النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

الكويتي الذي لم ينس فضل البحرين عليه

رابط مختصر
العدد 9027 الجمعة 27 ديسمبر 2013 الموافق 23 صفر 1435

الذين لم ينسوا فضل البحرين عليهم، يوم كانت لا تدانيها أي دولة مجاورة كمحجة للباحثين عن العلم، كثر! مقابل هذه الكثرة هناك قلة ولدت وترعرعت ودرست في البحرين لكنها حينما انتقلت إلى خارجها بحثا عن فرص العمل تنكرت لمسقط رأسها إلى درجة أنها لم تعد تذكر اسمها في سيرها الذاتية. وهذا النوع من البحرينيين يتجسد تحديدا في عدد من أهل الفن والطرب الذين تجنسوا بجنسيات خليجية. وحينما نأتي إلى الأسماء التي لم تنس فضل البحرين عليها وقابلته، بمشاريع خدمية واجتماعية وخيرية متنوعة بعد أن منّ الله عليها بالثروة والجاه، لا نجد اسما محفورا في ذاكرة البحرينيين وقلوبهم أكثر من اسم رجل البر والإحسان الكويتي المغفور له «شيخان أحمد الفارسي» الذي بكته البحرين وحزنت عليه يوم أن رحل عن دنيانا عن 92 عاما في أواخر يوليو 2013. وبطبيعة الحال فإنه لا يوجد بحريني لم يسمع بهذا الرجل الفاضل لأن أياديه البيضاء نراها رؤية العين مغروسة في أماكن كثيرة من خلال دور العبادة التي بناها في كل محافظات المملكة «لا سيما في المحافظة الوسطى التي تحتضن مسجد شيخان الفارسي الكبير والمركز الثقافي الملحق به لتدريس علوم القرآن للبنين والبنات وربات البيوت»، والصالات الاجتماعية متعددة الأغراض لذوي الدخل المحدود، إضافة إلى مركز شيخان الفارسي للتخاطب الشامل في محافظة المحرق والذي افتتح في 1997 لتقديم الخدمات التأهيلية والتعليمية لذوي العجز السمعي من سن ثلاث سنوات إلى سن السادسة عشرة. كما عــُرف الراحل الكبير بتنظيم وتمويل الأنشطة الصيفية للتلاميذ، ومساعدة الطلبة البحرينيين الدارسين في الكويت، وكذلك المساهمة في تمويل عدد من المشروعات في البحرين مثل «مكتبة أحمد الفارسي بكلية العلوم الطبية»، و«مكتبة الشيخ عيسى»، و«دار الحكمة للمتقاعدين»، و«مركز العلاج الطبيعي بمستشفى قوة دفاع البحرين». على أن ما قد يجهله الكثيرون في البحرين هو تفاصيل المسيرة المضيئة للرجل، وقصة كفاحه المليئة بالعبر والمثابرة، ومواقفه التي تجسد معاني العزيمة والاصرار على النجاح منذ أن ولد في 1921 في فريج الشيوخ بمنطقة الوسط قرب قصر السيف وحتى تاريخ وفاته المشار اليه آنفا. كان ميلاد شيخان الفارسي في عائلة ربها من علماء الدين الكويتيين الأفاضل وهو «أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن محمود زين الدين بن القلعة». والأخير لئن كان من الذين ولدوا في قرية «خــُنـْج» في جنوب شرق بلاد فارس قبل أن يعبر مياه الخليج إلى الكويت مثلما فعل الكثيرون في أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، فإنه من جهة أخرى عربي الأصل، نزح أجداده من الجزيرة العربية إلى بلاد فارس بحثاً عن الرزق الحلال والعيش الكريم في القرن 11 الهجري. ولعل ما يعزز هذه المعلومة أن قائمة أسماء القبائل العربية التي استوطنت بلاد فارس تشتمل على «آل شيخان الفارسي» وتقول انهم من «شمر نجد». وهكذا كان من الطبيعي أن تلقب العائلة بالفارسي إشارة إلى قدومها من بر فارس العربي. أما اسم شيخان، فطبقا لما هو منشور في الصحف الكويتية، تتلخص قصته في أن «أحمد الفارسي» حينما اشتغل بالوعظ الديني في جوامع الكويت من بعد إكمال دراسته في القاهرة كان كثيرا ما يردد عبارة «رواه الشيخان البخاري ومسلم» عند قراءته للأحاديث النبوية، فرسخ هذا الاسم في ذهنه إلى درجة أن أطلقه على ابنه الأخير من بعد ثلاثة أولاد وست بنات. ويقال ان من بين الذين كانوا يطربون لأحاديث «أحمد الفارسي» الدينية حاكم الكويت وقتذاك الشيخ سالم المبارك، وانه لهذا السبب كلفه بتدريس ابنه الشيخ عبدالله السالم الصباح أول حاكم للكويت بعد الاستقلال. لقد كان الشغل الشاغل لـ «أحمد الفارسي» مصلحة الكويت وأهلها أولا وأخيرا. وفي هذا السياق يمكن إيراد أكثر من قصة حدثت بينه وبين الحاكم الشيخ سالم المبارك لكن دون أن تؤثر على علاقتهما البينية الوثيقة. من هذه القصص، بحسب ما ذكرته صحيفتا «القبس» و»الجريدة» الكويتين، أن الفارسي الأب كان يرفض تناول الطعام في ديوان الحاكم لأن الأخير كان يفرض ضريبة الجمارك على التجار الذين كانوا يدفعونها مكرهين. وقد حاول الحاكم إقناع أحمد الفارسي بأنه لا يأخذ الضرائب لنفسه وإنما لدعم الميزانية المتواضعة للإمارة قبل ظهور النفط، لكن دون جدوى. واستمر خلافهما إلى أن اقترح الفارسي على الحاكم أن يطلب من التجار أنفسهم تحديد نسبة الضريبة التي يدفعونها. وهكذا وافق الحاكم على أن تصير ضريبة الجمارك 4 بالمائة بعد أن كانت 10 بالمائة. ومن المواقف الأخرى أن الحاكم الشيخ سالم المبارك إستدعى رجالات الكويت ومن بينهم أحمد الفارسي للتداول معهم حول كيفية التصدي لهجوم كان يعتزم زعيم الإخوان «فيصل الدويش» القيام به على الكويت في عام 1920 فقال له أحمد الفارسي بصراحته المعهودة أنه مجرد عالم دين ولا يفهم في شؤون الحرب والسياسية، مضيفا اقتراحا يقضي ببناء سور حول مدينة الكويت يحميها من أي عدوان. وقد لاقى هذا الاقتراح موافقة الحاكم والحاضرين، فبدأت عملية بناء السور التي استغرقت ثلاثة أشهر وشارك فيها معظم أهل الكويت. عانى المرحوم شيخان الفارسي من طفولة صعبة وشاقة لأن والده توفي في 1934 أي حينما كان في سن الثالثة عشرة فضاق بأسرته الحال وزادت الديون عليها، لكنها تغلبت عليها بفضل الله وقوة الايمان والعزيمة والارادة. ومن صور طفولته الصعبة أنه اضطر للالتحاق بمدرسة السعادة للأيتام «مدرسة مجانية أسسها شملان بن علي آل سيف وأنفق عليها بسخاء وجلب لها أفضل المدرسين من الأزهر الشريف» من بعد أن كان والده قد ألحقه في عام 1932 بمدرسة الشيخ عبدالعزيز حمادة. بعد ذلك التحق شيخان بمدرسة هاشم البدر القناعي حيث اجتهد فيها لتعلم مبادئ اللغة الإنجليزية، وذلك اقتناعا منه بأهمية الإنجليزية في القادم من الأيام. أما محطته الدراسية التالية فكانت في المدرسة المباركية التي قضى بها ثلاث سنوات تعلم خلالها القرآن الكريم والعمليات الحسابية وحساب الغوص والسفر، وعاصر أثناءها وصول أول بعثة من المعلمين الفلسطينيين في عام 1932، وكانت تضم أربعة مدرسين فقط قاموا بعمل جبار لجهة تطوير التعليم وإدخال مواد جديدة إلى المناهج الدراسية. وحينما وصل شيخان إلى الصف السادس المعادل للأول الثانوي حاليا لم تكن هناك فصول دراسية أعلى ليواصل تعليمه، بسبب ضعف إمكانيات الحكومة، فاضطر للعمل في المدرسية المباركية كمعلم للمرحلة الابتدائية مقابل راتب تافه لم يتجاوز بضع روبيات. ولكي يعزز دخله الضئيل كان يتردد على ساحل البحر يجمع من الغواصين «فلقة المحار» وينظفها ليبيعها. وعلى الرغم من أن شيخان لم يكن مقتنعا بالعمل في التدريس، فإنه ظل فيه حتى استطاع الحصول على بعثة دراسية إلى الخارج. ولم يكن هذا الخارج سوى البحرين التي كانت وقتذاك قد سبقت كل أقطار الخليج في التعليم النظامي. أما قصة حصوله على البعثة فهي أن مدير المعارف في البحرين آنذاك «كمال قاسم المهزع» كان في زيارة إلى الكويت فعرض على نظيره الكويتي أن تستقبل البحرين في مدارسها بعض الطلبة الكويتيين من خلال بعثة ينفق عليها حاكم الكويت وقتذاك الشيخ أحمد الجابر، ويتم اختيار أعضائها عبر المقابلات الشخصية. وهكذا أجريت المقابلات الشخصية الخاصة بالإبتعاث إلى البحرين فوقع الاختيار على أربعة طلاب كان شيخان أحدهم، حيث مكث الأخير بالبحرين سنتين درس خلالهما في المدرسة الصناعية، وحصل منها على الشهادة الصناعية معطوفا على اتقان اللغة الإنجليزية. ومما يروى عن فترة دراسة شيخان في هذه المدرسة انه كان صاحب مبادرات لعبت دورا في تعديل واصلاح بعض الأمور مثل تغيير نوعية الطعام الذي كان يـُقدم للطلبة. في عام 1942 عاد شيخان إلى بلده الكويت ليجد في انتظاره تحديات جديدة تمثلت في تراكم الديون على أسرته وعجز إخوانه عن سدادها بسبب مهنهم ودخولهم المتواضعة «كان أخوه الأكبر (بدر) يعمل مصلحا للدراجات الهوائية، وأخوه الثاني (محمد) يعمل كمشرف بناء، وأخوه الثالث يعمل مصلحا للساعات». لذا كان عليه أن يبحث عن عمل يمكنه من تعديل هذا الوضع البائس، لكنه لم يجد أمامه سوى العودة مجددا للتدريس في المدرسة المباركية مقابل راتب شهري لا يزيد عن 15 روبية، وتعزيز هذا الراتب بالعمل بعد الدوام المدرسي. غير أن اوضاع شيخان وأسرته المالية ظلت تسوء بدليل أنه كان يرتدي ثوبا فلا يغيره حتى يصبح باليا، ثم بدليل أن أسرته كانت تعيش في طعامها على الصدقات والزكوات النقدية والعينية. إزاء هذا الوضع البائس، وصل شيخان إلى قناعة بأنه لا بد له من ترك العمل الحكومي في دائرة المعارف. فكانت البداية في عام 1943 حينما التحق بالعمل لدى شركة هندسية تابعة للجيش الأمريكي كانت تعمل في مجال نقل المساعدات إلى الاتحاد السوفيتي عبر الأراضي والأنهار الإيرانية، حيث كانت هذه الشركة في حاجة إلى كويتي يجيد الإنجليزية للقيام بأعمال الترجمة بين موظفيها وصناع السفن «القلاليف» المحليين. وبطبيعة الحال كان هذا الشرط ينطبق على شيخان المتمكن من الإنجليزية بفضل دراسته في البحرين، فأعطيت له الوظيفة مقابل 60 روبية شهريا. وحينما أنهت الشركة الأمريكية أعمالها في الكويت في عام 1945 عرض شيخان عليها أن يشترى بعض مخلفاتها، فوافقت الشركة على العرض ثم أعاد شيخان بيع المخلفات، محققا أرباحا معتبرة لتؤرخ هذه الصفقة لأول أعمال شيخان التجارية. محطته العملية التالية كانت العمل بوظيفة كاتب لدى «دائرة تموين الأطعمة» مسؤولا عن عملية توزيع الأطعمة على الأهالي في الفرجان المختلفة، علما بأن هذه الدائرة أسستها الحكومة في عام 1941 لمواجهة ظروف الحرب العالمية الثانية وتداعياتها التموينية. ومرة أخرى يشعر شيخان أنه لم يخلق للعمل الحكومي ذي المردود القليل فيستقيل من دائرة التموين في 1946 ليبدأ مشواره الطويل والأهم في تأسيس الشركات بدءا من دخوله في شراكة مع «سيد حميد بهبهاني» لتأسيس شركة مقاولات غرضها توفير العمال لشركة نفط الكويت. والجدير بالذكر أن هذه الشركة توفقت في عملها ودخل فيها شركاء جدد وتوسعت وكثرت أرباحها قبل أن يدب الخلاف بين الشركاء حول أسلوب العمل ويــُقـْدموا على تصفيتها. أما الشركة الثانية التي أسسها شيخان الفارسي فقد كانت دخوله في شراكة مع «ويمبي البريطانية» لبناء مقر البنك البريطاني في مدينة الكويت، لكن هذه الشراكة لم تستمر طويلا أيضا وانفضت كسابقتها. بعدها، وتحديدا في 1947 عمد شيخان إلى مشاركة صديقه «محمد حسين الكندري» في تأسيس شركة مقاولات متخصصة في تزويد وتجهيز البواخر بالمواد الغذائية. ورغم أن هذه الشركة امتلكت أسطولا من الشاحنات «نحو مائة شاحنة معظمها من مخلفات الجيش البريطاني في العراق» ونجحت في بدايات عملها إلا أنها تعرضت للإفلاس لاحقا وتمت تصفيتها، غير ان هناك من يؤكد أن الشركة لم تصف وأنها مازالت موجودة وتتخذ من عمارة ثنيان الغانم «مقابل دوار فندق الشيراتون» مقرا لها، وأن الذي حدث هو اختلاف الصديقين شيخان والكندري حول أمور مادية، وأن هذه الخلافات استمرت حتى وفاة الكندري أثناء الغزو العراقي لدولة الكويت. إن فشل الشراكات التي أبرمها شيخان مع نظرائه الكويتيين من رجال الأعمال لم يضعف من عزيمته ولم يقده إلى اليأس، بل العكس هو الصحيح. إذ نجده بعد فشله مع الكندري يتقدم إلى المحسن «عبدالله العلي العبدالوهاب المطوع» ليضمنه ماليا من أجل الحصول على قرض بمبلغ عشرة آلاف روبية من أحد معارفه. وبنصف هذا المبلغ سدد الرجل كافة ديونه، وبالنصف الآخر شارك المرحوم «عثمان الجيران» مناصفة في افتتاح محل لبيع قطع غيار السيارات. وقد قدر الله لهذه الشراكة النجاح والاستمرارية لسنوات طويلة جنى خلالها طرفاها الربح الوفير إلى أن شعر كلا الشريكين بالرغبة في أن يعمل كل منهما بمفرده. فانفصل شيخان ليدير تجارته بنفسه بعد أن أعطى شريكه «عثمان الجيران» حصته التي يقال أنها بلغت 70 ألف روبية. في تلك الأثناء كان أولاد شيخان قد كبروا وأنهوا تعليمهم، ومنهم من عاد من الخارج لينضم إلى والده في إدارة تجارته «مثل ابنه البكر أحمد الذي أنهى دراسة الميكانيكا في جامعة الإسكندرية»، ومنهم من عاد ليؤسس عمله التجاري الخاص به. وفي كلتا الحالتين ظل شيخان يمد يد المساعدة إلى أبنائه بماله وخبرته. ومثلما لم ينس الرجل البحرين وأغدق عليها المشاريع الخيرية فإنه لم ينس وطنه الأم، فساهم في دعم اقتصادها الوطني وبنيتها التحتية من خلال تأسيس العديد من المصارف والشركات الوطنية والجمعيات التعاونية والمدارس والمختبرات المدرسية والقاعات المسرحية، ناهيك عن تبرعاته المالية الضخمة لإقامة المشافي والمراكز الصحية «تبرع مثلا بمبلغ مليون دينار كويتي من أجل بناء مركز شيخان الفارسي لعلاج الروماتيزم»، لذا لم يكن غريبا أن يــُمنح الرجل عضوية مجلس التخطيط في 1966 ويعين نائبا لرئيس معهد التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في العام نفسه، ويــُختار عضوا في مجالس إدارات بنك الائتمان، وشركة أسمنت الكويت، وشركة الخليج للتأمين، وجمعية الدسمة التعاونية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها