النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بطولات من زمن الهزيمة

رابط مختصر
العدد 9027 الجمعة 27 ديسمبر 2013 الموافق 23 صفر 1435

كانت المرحومة أمي تقول إن النسيان نعمة وإنه رحمة من الله لعبيده فلولاه لظل الناس يتذكرون لحظات الألم والحزن والإحباط ولما جفت دموعهم علي الأعزاء الذين رحلوا، والأحباء الذين خانوا والأصدقاء الذين انقلبوا إلي أعداء، ولظلوا يمضغون مشاعر الكراهية والندم والرغبة في الانتقام كلما تذكروا الذين قابلوا إحسانهم بالإساءة والذين عضوا أيديهم بعد أن امتدت إليهم بالإحسان. وكنت قد نسيت هذا الفيلم تماما ربما لأنني لم اشاهده سوي مرة واحدة في عرضه الأول عام 1972، وربما لأنه لم يعرض عرضا ثانيا إذ تجاوزته الأحداث بعد أقل من عام علي عرضه إلي أن عثرت عليه مصادفة يعرض علي إحدي القنوات الفضائية التي يبدو أنها عرضته علي سبيل الخطأ.. فذكرني بالسبب الذي دفعني لنسيانه. والفيلم اسمه «أغنية علي الممر» وهو الوحيد الذي يتخذ من إحدي بطولات حرب ـ أو هزيمة 1967 موضوعا له وأحداثه تدور يوم 8 يونية 1967، في أحد الممرات الجبلية بصحراء سيناء التي كُلفت إحدي فصائل الجيش المصري بالدفاع عنها والحيلولة بين العدو وبين الاستيلاء عليها وهو ما فعلته بكفاءة انتهت باستشهاد معظم أفرادها فلم يبق منهم سوي أربعة جنود .. ومع أن الماء والطعام والذخيرة كانت قد أوشكت جميعها علي النفاد فإن قائد الفصيلة الشاويش «محمد» «محمود مرسي» الفلاح الذي جاء من الحقل إلي ميدان القتال مباشرة يصر علي عدم الانسحاب ما لم تصله تعليمات بذلك من قيادته ويواصل الدفاع عن الممر ويوزع ما تبقي من قواته علي نقاط المراقبة ليقوموا بصد موجات الهجوم المتلاحقة التي يشنها العدو عليهم. ولم يكن قرار الشاويش «محمد» محل رضاء تام من الأفراد الأربعة إذ كان لديهم ـ وبدرجات متفاوتة ـ إحساس بأنه لا يجوز لهم التمسك بحرفية التعليمات بعد أن أبيد معظم زملائهم وانقطع الاتصال بينهم وبين قيادتهم بسبب تعطيل جهاز اللاسلكي وهو إحساس ازدادت وطأته بعد أن أخطرتهم إحدي دوريات العدوـ عن طريق مكبر الصوت ـ بأن بقية قوات الجيش المصري قد انسحبت من سيناء وبأنه من الأفضل لهم أن يلحقوا بالمنسحبين أو يسلموا أنفسهم لأن اصرارهم علي المقاومة عبث لا طائل من ورائه ولا فائدة منه إلا أن يموتوا بلا مبرر. وكان أكثرهم اعتراضا وخوفا ورغبة في الانسحاب حرصا علي الحياة هو «منير» ـ صلاح قابيل ـ الأفاق المحتال الفاسد الذي يعيش علي عرق النساء والأناني الذي يجور علي حق زملائه فيما تبقي من الماء والزاد. بينما كان «مسعد» - صلاح السعدني- النجار البسيط أكثرهم تعاطفا مع موقف «عم محمد» ولأنه كان يأخذ الأمور بلا تعقيد ويشعر بأن الرجل ليس قائده فحسب ولكنه أيضا أبوه العطوف والأكثر خبرة وحكمة، فقد كان واثقا أن صمودهم سوف ينتهي بالنصر علي العدو ليعود إلي بلده ويزف إلي عروسه، أما الذي يشغله الآن غير القيام بدوره في الدفاع عن الممر ـ هو نوع الطعام الملائم الذي يفضل أن يتناوله العريس ليلة زفافه. وفي الوسط بين هذين الرأيين يقف «محمود» ـ محمود ياسين ـ طالب الفلسفة الذي اعترض علي آراء أساتذته ففصل من الجامعة ليعمل مدرسا في مدرسة خاصة لكنه يعترض علي طريقة التدريس العقيم فيفصل للمرة الثانية وبينما هو يمضغ حرارة الإحساس بالفشل بين طابور العاطلين يستدعي إلي ميدان القتال يجد تنويعا آخر علي مأساته في زميله «صلاح» ـ أحمد مرعي ـ الملحن الموهوب الذي تقف ألحانه الرصينة عائقا أمام إصرار مطربات الأفراح علي «هشتكتها» وترقيصها والذي انتقل من طابور المحبطين إلي ميدان القتال في قفزة واحدة، ومع أنهما يؤديان واجبهما في الدفاع عن الممر ولا يقران «منير» علي سلوكه الفظ ، إلا أنهما بسبب الاحساس بالفشل والإحباط لم يكونا واثقين كذلك من أن «الشاويش محمد» «علي حق وأن الدفاع عن الممر ـ وليس الانسحاب منه ـ هو الاختيار الصحيح». في غير أوقات المعارك كان «الشاويش محمد» يشغل نفسه بمحاولة إصلاح جهاز اللاسلكي المعطل ليتصل بالقيادة ويطلب أوامرها وكان «منير» يواصل تحريض زملائه ضد إصرار قائدهم علي التمسك بالممر والدفاع عنه بينما كان «محمود» و«مسعد» يتابعان باهتمام وشغف بحث «صلاح» عن لحن لأغنية جميلة يقول مطلعها «ابكي.. انزف.. أموت.. وتعيشي يا ضحكة بلدي» فما يكاد ينتهي من تلحين مقطع منه حتي يحفظانه ويرددانه خلفه فإذا مرت إحدي دوريات العدو لتطلب إليهم عبر مكبرات الصوت - التسليم ترتفع أصواتهم تنشد الأغنية ليحولوا بين أنفسهم وبين الاستماع إليه، ويحافظوا علي معنوياتهم ويؤدوا واجبهم في الدفاع عن الممر. وحين ينجح «الشاويش محمد» أخيرا في إصلاح جهاز اللاسلكي ويتصل بالقيادة يفاجأ بصوت علي الطرف الآخر يخطره بأن الجيش كله قد انسحب ويأمره بترك الموقع والالتحاق بالمنسحبين.. ويهلل «منير» للقرار ويندفع لتنفيذه فورا فيتعثر في أحد الألغام المحيطة بالموقع وينفجر فيه بينما يقرر «الشاويش محمد» ـ علي مسئوليته ـ عصيان قرار القيادة، والصمود في الموقع والدفاع عنه حتي آخر رصاصة وآخر رجل! ويذهل «محمود» حين ينجح في إعطاب طليعة فوج من دبابات العدو حاول الهجوم علي الممر ، ويجبره ـ بذلك ـ علي الانسحاب، فيزايله الإحساس الدائم بالفشل، ويستعيد ثقته بنفسه، وتتواصل هجمات العدو الذي يفشل في هزيمة من تبقي من أفراد السرية أو اجبارهم علي الانسحاب علي الرغم من استشهاد «مسعد» ثم «صلاح» ويصدر الشاويش «محمد» بصفته قائد السرية، أمره إلي «محمود» الوحيد الذي ظل حيا غيره من أفرادها .. بالالتحاق ببقية الجيش، ومعه نوتة الأغنية التي كانت نشيد صمودهم ليظل وحده علي قمة الممر، يشهر سلاحه في وجه العدو المتقدم نحوه ينذره ـ عبر مكبر الصوت ـ بالتسليم لكنه لا يسمع سوي أصوات رفاقه يغنون «أبكي.. أنزف .. أموت.. وتعيشي يا ضحكة بلدي»! كان ذلك الفيلم البسيط، هو أول إنتاج لما كان يعرف ـ آنذاك ـ بـ «جماعة السينما الجديدة» وهي جماعة أسسها خريجو الدفعات الأولي من معهد السينما لكي يشنوا من خلالها الحرب علي السينما التقليدية التي كانت في رأيهم - من أسباب نكسة 1967 ولكي يحاولوا أن يقدموا فنا جديدا يتجاوز ثلاثية الزوج والزوجة والعشيق، وثلاثية الحبيب والحبيبة والعزول وبعد محاولات مضنية وحرب ضروس علي كل الجبهات وافقت مؤسسة السينما المملوكة للدولة علي أن تتيح الفرصة لمن كانوا يسمون .. آنذاك ـ علي سبيل السخرية بـ«ثورجية السينما» لكي يقدموا للناس فنهم الجديد فقبلت أن تشاركهم في إنتاج هذا الفيلم. وقد لا يكون غريبا أن معظم الذين اشتركوا في هذا الفيلم قد لمعوا بعد ذلك وأصبحوا من نجوم السينما في كل المجالات، أما الغريب حقا، فهو أن الفيلم ـ رغم نجاحه في عرضه الأول ـ قد مات بأسرع مما كان متوقعا، فقد تغيرت الظروف السياسية بعد عرضه بشهور وفرضت بطولات حرب أكتوبر عام 1973 نفسها علي أفلام السينما بحيث لم تعد هناك ضرورة لتذكر بطولات هزيمة عام 1967 ثم أعلن رسميا أن حرب 1973 هي آخر الحروب وبدأت مسيرة السلام مع ذلك الذي كان يوصف في الفيلم بأنه العدو، فلم تعد هناك ضرورة للغناء علي الممر، أو للدعوة للدفاع عنه حتي آخر رجل! ولا أظن أن هناك صلة بين ذلك وبين انفراط جماعة السينما الجديدة التي وجد كثيرون من اعضائها بعد ذلك فرصا واسعة للعمل في أفلام السينما التقليدية صحيح أنهم حسنوا فيها كثيرا، ولكنهم كفوا عن «ثورجيتهم» وقبلوا كثيرا مما كانوا يرفضونه في الماضي. وما كاد عرض الفيلم ينتهي حتي تأكدت من جديد أن النسيان نعمة وأنه رحمة من الله بعبيده وندمت لأنني حرصت علي مشاهدته ولمت القناة التي عرضته لأنها ذكرتني بماض لا يبعث تذكره إلا الحسرة علي ما نحن فيه ولاحظت بأسي غير قليل أن كل الذين كانوا يتحدثون عن الفيلم من صناعه بعد عرضه كانوا يتجاهلون ذكر اسم مؤلفه اكتفاء باسم كاتب السيناريو والحوار ذلك أن «أغنية علي الممر» فيلم يعتمد علي مسرحية بنفس الاسم كتبها الكاتب المسرحي «علي سالم» الذي أصبح يعرف بعد ذلك بأكثر المتحمسين للتطبيع، مع من كان يعرف منذ ربع قرن فقط بـ«العدو الصهيوني»! فيا له ـ كما يقول «نجيب محفوظ» ـ من زمن وغد، عدو لدود للورود!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها