفساد نهج حياة الناس وأعاد تشكيلها الاقتصادي والاجتماعي والقيمي وكأنه فلسفة جديدة ومذهب جديد. ولذلك فإن التأثير السلبي له لا يتمثل فقط في إلغاء مبدأ تكافؤ الفرص بين الناس والقفز عليه فقط، بل وأيضا في تأثيره المدمر على الاقتصاد ونموه وفقا لقواعد المنافسة العادلة، وتأثيره السيئ على سلامة المجتمع وأمنه واستقراره، مما يستدعي جهدا عاما للقضاء والحد من تأثيره في حياة المجتمع، من خلال تعظيم الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات الرقابة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية والدينية، وضرورة إبداء اهتمام أكبر بالجوانب الأخلاقية داخل عمل المؤسسات الاقتصادية والمالية والتجارية، وداخل الإدارات العمومية وبين الموظفين العموميين. جملة مفيدة: جاء في تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير بشأن مستويات الفساد في القطاع العام في 177 بلدا بناء على مصادر بيانات مستمدة من مؤسسات مستقلة متخصصة في الحكم الرشيد وتحليل المناخ الذي تقام فيه الأعمال: «أن البلدان التي تكافح الفساد وتحسن من سيادة القانون فيها يمكنها أن تزيد دخولها الوطنية بما يبلغ أربعة أضعاف على المدى الطويل».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها