النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

صمام الأمان الاجتماعي عندما يهتز!

رابط مختصر
العدد 9023 الإثنين 23 ديسمبر 2013 الموافق 19 صفر 1435

تشكل «الطبقة الوسطى» في أي مجتمع صمام الأمان الاجتماعي - الاقتصادي، وبتضعضع وضعها يتسرب الانخرام للمجتمع، وذلك باعتبارها الطبقة الوسيطة التي تحفظ قدرا من التوازن بين مختلف الطبقات الاجتماعية، خاصة بين الفقراء والاغنياء. وتفسر أغلب الدراسات المتخصصة في هذا المجال هذا الدور المركزي للطبقة الوسطى بكونها الطبقة التي تحرك الاقتصاد بحكم أن لديها دخلاً، كيفما كان مستواه، وأنها هي التي تحرك عجلة الاقتصاد عبر الإنتاج والاستهلاك معا، كما انها تعتبر بمثابة المحرك الثقافي والايديولوجي للمجتمع، لأنها هي التي تشكل الجسم الأساسي لمنظمات المجتمع المدني والجمعيات والأحزاب، إلا أنها وعندما تتورط تدريجيا في الانشغال اليومي بأزمتها والبحث عن حلول لمعضلاتها الاجتماعية والاقتصادية، يتعطل انخراطها السياسي وانتاجها الثقافي ويرتبك لكونها استنزفت في معارك تعزيز وضعها الاجتماعي - الاقتصادي مخافة من السقوط المدوي، وهو ما يفسح المجال واسعًا للقوى المهمشة التي سريعا ما يمكن جرها الى الفوضى والعنف، خصوصا انه ليس لديها ما تخسره، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى انحسار العقلانية وتراجع الاخلاق في العمل السياسي المنظم. إن للطبقة الوسطى أدوارا متعددة الأبعاد تتمثل في تحقيق التوازن الاجتماعي وتحريك الاقتصاد وعجلة التنمية، والحفاظ على استقرار الأنظمة السياسية، فقوة الوساطة التي تلعبها ما بين المجتمع والدولة يسمح لها بالتأثير على اتجاهات الرأي العام. وبالتالي، حينما تكون هذه الطبقة في موقع قوة فإن دورها يكون إيجابيًا، بمعنى أن دورها هنا ينعكس إيجابيًا على مستوى استقرار النظام السياسي الاجتماعي والاقتصادي والعكس صحيح، أي حينما تضعف هذه الوساطة فإنه ينعكس على مستوى طبيعة التجانس والتماسك المجتمعي والسياسي بشكل قد يهدد استقرار هذا النظام السياسي، ولذلك فإن تآكل الطبقة الوسطى، وتراجع مكانتها في المجتمع، ينبئ بوقوع خلل في التوازن والاستقرار الاجتماعيين، على اعتبار أن هذه الطبقة هي صمام الأمان والاستقرار، فكلما كبر حجمها تحقق الاستقرار الاجتماعي المنشود والعكس صحيح ، حيث تشير الوقائع إلى أن اغلب البلدان العربية بصدد فقد عمودها الفقري نتيجة انخرام التوازن الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء وازدياد مظاهر البطالة والفقر والتهميش الفاقة في ظل السياسات الاقتصادية نيو ليبرالية. ومن المؤكد أن تراجع مكانة هذه الطبقة له آثار سيئة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي وعلى مسيرة التنمية وعلى الاستقرار الاجتماعي للدول، ولكنه في ذات الوقت يطرح عدة إشكالات نظرية منها على وجه الخصوص: - أولاً: ان البنية الاجتماعية في مجتمع اغلب الناس فيه موظفون لدى الدولة لا يمكن القبول فيه بتحليل تبسيطي يتحدث عن «طبقة وسطى» وكأنها واقع راسخ ومكتمل وواضح، فليست الأمور عندنا منجزة وواضحة، ولذلك فإن ما يطلق عليه عندنا اسم طبقة وسطي يكاد يكون تسمية مجازية، ويمكن القبول بالتسمية بالمعيار الاقتصادي فقط، رغم أن علماء الاجتماع وخبراء الاقتصاد يفضلون الحديث عن «طبقات وسطى»، «بصيغة الجمع»، في حين لاتزال التقارير العربية الرسمية تحدثنا عن توزّع السكّان حسب شرائح الإنفاق، حيث تعتبر الطبقة الوسطى هي الفئة السكانية متوسطة الدخل، مع اختلاف شديد في تحديد هذا المتوسط في أدناه وأقصاه، ولا يخفى لما في هذه «الحسبة» من تبسيط وتعميم واختزال، فعندما تحدد هذه التقارير السقف الأعلى للطبقة الوسطى عند خط إنفاق مقدر بخمسة آلاف دينار للفرد سنويا على سبيل المثال، فهل يعني ذلك أن عائلة مكونة من زوجين يعملان مدرسين مثلا ويبلغ دخلهما السنوي معا حوالي 12 ألف دينار في السنة، تنتمي إلى فئة الأغنياء مثلا؟ الإجابة قطعا لا، مما يؤكد أن هذا التقسيم لا هدف منه سوى التغطية على التفاوت الكبير والمتصاعد في توزيع الثروة. - ثانياً: ان هذه الطبقة تقف بين أصحاب الثروة وبين أولئك القابعين في قاع الفقر، ومن الناحية الاجتماعية والثقافية، تتميز هذه الطبقة بالرضا والاستكانة، فهي في الغالب مؤلفة من كبار ومتوسطي موظفي الدولة، والذين ينشدون الاستقرار ويخشون التغيير، وبهذا المعنى تشكل عنصر استقرار، فهي نادرا ما تشارك في المواجهات الاجتماعية التي تخوضها الطبقة العمالية والفئات الاجتماعية الأقل حظا، إلا أنها عندنا -بعكس مفهوم الطبقة الوسطى في المجتمعات الرأسمالية- ليست طبقة حداثية أو ديمقراطية أو ليبرالية بالضرورة، مختلفة بذلك عن الطبقة الوسطى في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية التي شهدتها أوروبا والكثير من الدول التي شرعت في التحول الديمقراطي. - ثالثاً: في الوقت الذي أنتجت الطبقة الوسطى الأوروبية تقاليد المطالبة بحقوقها وحملت معها حقوق الآخرين ومشاكلهم، فان ما يسمى بالطبقة الوسطي عندنا هي تلك الطبقة التي تتماهى مع الدولة وتعيش في رحاب رعايتها، لان الدولة هي رب العمل، وبالتالي فإن الحديث عن اندثارها -باستثناء الجانب المتعلق بالرواتب والتضخم- ليس نذير خطر مثلما تشير إلى ذلك بعض التقارير، لان هذه الطبقة جزء من مشكلة الدولة والمجتمع، فهي ليست طبقة برجوازية مستقلة عن الدولة، وإنما هي طبقة بيروقراطية تعيش في رحم الدولة، وتسيطر على العديد من مفاصلها، وتعيش عالة على «دولة الرعاية»، ولذلك أصبحت أجندتها الرئيسية في ظل الأوضاع الراهنة هي المحافظة على الأوضاع القائمة التي تجهد في التكيف معها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها