النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

المسرح البحريني في غياب المشروع الكوميدي ( 1 ) ..

رابط مختصر
العدد 9017 الثلاثاء 17 ديسمبر 2013 الموافق 13 صفر 1435

إن تشخيص الحال الكوميدية في المسرح البحريني، يقتضي منا أولا أن نطرح على أنفسنا هذه الأسئلة: هل يوجد مشروع مسرحي كوميدي في المسرح البحريني؟ وإذا كانت هناك نواة لهذا المشروع ، فلماذا لم تتشكل لتصبح مشروعا مسرحيا كوميديا ، له فضاؤه الفني المتناغم بدءا من ناسج العرض وانتهاء بالمتفرج؟ ثم هل يجدر بنا أن نعتبر الكوميديا في حالتنا المسرحية في البحرين بشكل عام، نوعا فنيا موازيا للأنواع الأخرى في حراكنا المسرحي حتى يستحق أن يكون مشروعا مسرحيا جديرا بالاهتمام؟ أم نوعا طارئا وآنيا يطفر بين الحين والآخر ليسجل حضورا إعترافيا فحسب ومن ثم يتلاشى وكأنه لم يحضر في ذاكرة المسرح؟ فلو ألقينا النظر قليلا، على هذه الحال المسرحية ، سنصل إلى أن الكوميديا في المسرح البحريني لم تكن مشروعا في الأساس، هيأت له فرقة أو جماعة، أو مؤسسة مسرحية، والدليل هو أن فرقنا المسرحية كلها وليس بعضها أو أغلبها، لم تمنح الكوميديا، مقارنة بالأنواع الأخرى في المسرح، كبير اهتمامها أو بعضه، إلا فيما ندر، أو فيما اقتضى الأمر في حينه التركيز على تجربة تنتمي للمسرح الكوميدي بوصفها عرضا مسرحيا يأتي في سياق مواسمها المسرحية، إن كانت هناك مواسم للمسرح في حراكنا المسرحي. ربما كانت الاسكتشات المسرحية أو التمثيلية الأربعينية والخمسينية في البحرين، نواة لحراك كوميدي مسرحي، نظرا لعبورها الاجتماعي الساخر على بعض القضايا التي تلامس هموم المواطن ومعاناته، ولكنها لم تتشكل للأسف، أو تصبح مشروعا له من يتبناه وينظر له وينافح عنه، حتى مع تشكل إرهاصات الفرق المسرحية الأهلية في البحرين، وتأسيسها مع بواكير سبعينيات القرن الماضي، علما بأن بعضها وقف على أساس مسرحي قوي أطلق شعلة البشارة للمسرح البحريني الحديث. وفي هذه السانحة لا يمكن أن نبخس الفنان الكبير محمد عواد أحد أهم رواد الحركة المسرحية في البحرين، نبخسه حقه الريادي في هذا الشأن، عندما قام بتأليف وإخراج مسرحية فرقة أوال الأولى (كرسي عتيق) وأعقبها بالثانية (مالان وانكسر)، هاتين المسرحيتين التي اتكأتا على حس كوميدي شعبي ناجم عن اعتجان في مختبر الإرتجال العفوي الأولي في مدرسة الأندية، تمكن من أن يبلور شكل الكوميديا وفضائها الأول في المسرح البحريني، وأن يخلق بموازاتها جمهورا للمسرح الكوميدي الساخر. ولكن ماذا بعد هاتين التجربتين؟ هل تحقق المشروع الذي يحلم بتجلياته الفنان محمد عواد وبعض أقرانه وزملائه؟ أم توزعت نواته حتى تداخلت في تجارب مسرحية أخرى للفرقة، بالرغم من أهميتها الفنية والفكرية، إلا أنها لم تجاور في أهميتها المشروع الذي ينبغي أن تبنى على لبناته لبنات أكثر نضجا ورسوخا في فسح الكوميديا الاجتماعية الساخرة لفترة ليست بقصيرة طبعا.. وكانت الفرق آنذاك، تقدم أنواعا مختلفة من الأعمال المسرحية، وتضم أكثر من مؤلف ومخرج مسرحي، وبالتالي نكون في حيز المشروع المسرحي العام للفرقة، وليس مشروعا بعينه تتبناه هذه الفرقة أو الفرق المسرحية في البحرين بشكل عام، كمشروع الكوميديا مثلا. وبالرغم من كم الأعمال المسرحية الكوميدية التي قدمها المسرح البحريني ، بدءا من السبعينيات وحتى يومنا هذا، إلا أنها لم تتمكن من أن تحظى بحيز تراكمي يدفع القاريء للتجربة برصد تحولاتها وتطوراتها وأنواع رؤاها ومقترحاتها الفنية والفكرية على المسرح والمتفرج معا، باستثناء تجربتين جديرتين بالوقوف والاهتمام، تتمثلان في التجربة النصية في الكوميديا للكاتب المسرحي عقيل سوار والكاتب والروائي والسيناريست أمين صالح، وإن حظيت الأولى بفسح أكبر في حيز العرض المسرحي ، ذلك أنها وقفت على النموذج الشعبي في المجتمع البحريني، والواقع المجتمعي البحريني التقليدي بشتى مفارقاته ونماذجه الشعبية التي تقود لعبة الكوميديا الشعبية البسيطة والمألوفة في هذا الواقع. فنصوص سوار كانت فتحا كوميديا جديدا في حراكنا المسرحي عبر فرقة أوال المسرحية ، وخاصة مسرحية البراحة وسوق المقاصيص وبنت النوخذا، التي أعادت الروح الكوميدية إلى حراكنا المسرحي بعد انصراف وانقطاع عنها تجاوز العقد تقريبا، كما حفزت الحس الكوميدي الشعبي الذي انغمر به فنانو السبعينيات الذين عايش وشارك أغلبهم في التجارب الكوميدية الأولى التي قدمها مسرح أوال ، من بينها مسرحيتي (كرسي عتيق) و(ما لان وانكسر)، ومن بين هؤلاء الفنانين، المخرج عبدالله يوسف وابراهيم البنكي، ابراهيم الغانم، المرحوم جاسم شريده، سامي القوز، المرحوم محمد البهدهي، جاسم الصائغ، أحمد عيسى، محمود الملا، ابراهيم بحر، عبدالله وليد، إلى جانب الماكيير القدير عزيز مندي، حفزته على استثمار ذاكرته الستينية والسبعينية بشكلها العفوي البسيط في أداء أدواره الشعبية المسندة إليه، كما أن هذه التجارب تمكنت من استقطاب جمهور متعطش للكوميديا الشعبية وللكوميديا بشكل عام، خاصة وأن هذه المسرحيات تتضمن بعض الاسقاطات الاجتماعية والسياسية التي يتفاعل معها الشارع البحريني آنذاك. أما نصوص الكاتب أمين صالح الكوميدية، فقد أخذت بعدا مغايرا تماما لنصوص سوار، حيث قرأ صالح من خلالها الزوايا والقضايا الإشكالية والمركبة في المجتمع، بشكل ساتيري وبمعالجة نفسية، تجوب وتجوس أغوار الحالة الإنسانية وتضفي عليها بعدا أشمل من كونها بيئة تخص مجتمع بعينه، كما برزت قدرته على استثمار تجربته الأدبية والسينمائية في نصوصه المسرحية، وفهمه المغاير للكوميديا في شكلها المعروف والسائد والمعلن، محتفيا بالرؤية وقدرتها على مشاكسة ما هو متفق عليه لدى بعض المنظرين في حقل الكوميديا ، وبرز ذلك بشكل جلي في مسرحيته (روميو وجولييت) التي قدمها مسرح أوال، والتي حاول من خلالها استنطاق بعض النماذج الشعبية في المجتمع لتقوم بأدوار المسرحية الشكسبيرية، واشتغل عليها بمخياله الخصب والجامح ليجعل منها حالة كوميدية ساخرة، تعج بالمفارقات غير المعلنة، أو الطافحة على سطح التجربة، كما هي إلى حد ما تطفر في نصوص سوار. كما نلحظ هذه الحالة في تجربته اختطاف التي قدمها مسرح الصواري، وفيها يجوب الكاتب صالح أجواء النفس القلقة والمرعوبة والهلعة داخل متن طائرة مختطفة، ومنها تنضح روح الكوميديا السوداء الساخرة التي تضفي روحا فانتازية على الحالة النفسية التي ترتج بها شخصيات العرض. في هاتين التجربتين لصالح، يتشكل فريق آخر من الشباب يقتحم حقل الكوميديا، من بينهم الفنانين حسن محمد، مصطفى رشيد، أمين الصائغ، أحمد ميلي، علي القرير، خليل الرميثي، أحمد مبارك، هاني الدلال، وسامي رشدان وحسن العصفور، بل أن بعضهم انفرد بتجارب كوميدية لم يكتب له بعدها الاستمرار في الحفر في مجالها، من أمثال الفنان والمخرج مصطفى رشيد في مسرحيته المتميزة (كوكتيل) وهاني الدلال في مسرحيته (اوراق). وهناك نماذج لها حضورها الكوميدي المميز واللافت، من أمثال الفنانة الشعبية القديرة سلوى بخيت والفنانة سعاد علي ذات الحضور المسرحي المتألق، والفنان الشعبي الممثل والمخرج ناصر القلاف، والفنان المخرج أحمد الصائغ، وخاصة في مسرحيته الكوميدية الاستعراضية (وناسه)، والفنان الشعبي سعد البوعينين، وخاصة في مسرحيتي (المفهـــــــي) و(السيد دينار) والفنان عبدالله ملك الذي أخرج سوق المقاصيص لعقيل سوار، ولكن وكما أسلفت فإن غياب المشروع هو ما يجعل أوراقنا الكوميدية في المسرح مبعثرة. إذ لم نستطع أن نحسم رؤية التأسيس التي تنفسنا هوائها في بداية تأسيس فرقنا الأهلية في السبعينيات من الكويت الشقيقة، عبر مسرح الخليج خاصة والذي تأثر بها أو تقاطع معها مسرح أوال، وعبر المسرح الشعبي ومسرح الفنانين الكبيرين حسين عبدالرضا وسعد الفرج اللذين تأثر بهما في أغلب أعماله، مسرح الجزيرة سابقا بقيادة الفنانين سعد الجزاف وشقيقه محمد الجزاف والمؤلف المسرحي والممثل أيضا، يوسف السند، وإن انجرف هذا المسرح في عروضه تاليا نحو التنفيس والمباشرة وتسطيح القضايا، باستثناء تجربة الفنان الماكيير ياسر سيف، (صباح الخير يا عرب)، التي أضفى عليها بحسه الإخراجي والسينوغرافي روحا جمالية وبعدا كاريكاتيريا مغايرين لتجارب الجزيرة السابقة. فمسرح الخليج الكويتي ظل منذ تأسيسه وحتى الآن، محافظا على نهجه ومطورا لرؤيته التي اتكأت على المزاوجة المسرحية المسئولة بين الكوميديا ونقائضها، وقادرا على إنتاج جيل يستوعب هذه الرؤية ويضفي عليها رؤيته الحداثية المواكبة لمتطلبات مجتمعه وعصره، دون أن يزعم بأنه متبن للكوميديا فحسب، على خلاف من تاهت به البوصلة، ولم يتمكن من استثمار هذا النوع من الرؤية أو الرؤية الكوميدية الساخرة التي مثلها الكاتبين سوار وصالح. ومسرح عبدالرضا والفرج اللذين بالرغم من اختلافنا معه في جوهر التوجه الفني للمعالجة المسرحية في عروضه، إلا أنه تمكن من أن يكون مشروعا لمسرح كوميدي مهم في منطقة الخليج العربي، على خلاف مسرح الجزيرة الذي لم يتمكن من محاذاة هذا المشروع ليصبح مشروعا كوميديا مؤازرا لتجربة مسرح عبدالرضا والفرج، حتى في طرحها التنفيسي. وإذا كنا منصفين فيما نذهب إليه، فإن التجربة الكوميدية التي تستحق القراءة والاهتمام والتبصر في منطقة الخليج العربي، فهي تجربة أو مشروع الفنان الكوميدي الساخر غانم السليطي، الذي يتفرد الآن في ساحتنا الخليجية بمسرحياته الكوميدية السياسية الساخرة التي تثير الحوار والجدل حولها على كل الصعد في مجتمعاتنا، والذي يرى أن الكوميديا الحقيقية هي تلك التي تخرج من الرأس بعد اعتراك صعب ومدم مع كل مفردات الفكرة والنص والعرض، ولربما تمكنت تجربته من الاستمرار والتطور والقبول من كافة شرائح المجتمع وفئاته ومستويات تفكيره، لكونه مخرجا لعرضه. وتعتبر تجربة السليطي إذا ما قورنت بغيرها من التجارب الكوميدية الأخرى، الوحيدة التي تمكنت من انتخاب كل هذه الفئات المجتمعية، ولم تقتصر على جمهور أو متلقين محددين، خاصة وأن السليطي فنان مثقف بجانب كونه ابن المسرح تربية ودراسة وممارسة، لذا فهو ينفرد عن غيره من خائضي بحر الكوميديا في الخليج العربي بسمات وتكوين يحتاج الكثير من خائضي هذا البحر

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها