النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

بعيداً عن صلف المدن الأوروبية.. حيرة «الحجي» العر

رابط مختصر
العدد 9037 الإثنين 6 يناير 2014 الموافق 4 ربيع الأول 1435

تركيا بالنسبة إلينا ليست مجرد وجهة سياحية، أو مجرد نقطة على الخارطة الإسلامية، إنها جزء من تاريخنا ونسيجنا الحضاري، بل جزء من الإنجاز والخيبة، وجزء من الحمل التاريخي الثقيل الذي نشتبك معه إيجابا وسلبا. تركيا العثمانية تحديدا هي التي أنقذت العالم الإسلامي من ورطته من الهجمة الصليبية المضادة كان في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث كانت أساطيلُ فرنسا وإسبانيا تشكل تحالفًا بحريًّا لضرب سواحل شمال إفريقيا واحتلالها، وكانت هذه القوى الصَّليبية البحرية تتصدَّى للسُّفن الإسلامية، التي كانت تَحمل المسلمين الفارِّين مِنَ الْهَوْلِ الصليبي بالأندلس، فكان الأسطولُ العثماني يَخْفِرُ ويتصدَّى لهذه الأساطيل، واستطاع تحرير ليبيا، والجزائر، وتونس، والمغرب الأقصى من الاحتلال الإسباني، ومن التمسيح، كما كان للعثمانيين حضور حاسم في جنوب الجزيرة العربية والخليج العربي والبحر الأحمر؛ حيث كان الخطر البحري البرتغالي يَتهدَّدها، فكان الوجودُ العثماني حمايةً لها؛ لتأمين السفن التجارية الإسلامية في المحيط الهندي، ومياه الخليج، والبحر الأحمر، والأهم حماية مَكَّة والمدينة المنورة، والأراضي المقدسة بالحجاز من الخطر البرتغالي، فضلا عن التصدي للخطر الصفوي بإيران، وإحباط مخططاته للاستيلاء على مصر والشام وفلسطين والحجاز، والتصدي للمذابح الإيرانية في العراق وأذربيجان ومناطق بحر قزوين، لهذا كان للعثمانيين دور حسام وحيوي في تاريخنا، لا ينكره إلا جاحد أو جاهل. هذا ما اذكره وأتذكره دائما عند الحديث عن تاريخ الدولة العلية، أو عندما تطأ أقدامنا أرض العثمانيين، فإننا نتوقف عن أن نكون سياحا، ونتحول في لحظة عاطفية إلى جزء مندمج مع قصة، مع أرض وشعب، جمعتنا به حكاية طويلة، بحلوها ومرها، ولذلك، وعندما أحط الرحال في مدينة اسطنبول لأيام معدودات، أجد نفسي أتحرك في ضوء الصورة النمطية التي اختزنتها الذاكرة الجمعية، هي مزيج من عراقة التاريخ والرغبة في اللقاء بالباب العالي، ولكن الواقع غالبا ما يذهب بالتوقع، فإذا بالحلم العثماني يضيع في زحمة الرصيف الأوروبي، وإذا بالعثماني وقد استحال «تركيا».. تنتهي القصة في لحظات عندما نكتشف اننا نتحرك داخل تاريخ الأوهام. وتبدأ الصورة في التبدد منذ البداية: - في الطائرة كانت ابتسامتها العذبة موزعة بالتساوي على جميع الركاب ولذلك عندما انحنت قليلاً لوضع صينية الطعام على المائدة الصغيرة، سألتها متكلفاً الابتسام: أعثمانية...؟ ردت دون تردد وقد فهمت التورية التي تحملها الجملة باللغة الانجليزية: بل تركية أتاتوركية، وانصرفت معتذرة.. - وعندما وطأت قدماي أول رصيف في مدينة اسطنبول قبل سنوات، فهمت وقتها فقط مغزى رد المضيفة الجميلة، فقد كانت اسطنبول مدينة أوروبية قلبا وقالبا، على ازدحام زائد، ولو لا غابة المآذن المنتشرة في كل مكان، والمنتصبة في جميع فضاءات المدينة لتصورت نفسي في مدينة مرسيليا الفرنسية، ومع ذلك لا أخفي أنني لم أشعر بتلك الغربة التي تصدم النازل في شوارع المدن الأوروبية المشتغلة والمنشغلة بكراهية العرب والمسلمين في العادة، ففضلا عن دماثة أخلاق الشعب التركي وتواضعه وعزة نفسه، فإن إحساسي بأنني في حضرة «الباب العالي» زاد من أنسى وسكينتي وإعجابي، وبالرغم من أن صورة الواقع قد عرت لحظة التاريخ الملتبس في ذهني، فإنني أنست بالقرب بالمكان العثماني. - وأنا في الطريق للبحث عن فندق متواضع على حافة المدينة العتيقة، اكتشف أن لقبي العربي قد أصبح «حجي»، في جميع المواقع التي نزلت بها، في مدينة فتحت أبوابها للسياحة العربية منذ بداية السبعينات من القرن الماضي، ولكنني عرفت بعد يوم واحد بأن «حجي» في الشارع السياحي والتجاري كلمة تطلق على كل عربي تقريبا «من الشرق أو الخليج أو المغرب العربي» فأنت حجي لأنك عربي، واكتشفت أيضاً أن لقبي الجديد قد أهلني للدخول إلى نادي السياح الميسورين المفترضين، ليعرض عليّ تجار السياحة غير الرسميين، وعلى امتداد الشارع الطويل، عبارات جاهزة للترويج السياحي، وكان الجواب مذيلا بابتسامة من يعرف طريقه وهدفه النهائي.. ولا أخفي أنني ظللت طيلة إقامتي بهذه المدينة «الشرقية-الغربية» سعيداً بهذا اللقب الجديد الذي حررني من صلف المدن الأوروبية وعنصريتها وكبريائها الفارغة. كنت في اسطنبول غير شاعر بأي نوع من الغربة او القلق الذي يجتاحني عادة في المدن الأوروبية الباردة والمفعمة بالغربة، بل كنت شاعرا وبعمق ومحبة بأواصر النسب للباب العالي وللدولة العلية، في هذه المدينة التي، وبالرغم من المحاولات الاتاتوركية لتجريدها من بعض تاريخها، لاتزال وفية لروحها الإسلامية على نحو لافت، ليس لأن الإسلاميين هم من يديرون دفة الحكم اليوم، وانما لأن تاريخها من الضخامة الى درجة انه لا أحد يستطيع ان يمحيه او أن يغيبه او يلغيه او حتى يقلل من ألوانه او يبهتها، فما بالك بمن يمحيه أو يتجاوزه. إنها باختصار إسطنبول العثمانية – التركية دائما وأبدا، وسوف أظل كل مرة أزورها «الحجي» العربي الذي يبحث عن الأواصر العميقة التي تشده الى الجسد الإسلامي في أي مكان مهما باعدت الأحوال والظروف والمواقف والمواقع الأيديولوجية بيننا. جملة مفيدة: لم تفقد اسطنبول مكانتها منذ انهيار الدولة العثمانية في العام 1924، وانتقال العاصمة إلى أنقرة، إذ أبقتها معالمها الأثرية قبلة سياحية من الطراز الأول ومزارا شعبيا عالميا، حيث تستقبل سنويا أكثر من ثمانية ملايين سائح، وتحتل حاليا الرقم العالمي الثالث في معدلات النمو السياحي، متقدمة على نيويورك وأمستردام باستقطاب المزيد من السياح من الشرق الأوسط، ومن أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها