النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بيان مهم من «أحمد فؤاد نجم»

رابط مختصر
العدد 9020 الجمعة 20 ديسمبر 2013 الموافق 16 صفر 1435

على الرغم من تعدد التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة، بسبب القصائد التي ألفها، ومن فترات الحبس الاحتياطي التي أمضاها على ذمة هذه التحقيقات التي انتهت كلها بالحفظ فقد كانت قصيدة «بيان هام» هي الوحيدة من بين قصائد «أحمد فؤاد نجم» التي قدم بسببها للمحاكمة أمام محكمة عسكرية، أصدرت - في 25 مارس 1978- حكما بحبسه سنة مع الشغل والنفاذ، ظل هاربا من تنفيذه أكثر من ثلاث سنوات، إلى أن تم القبض عليه، أثناء حملة الاعتقالات الواسعة، التي شملت - في 5 سبتمبر 1981- معارضي حكم الرئيس «السادات» ليمضي العقوبة كاملة. كتب «نجم» هذه القصيدة في عام 1976، وظل لمدة عامين يلقيها في السهرات الخاصة والاحتفاليات الغنائية الشعرية، التي كان يدعى إليها هو وصديقه الشيخ «إمام عيسي» في الجامعات والنوادي وغيرهما من الأماكن العامة، دون أن يفكر أحد في أنها تنطوي على مخالفة للقانون تدعو للاتهام أو للمحاكمة، بل وكانت من بين القصائد التي ضبطت في منازل كثيرين من المتهمين بالتحريض على انتفاضة الطعام في 18 و19 يناير 1977، بما في ذلك منزل «نجم» نفسه، الذي كان متهما في القضية ذاتها، فلم تجد فيها سلطات التحقيق ما يدعوها لادراجها بين أدلة التهم التي وجهت إليه. لكن «نجم» لم يكد يسترد حريته بعد تسعة شهور من الحبس الاحتياطي امضاها علي ذمة التحقيق في قضية التحريض على انتفاضة يناير، حتى استجاب لدعوة وجهتها إليه إحدى الأسر الطلابية، لحضور ندوة شعرية غنائية يشترك فيها مع الشيخ «إمام عيسي» والفنانة «عزة بلبع» وأثارت الدعوة شكوك المسؤولين عن الجامعة، بسبب التوتر السياسي الذي كان يسود البلاد أيامها، خاصة أن موعد الندوة، كان قد تحدد بعد خمسة أيام من إعلان الرئيس «السادات» للسفر إلى القدس المحتلة، فاعترضوا على اقامتها، ولكن الطلاب أصروا على عقدها، لتكون قصيدة «بيان هام» من بين القصائد التي ألقاها «نجم» في هذه الندوة، وليكون تقليده لصوت الرئيس السادات. اثناء إلقائه لخطبه، عند إلقائه للقصيدة، هو الدليل الوحيد الذي استندت إليه النيابة العسكرية في توجيه تهمة إهانة رئيس الجمهورية إليه، وهو الذي استندت إليه المحكمة العسكرية في ادانته والحكم بسجنه لمدة سنة! وتنقسم قصيدة «بيان هام» إلى قسمين رئيسيين، يتقمص الشاعر في الأول منهما دور مذيع الربط في إذاعة تحمل اسم «محطة إذاعية حلاوة زمان» التي تبث برامجها من عاصمة تحمل اسم «شقلبان» حيث يسترعي انتباه المواطنين إلى أن «شحاتة العسل» - زعيم الدولة التي تنطق المحطة بلسانها- سوف يلقي بيانا مهما، يرد به على ما يشغل المواطنين، ليتقمص الشاعر في القسم الثاني، شخصية الزعيم وهو يلقي هذا البيان على شعبه، مقلدا صوت الرئيس السادات وهو يلقي خطبه وبياناته. ومع أن صوت الشاعر يختفي تماما من القسمين، ليحل محله صوت المذيع ثم صوت الزعيم اللذين يتحدثان إلى الشعب كل بأسلوبه وصوره وتراكيبه اللغوية، إلا أن الشاعر يتعمد أن يحاكي أسلوب كل منهما بشكل كاريكاتيري ساخر، يفضح حقيقة الطريقة التي يفكران بها، والأسلوب الديماجوجي الذي يخاطبان به الشعب. وهكذا نعرف - عبر صوت المذيع - أن دولة شقلبان «المستباحة بفعل السياحة مع الأمريكان» هي رمز لنمط من النظم السياسية التي تدور في فلك السياسة الأمريكية، وأن «شقلبان» ليس مجرد اسم لها، ولكنه وصف لأوضاعها التي انقلبت ولحكامها الذين يتشقلبون كمهرجي السيرك من الدفاع عن الاستقلال إلى الارتماء في احضان الاستعمار وأن زعيمها «شحاتة المعسل» يجمع مثلها كل التناقضات، فهو شهبندر التجار وصاحب نواد للعب القمار وخارب مزارع وتاجر خضار ومجمع لكل اشكال الفساد، أما مناسبة إلقاء هذا البيان المهم، فهو أن الزعيم شحاتة العسل، بلغته أنباء عن أقاويل، تتردد في البلاد، تتهم إدارته بالتواطؤ مع الأمريكان ضد مصالح البلاد وتشير إلى انتشار الفساد، وتعدد مظاهرات الخراب، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، يعاني شعبه من أزمات في المأوى والطعام والأمان، فلم يعد هناك مفر من أن يواجه الزعيم «شحاتة المعسل» ذلك كله ببيان يضع فيه النقاط على الحروف. وفي رده على هذه الأقاويل يبدأ الرئيس «شحاتة المعسل» بيانه المهم بعبارات تكشف عن أنه ليس في وعيه الكامل، مؤكدا أن الأحوال على ما يرام، وأنه لا يقبل من حيث المبدأ أن يستجوبه أحد، مؤكدا للجماهير أن جميع «المسائل تمام التمام/ وكل الكلام ده مجرد كلام/ فصبرا جميلا وما تقلقوش/ وشغل الضغاين أنا ما اقبلوش/ مفيش أي حاجة/ علي الطلاق والعتاق بالتلاتة/ مفيش أي حاجة/ وقدر كمان إن فيه أي حاجة/ مفيش أي حاجة». ليست المشكلة في رأي الزعيم هي وقائع الفساد والتخريب والتفريط التي تشاع عنه وعن معاونيه، والتي يستوي لديه أن تكون صحيحة أو لا تكون، لكنها مشكلة هؤلاء الحاقدين الذين تمتلئ قلوبهم بالضغينة والذين يحسدونه على ما بيده من سلطة، لأن الفساد- في رأي «شحاتة المعسل»- هو أساس الحكم، ونهب المال العام قدر تاريخي، فهو ليس أكثر فسادا ممن سبقوه، أو ممن يزاملونه ويعاصرونه، من الحكام، وهو ما يعلنه بصراحة قائلا «أنا بطبعي ضد السماسرة الكبار/ بحكم المنافسة/ وحكم الجوار/ لكن مش ف طبعي/ إني أعمل فضيحة/ لواحد زميلي هبش كام صفيحة/ ما كل الزمايل بتهبش صفايح/ وكل اللي جاي/ ماشي زي اللي رايح/ فيا أيها الشعب صهين تفلعص/ مساء التنفس/ مساء الروايح». وهو يعد هذا الشعب، إذ ما تغاضي عما يراه من فساد، وصبر على ما يلقاه، بتحقيق الأوهام التي يشيعها «فيا أيها الشعب كمل جميلك/ وصبرا وألزم ح تيجي/ المصاري/ وتاكل وتشرب/ تبع ما يأتيلك/ وتغرق في بحر العبيد والجواري/ وترسم حياتك حسب ما يرائيلك». ويصل شحاتة المعسل - في ختام بيانه المهم - إلى ذروة يكشف فيها عن طبيعة هذا النمط من النظم السلطوية البطريركية التي يجمع فيها الزعيم بين دور وسلطات رئيس الدولة وسلطات رب العائلة، ويبقى بها على الرغم من سخط الشعب، ويفرض تقسيما صارما للعمل يقضي بأن يقرر لينفذ الشعب، وأن يتكلم ويلتزم الناس الصمت والهدوء، وذلك ما يحرص على أن يؤكده بوضوح «ختاما سلاما/ وآخر كلاما/ ضرورا/ يسود الهدوء والوئاما/ فماذا وإلا/ ح طربقها والله/ وأهرب فلوسي/ وأسافر قواما/ سلام عليكم وسلمون وموز/ بصفتي رئيسا وأبا وجوز». لم يكن «بيان أحمد فؤاد نجم الهام» مجرد قصيدة ولكنه كان تشريحا سياسيا واجتماعيا للنظم السلطوية على الطريقة العربية، يستحق صاحبه جائزة نوبل في علم الاجتماع السياسي.. بدلا من الحكم عليه بالسجن لمدة عام، وهو الحكم الذي علق عليه المستشار «طارق البشري» قائلا إنه على استعداد لأن ينسب فخر تأليف هذه القصيدة له، حتى لو كانت العقوبة هي الأشغال الشاقة المؤبدة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها