النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

البحرين.. فضاء المفارقة والامتياز

رابط مختصر
العدد 9016 الأثنين 16 ديسمبر 2013 الموافق 12 صفر 1435

البحرين اليوم هي فضاء المفارقة بامتياز: محدودية في الجغرافيا، في مقابل ثراء وغنى في التجربة التاريخية والاجتماعية وعمق حضاري يرتد إلى آلاف السنين، محدودية في الموارد الطبيعية والمادية بوجه عام، وغنى لا محدود في الريادة الحضارية في الفعل والانجاز.. وطموح يتجاوز حدود الجغرافيا، وحضور وبالرغم من عراقة التاريخ وامتداده في الزمان قرونا مديدة، فإن هذا البلد يعد من أكثر البلدان العربية أخذا بقيم الحداثة، والبحرين الصغيرة بمنطق الجغرافيا، تحتل، رغم ذلك، على السّاحة الدّولية مكانا ومكانة، لا بالإنجازات فقط ولكن بنماذج التّطوير الاقتصادي والسياسي، ونماذج الرّقي الاجتماعي وبصورتها الثّقافية وإصلاحاتها. المفارقة الأكثر لفتا للانتباه، هي أن البحرين التي تجمع بين أكثر عناصر النّجاح على الصعيد الاقتصادي، وبين ندرة الموارد ومحدوديتها، ولا سيما مقارنة مع أغلب دول الجوار، تتمكن دائما من توفير مستوى من الخدمات لمواطنيها يضاهي ويفوق في بعض الأحيان ما توفره الدول المتقدمة في مجالي الصحة والتعليم على الأقل. والبحرين التي تواجه اليوم تحديات سياسية ومطالبات بالإصلاح السياسي بشأن نموذجها في الإدارة السياسية الديمقراطية، هي من أكثر دول المنطقة انفتاحا وحرية من الناحية السياسية تحديدا، ومن ناحية ضمان المشاركة السياسية، بما وفره قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون الجمعيات السياسية من ضمانات كافية لتطوير المشاركة والحياة السياسية في آن واحد، وخصوصا ما اكتسبته المرأة البحرينية من حقوق منحتها مركز المواطنة الكاملة وساوتها بالرجل سياسياً، هذه الحقوق تنعكس وتتكرس اليوم عمليا وتشريعيا وحتى ثقافيا وتربويا لتتشرَّبها الأجيال الجديدة ولتصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة البحرينية العامة، عمقاً وإيماناً وحقوقاً وواجبات، كما ان التحولات الدستورية التي شهدتها منذ إقرار الميثاق الوطني وإعلان قيام مملكة البحرين الدستورية البرلمانية قد أوجبت تعليم الأجيال الجديدة طبيعة هذا النظام الجديد ومقوماته القانونية والأخلاقية، مع الحرص في ذات الوقت على المحافظة على أصالة البلاد وقيمها الدينية الراسخة.. البحرين كذلك، وبالرغم من قوة الحراك السياسي واندفاعاته وانفعالاته، فإنها تبدو، أكثر استقرارا وازدهارا، وهي كذلك وبحسب تقارير التنمية البشرية التي تبوؤها مكانا متقدما ومكانة مشرفة، لاتزال ذات أداء عال في جميع هذه المؤشرات بالرغم من الآثار السلبية ثقيلة الوطأة على المجتمع والأمن والاقتصاد. والبحرين أخيرا، تجمع بين عمق الأصالة وعمق الحداثة من خلال امتداد الطريق المقطوع على درب الرّقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وقصر المدّة الزمنية التي يمكن أن تحاسب عليها الأمم، وهي التي يؤهّلها التاريخ الحديث والسياق الثقافي والمحيط السياسي لأن تكون بلد الانفعال، ولكنها نهجت نهج الاعتدال والتعقل في سياستها الداخلية والخارجية معا، ولا سيما في تصريف شؤونها وخياراتها الكبرى، والية حل المشكلات الأكثر تعقيدا أو في تعاملها مع مواطنيها.. وقد دأبت على اعتماد نهج في التطوير والإصلاح يستشرف المستقبل ويرتكز على سياسة المشاركة والمراجعة والتجديد والحركة الديناميكية المتواصلة في التعامل مع الملفات الكبرى، بالبحث المبدع عن الحلول والخيارات العملية، ومن هذا المنطلق تم إرساء تقاليد في صنع القرار الوطني بالتأسيس لثقافة تعتمد التفكير الواقعي الذي يمس الملامح العامة والتوجهات المستقبلية الكبرى طويلة المدى التي تهم المجتمع ومستقبل البلاد، ولذلك يبدو المشهد البحريني اليوم ذا ملامح إصلاحية وتحديثية لافتة، ملامح تجد في الإرث الإصلاحي ما يعزز صورة بلد استثمر كثيرا في موارده البشرية وفي تحديث مؤسساته الاجتماعية والسياسية، وتمكن خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا من نحت تجربة تحديث تعتبر الأكثر تميزا في محيطها الجغراسياسي، فقد اعتمدت في تجربتها على قوة الأفكار واتزان القرار أكثر مما اعتمدت على قوة الموارد، وقد ساعدها ذلك كثيرا في أن تنأى بنفسها عن مخاطر تتهدد العديد من البلدان. وستظل البحرين في النهاية -وكما يؤكد الدكتور محمد جابر الأنصاري- المتصل والمنفصل في دنيا العرب، إنها البلد العربي الوحيد -جزيرة يحيطها البحر من جميع الجهات- المتصلة بالمصير العربي وجدانا، وثقافة، ورابطة، لكنها منفصلة عن البر العربي بمنطق الجغرافيا، هذا المنطق منحها مكانة مميزة وجعل منها موقعا منفصلا متصلا في ذات الوقت، وعلى صغر حجمه يؤثر بعمق على الواقع المحيط بقدر ما يتأثر به، وبالرغم من الانفعالات السياسية في الشارع والحراك المتواصل غير المنقطع ووجود معارضة سياسية نشطة، ومندفعة فإن البحرين تمكنت وسط أمواج التغيير والاضطرابات السياسية في المنطقة العربية أن تتمتع بقدر كبير من الاستقرار والنماء والتقدم، مكّنها من تطوير مجتمع أهلي متطور، وبناء دولة مستقرة رغم الاضطراب، وتسامح إنساني، وانفتاح فكري واجتماعي على معطيات حضارية متعددة من الشرق والغرب، وهذه في الواقع تأسس المشروع السياسي - الحضاري وانطلاق مشروعها التحديثي نحو التجدد والديمقراطية في ظل الملكية الدستورية، الحامية للدستور، والمرتبطة به قيماً ونظاماً واستمرارا، إن البحرين من هذه الميزة تقترب اليوم من تقديم أول نموذج خليجي وعربي لما بعد النفط، بالتنويع في مصادرها الاقتصادية، وبالإعداد المستمر لعناصرها البشرية الكفؤة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها