النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الدليل الديمقراطي للطائفية «الوطنية» الأحزاب السيا

رابط مختصر
العدد 9018 الأربعاء 18 ديسمبر 2013 الموافق 14 صفر 1435

وصلني تعقيب على مقال «الديمقراطية الطائفية» الذي نشرته قبل فترة، من أحد الأصدقاء اليساريين، ملخص دعواه: «أن المحاصصة الطائفية قد تكون الحل المرحلي في رحلتنا نحو الديمقراطية الحقيقية»!! وذكرتني عبارة «الديمقراطية الحقيقية» بعبارة: «إصلاح ذي معنى» الشهيرة في معناها ومبناها، والتي تكاد تكون مرادفة لما يسميه هيكل «ثورة تسليم المفاتيح» على الطريقة الامريكانية، أي ديمقراطية بعد عمل «التشطيبات» الضرورية، وفقا لمقتضيات الصفقات العابرة للقارات! وقد رددت على الصديق: إن اسوأ ما في هذه الدعوى هو هذا التبرير الانتهازي المتخندق طائفيا بالنقيض لأي فكر يساري مهما كان نوعه، وإن الايدولوجيا الطائفية تنهض على الأوهام التي تصبح الدافع وراء المواقف والقرارات التي تحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية، فيضيق مجال العقل معها ويضعف تأثيره، ولذلك لا يمكن معالجة خلل بخلل أشنع منه، ومن المؤسف أن ينضم أو ينخرط بعض اليسار الديمقراطي إلى الجوقة الطائفية باستخدام المعجم إياه تحت أي مسمى أو مبرر مهما كان نوعه. ومن المؤسف اليوم أن تعود تلك النغمات المخاتلة التي تتحدث عن حكومة محاصصة!!، ومن المؤسف أن المتابع لتطور الفكر الطائفي عندنا وتحولاته، خصوصا بعد وخلال الأحداث المؤسفة، أن هذا «الفكر» يبني أطروحاته ومواقفه على أساس الأوهام المسوقة، لأنه غير مستعد لمواجهة الحقائق على الأرض، فيعيش في الفقاعة التي تريحه من «وجع الدماغ» وتؤمن له نوعا من الأمان المزيف الذي يقترب في نتائجه من فعل المخدر، وذلك لقصر نظره وسطحية تشخيصه للمشكلات السياسية والاجتماعية معا التي جوهرها تعزيز المشاركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمواطنة الكاملة. ومن هذه الأوهام كما تجلت خلال السنوات القليلة الماضية من خلال أطروحاته أن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة ( يعني محاصصة) هو طريق إلى بناء الديمقراطية المرحلية «كما قال صديقنا»، في حين أن اعتماد منطق التوزيع الطائفي للمناصب والمنافع في كافة جوانب الحياة لا يؤدي إلى تكريس الديمقراطية أو تعزيزها كما قد يتوهم البعض، وكذلك القول بإمكانية تحقيق الديمقراطية في مجتمع تتساوى فيه الطوائف، كما جاء في بعض الخطابات المعارضة او في فلتات اللسان السياسية المتكررة، لان الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام القانون وأمام الدولة، والشرط الضروري لهذه المساواة هو إلغاء الطائفية في المجتمع، لأن الديمقراطية في جوهرها وحقيقتها مساواة بين أفراد يرتبطون مباشرة بالدولة دون الحاجة إلى وسيط، وعلى أساس المواطنة الكاملة، والحريات الفردية الكاملة للأفراد بعدم مصادرة حقهم في الاختيار وفي اتخاذ ما يراه مناسبا من مواقف ومواقع. المصيبة الكبرى أن التنظيمات الطائفية قد نجحت على ما يبدو في جر قوى محسوبة على اليسار والليبرالية تحت مظلتها، استنادا إلى سيطرة المجال الطائفي الجماعي، كما نجح في جعل كل من يخالف الأفكار والتقاليد السائدة خارجا في نظر القيمين على صيانة الشؤون الطائفية الذين غالبا ما تكون لديهم مصالح وامتيازات معلومة يبذلون الجهد للحفاظ عليها حيث يتم ترهيب الفرد الذي يختار طريقه عن فكر ووعي في المجالين السياسي والاجتماعي، ومن المؤسف أن تضطر بعض القوى اليسارية التي تم تدجينا في المصهر الطائفي إلى تبرير نفسها بحجج طائفية كي تحمي نفسها من تهمة الخروج، ولكي تستعيد موقعا ضمن الجماعة الطائفية كأن يحرص اليساري على إظهار نوع من التزمت الديني لتسهيل عملية الاندراج الذاتي تحت المظلة الطائفية. إن النظام المدني الديمقراطي وحده هو الذي يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي وديمقراطي وحر يقوم على الحوار الفكري العقلاني، في حين أن الطائفية تضعها في إطار صلب فتقمعها وتمنع نموها وتطورها، وقد كانت الأحداث التي عشنا بعض فصولها بمثابة انفجار لرؤية طائفية وقفت وراء منع التطور الاجتماعي والسياسي التاريخي الطبيعي، وقمع الأفكار الناشطة في الاتجاه المدني والديمقراطي، وعندما بلغت الاتجاهات والأفكار الطائفية مداها جاءت النتائج الكارثية التي نعيشها والتي أسهمت في بناء جدار الفصل الطائفي. ان البحث خارج الخطاب الطائفي يقود بالضرورة إلى أمرين اثنين: -الأول: الحاجة إلى ان يغادر من يزعم الانتماء لليسار للمظلة الطائفية بوهم ان هذه المظلة تجمع قوى وطنية ديمقراطية- خصوصا وانه يعلم ان القوى الطائفية تستخدم التنويعات الحزبية لهدف تسويقي مؤقت للعبور الى السلطة فقط، وأن الحل هو في جمع القوى الوطنية الحقيقية حول مشروع وطني ديمقراطي جامع يقوم على الثوابت الجامعة التي تم تحديدها في ميثاق العمل الوطني وكانت ومازالت محل إجماع، وعلى القضايا الجوهرية للوطن والمواطن لمعالجتها ضمن رؤية وطنية توافقية، بحيث تكون فرصة لبناء ائتلاف للقوى الوطنية المعادية للطائفية ذات المصلحة في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ومدنية الدولة، دولة الحريات والتقدم والمساواة بين المواطنين نساء ورجالا، في تناقض تام مع القوى الطائفية الظلامية المعلومة «مهما حاولت التستر والمخاتلة وممارسة التمويه اللغوي والسياسي والإعلامي». -الثاني: الانتصار للعقلانية المضادة للطائفية شكلاً ومضموناً، والتفسير الخرافي للتاريخ تاريخ الأوهام، لان العقلانية تشكل مفتاحاً لفهمها كظاهرة سلبية وترسيخ نقيضها في تربة الواقع السياسي والفكري ومن ثمة تطوير فكر مناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في السنوات الأخيرة في اللغة وفي السياسة والإعلام والذي تتسع مساحاته كخطاب مخاتل. إن الوطن ظاهرة اجتماعية -تاريخية ترتكز على أسس مادية تؤلف في مجملها وبحركتها لحمة التاريخ الحقيقي للشعوب والأمم وليس تاريخ الأوهام والتلفيقات التي تشيد نفسها من عدم الوعي وفقر الثقافة، كالحديث صراحة عن مواصلة الحرب التي بدأت إبان الفتنة الكبرى التي أيقظوها وأوهمونا أن التاريخ لا يتحرك، إلا من خلالها دوائر عبثية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها