النسخة الورقية
العدد 11152 الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

المسرح البحريني في غياب المشروع الكوميدي (2 ـ 2)

رابط مختصر
العدد 9024 الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 الموافق 20 صفر 1435

ولا زلنا نفتش عن مشروع كوميدي في المسرح البحريني، وإذا كنا منصفين فيما نذهب إليه، فإن التجربة الكوميدية التي تستحق القراءة والاهتمام والتبصر في منطقة الخليج العربي، فهي تجربة أو مشروع الفنان الكوميدي الساخر غانم السليطي، الذي يتفرد الآن في ساحتنا الخليجية بمسرحياته الكوميدية السياسية الساخرة التي تثير الحوار والجدل حولها على كل الصعد في مجتمعاتنا، والذي يرى أن الكوميديا الحقيقية هي تلك التي تخرج من الرأس بعد اعتراك صعب ومدم مع كل مفردات الفكرة والنص والعرض، ولربما تمكنت تجربته من الاستمرار والتطور والقبول من كافة شرائح المجتمع وفئاته ومستويات تفكيره، لكونه مخرجا لعرضه. وتعتبر تجربة الفنان القطري غانم السليطي إذا ما قورنت بغيرها من التجارب الكوميدية الأخرى الوحيدة التي تمكنت من انتخاب كل الفئات المجتمعية، ولم تقتصر على جمهور أو متلقين محددين، خاصة وأن السليطي فنان مثقف بجانب كونه ابن المسرح تربية ودراسة وممارسة، لذا فهو ينفرد عن غيره من خائضي بحر الكوميديا في الخليج العربي بسمات وتكوين يحتاج الكثير من خائضي هذا البحر على التوفر عليها. الكوميديا تحتمل مساحات رؤية واسعة، فهي إذ تكتب نصا، فإنها بالمقابل ممكن أن تعالج عرضا، فالمسألة تكمن في الرؤية، والدليل أن هناك كثير من النصوص الكوميدية الرفيعة، تمت معالجتها من قبل بعض المخرجين بشكل سطحي، فبدت خلاف نوعها ورؤية من كتبها، وأصبحت بائسة لا تنتمي لا للكوميديا ولا للتراجيديا ولا حتى للمسرح، وفي المقابل هناك نصوص تراجيدية تمت معالجتها برؤية كوميدية خلاقة، من قبل من أعاد كتابتها أو تصدى لإخراجها، فاستحقت أن تقرأ وتشاهد وتثير الكثير من الحوار بين الباحثين والنقاد حول الكتابة الجديدة للنص ومدى إمكانات تشظياتها وتناصاتها مع نصوص أخرى، ولنا في تجربة مصطفى رشيد (كوكتيل) أسوة فيما نذهب إليه، إذ خلق علاقة جدلية ساخرة بين نصوص عدة، ليخرج منها برؤية إخراجية جديدة لم يتم طرق أبوابها في مسرحنا البحريني قبل. إذن الكوميديا تحتمل النص والعرض في آن، ولكن ما نحتاجه هو المسرح الموازي الذي يتبنى هذه الكوميديا في مشروعه، فإذا وجد هذا المسرح وجد معه الاتجاه الذي يتبناه هذا المسرح أو هذه الفرقة، إذ الكوميديا ليست صنفا واحد، إنما هي اتجاهات متعددة، بعضها يتبنى الكلمة، وبعضها الموقف بالكلمة أو دونها، وبعضها يتشكل من خلال الكيروغرافيا، وبعضها من خلال الومضة أو الخط الكاريكاتيري، ولنا في الكاريكاتير أسوة، في مسرحية حملت عنوان (كاريكاتير) لمؤلفها ومخرجها كاتب السطور ومثلت مسرح الصواري عام 1992 بمهرجان القاهرة الدولي للتجريب، وهي مستقاة من رسوم رسام الكاريكاتير خالد الهاشمي في كتابه (المزاح في حدود المتاح)، حيث لجأت فيها إلى استثمار الخطوط الكاريكاتيرية الحادة، لأشكل منها عرضا ينتمي للمسرح الأسود، وحولت الشخصيات إلى كائنات كاريكاتيرية تسخر من نفسها مثلما يسخر منها من يشاهدها، وهي تجربة كنت أطمح بالاشتغال على نسقها وتطوير آليات البحث فيها، ولم أتمكن إلى حد الآن. وفي البحرين الآن، تجربة مسرحية كاريكاتيرية مهمة، متى ما تم استثمارها جيدا والبناء عليها، وهي تجربة مسرح البيادر في عرضيه (بلاليط) التي حاز فيها الفنان الشعبي الشاب المتدفق عادل جوهر جائزة أفضل ممثل دور أول في مهرجان الفرق المسرحية ألأهلية الخليجية الذي أقيم العام الماضي بصلالة سلطنة عمان، و(ديايه لو طارت) والتي أيضا قام بدور محورها الأساسي الفنان نفسه. هذان العرضان اللذان تصديا للبيروقراطية في بلداننا العربية، بشكلها القاتل والممل، تمت معالجتهما بشكل كاريكاتيري معبر ومضحك، وإن حملا ثيمة النص الدائري، إلا أنه تمت معالجتهما وفق تقنيات المسرح الحديث، الذي احتفى بالإضاءة وتنويعاتها، وبالصورة الفيلمية واللقطة الكاريكاتيرية في خطوطه العامة. هذان العرضان ممكن أن يكونا مشروعا مسرحيا كوميديا مهما في البحرين والخليج العربي، إذا استوعب فريق العرض أفق ما يتبناه من رؤية لهذا المسرح، وإذا ما كرس المخرج المؤلف جمال الصقر والمخرج لمسرحية بلاليط (احمد جاسم)، خاصة، جل اهتمامهما بهذا التوجه، خاصة وأن الفنان جمال الصقر من المخرجين الفريدين الذين أخلصوا لتوجههم المسرحي، كتابة وعرضا، منذ مسرحيته (رجل ضاع في نفسه) و(الضفادع)، فهو خالق للعرض الكوميدي الجماعي الذي يتحول فيه كل فريق العرض إلى أبطال كوميديين، ويبني من خلاله موقفه الفكري والفني. هذه التجربة لمسناها في عروض مسرح البيادر، والتي استطاعت أن تلقي بظلها قويا على لغتي المخرج الشاب أحمد جاسم والفنان عادل جوهر خاصة، وبالتالي استطاعت أن تكون امتدادا لمشروع كوميدي أسس له الفنان الصقر وينتظر المراكمة على ما قدمه كمؤلف للنص والعرض في آن. ولعل تجربة الصقر، تمنح فريق العرض رؤية أخرى في تشكيل العرض، الذي يتأسس على التشكيل وبناء الكتل وتقاطعها في فضاء العرض المسرحي، إذ أن نصوص الصقر كتبت لفضاء العرض، وللارتجال في حيزه ولاكتشاف فضاءات متعددة عبره، تمنح بالمقابل مساحات خلقية أخرى لدى المؤدي، وتحفزه على المشاركة في تأليف العرض وتشظية الحالة الساخرة فيه، وهي منطقة جديدة في مساحة التأليف العرضي للكوميديا في المسرح، لم يخضها مخرج مسرحي بحريني غيره في مسرحنا، ونتمنى ألا يخذلنا المسرح فيشحب وهج هذه التجربة البيادرية الكوميدية الساخرة المهمة. فغالبا ـ للأسف ـ ما يخذل المسرح ما يتوجه إليه بدءا، سواء كوميديا أو سواها، ولهذا السبب الكثير من الممثلين ظلموا، وأعني بذلك الممثلين الذين تكونت تجربتهم المسرحية في حيز الاشتغال على الكوميديا في المسرح، وخاصة الممثلين الذين شكلوا حضورهم الكوميدي المميز لفترة ليست بقصيرة، من خلال العروض المسرحية الكوميدية التي شاركوا فيها، واقتصر أداؤهم عليها فحسب، من أمثال الفنانين سعد البوعينين، وجاسم الصائغ، واحمد الصائغ، ومحمود الملا، وعبدالله وليد، والفنانتين سلوى بخيت وسعاد علي. هؤلاء الفنانون، كان حضورهم الأدائي إغناء للعرض المسرحي الكوميدي، خاصة وأنهم تملكوا ناصية القدرة على المزاوجة بين الأداء المتكئ والمخلص للنص والمخرج، والأداء الارتجالي العفوي الذي شكلته تجربتهم وخبرتهم الطويلتين في هذا الحقل، الأمر الذي أسهم بلا شك في تشكيل جمهور يقصد المسرح من أجلهم هم، قبل المؤلف والمخرج. ومن أمثال هؤلاء من الممثلين أصحاب التجربة والخبرة الطويلة في حقل الكوميديا، نجد بالمقابل، فنانين شباب تماثلوا معهم في مثل هذه الحالة، مع اختلاف معطى التجربة الفنية والحياتية، من أمثال الفنانين علي القرير وخليل الرميثي وأحمد مجلي وأحمد مبارك وأمين الصائغ وحسن محمد وسامي رشدان، ومنصور الجداوي. هؤلاء الفنانون أيضا، يصعب أن ترميهم في بحر غير بحرهم الذي اعتادوا السباحة فيه، ولربما بعض المخرجين عانوا الأمرين عندما أسندوا لهؤلاء الفنانين أدوارا لا تنتمي للكوميديا بأية صلة، فأحالوها إلى الكوميديا دون قصد، فبدت عروضهم المسرحية غير ما كانوا يتوقعونها. وعليه، أصبح مشروعهم الكوميدي، هو العروض المسرحية التي تقدم في مناسبات الأعياد، والتي ينتظرونها بفارق الصبر، كي ينفسوا عن الشحنة الهائلة التي ضاقت بها طاقتهم طوال العام، خاصة وأن مثل هذه العروض لا يحكمها في الغالب نص مسرحي، أو يقودها مخرج، إذ تترك المساحة كاملة لارتجالاتهم التي تتصرف كيفما تشاء لتشكل العرض الذي هم يريدونه ويريده جمهورهم، وليس المؤلف أو المخرج. هذه العروض المناسباتية، استطاعت أن تخلق نجوم شباك، ولكنها لم تستطع أن تخلق مشروعا مسرحيا كوميديا، يتكئ وينطلق من رؤية عميقة في المسرح والحياة، بل وتحول المنتج لهذه العروض نجما لا تقل أهميته أو مكانته عن النجم الممثل، فهو من يقترح فكرة النص في الغالب، وهو من يسمح لهؤلاء الفنانين بالإضافة عليها، بل وتجاوزها إذا اقتضت الدخولات والأرباح ذلك، وهو من يسيطر على اللعبة الكوميدية بأكملها، وهو عين المتفرج الأولى في هذه اللعبة، خلاف المسرح الكوميدي الجاد والنوعي سابقا، حيث المخرج هو صاحب الرأي والرؤية في اللعبة الكوميدية، وحيث الباحث في هذا الحقل هو من يرصد ويدرس إمكانات تحول هذه اللعبة إلى مشروع كوميدي نظرا لتميز نوعيته. المشكلة الأكبر، أن من يتبنى مشروع الكوميديا في مسرحنا الآن هو المنتج التجاري الذي يعتاش على آلام البشر ويسطح طموحاتهم وأحلامهم، بتسذيجه للقضايا الاجتماعية والسياسية عبر الضحك على من يؤدي الدور، وليس عبر الضحك على أنفسنا كمتفرجين أدركنا المهمة الإنسانية السامية التي يضطلع بها هذا المؤدي في مختلف أدواره الكوميدية. فالكوميديا ليست أسهل أشكال وأنواع المسرح، كما يستبسط مثل هذا النوع المنتجين ذلك، إنها فن في غاية الصعوبة، فن يبدو الجاد المتجهم فيه خلاف حاله إذا ما أدركنا المفارقة الساخرة التي ينطوي عليه هذا الجاد، فن يبدو المضحك فيه على درجة من الجدية إذا ما تأملنا خطابه جيدا. الكوميديا ليست كل ما يقال في الشارع وينقل إلى المسرح، وليست الخروج على النص والارتجال المجاني كما قد يعتقد البعض، ومنهم فنانون للأسف. إن طبيعة العروض التي يقدمها في الغالب المسرح التجاري، لا تختلف عن سمات المهزلة، وهناك فرق بين المهزلة والملهاة أو الكوميديا، فالمهزلة تعتمد على إثارة الضحك بمؤثرات مبالغ فيها، ولا تهتم برسم الشخصيات أو البعد الفكري والنفسي لها، أما الملهاة فشخصياتها وملامحها ومواقفها وأحداثها محددة المعالم، وترتقي بالضحك فيها من المستوى العامي المعروف إلى المستوى الجمالي الإنساني الرفيع. الكوميديا تحتاج إلى فنان بارع في تقديم الموقف الذي يتبناه أو يتصدى له، تحتاج إلى ممثل ذي ثقافة وسعة اطلاع، تحتاج إلى من يتبناها بوصفها مشروعا مسرحيا فرقيا أو مؤسسيا، ينطلق من رؤية عميقة في المسرح والحياة. فهل يتحقق ذلك في المستقبل القريب، أم أننا سنظل كاعادة مثاليون فيما نتمنى تحققه وإن كان ممكنا؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها