النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الحسم في تايلاند المضطربة بيد العسكر

رابط مختصر
العدد 9015 الأحد 15 ديسمبر 2013 الموافق 11 صفر 1435

ما يحدث اليوم في تايلاند من صدامات وأعمال عنف واستهداف لمؤسسات الدولة هو أمر محزن للكثيرين في الخليج، خصوصا أولئك الذين عرفوا هذه البلاد وشعبها الوديع. وبطبيعة الحال فإن الاضطرابات الراهنة في هذا البلد الفريد من نوعه في منطقة جنوب شرق آسيا لجهة تاريخه وهويته وثقافته المتميزتين ليست بجديدة عليه. فهو شهد في العقود الأربعة الأخيرة انقسامات عميقة، بين العسكر والمدنيين، أو بين النخب المدينية وأبناء الريف، أو بين الساسة المخلصين للبلاط الملكي وغيرهم ممن تلوثت عقولهم بالأفكار الراديكالية، غير أن تلك الانقسامات لم تؤد إلى العنف المفرط في الشوارع، والاعتداء على مؤسسات وهياكل الدولة بالوتيرة التي حدثت مؤخرا. في كل حالات الاضطرابات والانقسامات السابقة كانت إشارة من عاهل البلاد الملك «بهوميبون أدونياديت» (راما التاسع) كفيلة بإعادة الهدوء والسكون إلى العاصمة وانصراف المتظاهرين إلى بيوتهم وعودة العسكر إلى ثكناته، علما بأن الملك اعتاد أن يمارس حقوقه الأساسية الثلاثة المنصوص عليها في الدستور (الحق في إسداء المشورة إلى رئيس الوزراء، والحق في تحذيره، والحق في تشجيعه) بطريقة تحقق المصلحة الوطنية العليا. لكن ظروف اليوم مختلفة عن ظروف الأمس. فالملك الذي يحكم البلاد منذ عام 1932 ، ويحظى بمكانة سامية لدى شعبه تصل إلى درجة التقديس، ويُعتبر صمام الأمان ضد انزلاق البلاد نحو الفوضى، صار عمره اليوم 86 عاما واضطر في السنوات الأخيرة إلى إجراء أكثر من عملية جراحية لفتح انسدادات في شرايين قلبه أو لمعالجة التنمل الدائم في قدميه، وبالتالي تراجع نشاطه ولم يعد في حالة تسمح له بالاطلاع الدقيق على مجريات الأمور وعلاجها بحكمته المعهودة، الأمر الذي تعزز معه دور رجال البلاط الذين عــُرفوا بصنع المكائد والدسائس، وخلق النجم السياسي ودفعه إلى واجهة الحكم لتنفيذ أجندات معينة تتفق مع مصالحهم الخاصة أو مصالح جناح ضمن العائلة المالكة. من ناحية أخرى، نمت في السنوات الأخيرة فئة بقيادة رجل الأمن السابق «تاكسين شيناواترا» لا تخفي معارضتها للنظام الملكي، وهو ما لم يكن أحد يتجرأ في الماضي على مجرد الهمس به. ومما يـُقال في هذا السياق أن «تاكسين» قد أصيب بالغرور ليس فقط لأنه تمكن من تحقيق ثروة خيالية من خلال الصفقات الضخمة في مجال الاتصالات والمضاربة في البورصات فتحول من مجرد شرطي إلى مليادير فإلى زعيم حزب «تاي راك تاي» (التايلانديون يحبون التايلانديين) فإلى رئيس للحكومة بعد انتخابات إبريل 2006، وإنما لأنه تمكن من تحقيق شعبية كاسحة لنفسه في الأوساط الريفية الفقيرة غير المتعلمة عبر تجاوز دور الدولة في إقامة المشاريع التنموية والاجتماعية في الأقاليم النائية، ناهيك عن شراء الذمم والولاءات التي خلقت له أتباعا لا يـُستهان بهم، وهم أولئك الذين يرتدون القمصان الحمراء (اختيار اللون الأحمر ذو دلالة لا تغيب عن المراقب اللبيب فهو لون الراديكاليين من العمال والفلاحين المعادين للملكية والنخب البرجوازية المدينية) وهؤلاء الاتباع يحركهم تاكسين، الذي توهم أنه صار في منزلة ملك غير متوج، من منفاه الاختياري، الذي هرب إليه في أغسطس 2008 أي قبل صدور الحكم عليه بتهمة الفساد واستغلال النفوذ. ويُعتقد أن تاكسين مستاء من شقيقته رئيسة الوزراء «ينغلوك شيناواترا»، لأنها لم تسقط الاتهامات الموجهة له بالفساد، وبالتالي لم تمهد له الطريق للعودة إلى تايلاند من منفاه من أجل العمل مجددا في السياسة كما كان يتمنى، على الرغم من أن صعودها إلى السلطة كان بفضل أمواله وأصوات أنصاره. لذا ضغط عليها وعلى قادة حزبها كي يستخدموا أغلبيتهم البرلمانية لتمرير قانون يسمح له بالعودة دون تنفيذ عقوبة السجن. فكان مجرد محاولة تمرير مثل هذا القانون، معطوفا على تمرير قانون آخر بانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ بدلا من تعيينهم من قبل الملك في الشهر الماضي كفيلا بإشعال الحريق، وبروز المشرع ونائب رئيس الوزراء الأسبق «سوتيب توغسوبان» على الساحة السياسية كزعيم لحركة المعارضة الشعبية ضد آل شيناواترا. هذا على الرغم من سيرة الرجل المثيرة للجدل بسب ضلوعه في قضايا فساد وإفساد سابقة ومسؤوليته الأدبية عن مقتل العديد من التايلانديين حينما كان مشاركا في حكومة رئيس الوزراء الأسبق «أبهيسيت فيجاجيفا» الائتلافية ما بين 2008 - 2011، ناهيك عن استخدامه المال السياسي من أجل ضمان احتفاظه بالمقعد النيابي عن منطقة «بوكيت» منذ عام 1979. والحقيقة أن «ينغلوك» خالفت كل توقعات المراقبين يوم أن اختيرت لتكون أول سيدة تحكم تايلاند باعتبارها زعيمة حزب «بويا تاي»، الذي حصد 48 % من أصوات الناخبين في انتخابات عام 2011. فقد أثبتت أنها ملمة بشؤون الحكم والعلاقات الخارجية وإدارة الملفات الاقتصادية، الأمر الذي جعل تايلاند تنعم بالاستقرار خلال العامين الماضيين، لكنها تبدو اليوم عاجزة عن إدارة الأزمنة الراهنة باعترافها حينما قالت «لا أحد يعرف إلى أين نحن سائرون سوى بوذا»، وإنْ يُحسب لها ضبط النفس وتجنب استخدام العنف ضد المتظاهرين، ناهيك عن تمسكها بالدستور، وهو ما تجسد في رفضها القاطع لمطالب «توغسوبان» وأنصاره بتجاوز السلطتين التنفيذية والتشريعية المنتخبة وإحلال «مجلس شعبي» مكانهما، قائلة إن الاستجابة لهكذا طلب هو انتهاك صارخ للدستور. وهذا يذكرنا بما فعله العاهل التايلاندي في 26 إبريل 2006 حينما رفض طلبا من بعض القوى السياسية لتعيين رئيس حكومة ومجلس وزراء من أجل استباق فوز «تاكسين شيناواترا» بالحكم في انتخابات ذلك العام، ووضع حد مبكر لطموحاته الشرهة في السلطة. حيث كان رد الملك أن «تعيين رئيس للحكومة بقرار مني عمل غير ديمقراطي» والحال أن الأزمة التايلاندية فريدة في نوعها لأنها ليست أزمة سياسية بقدر ما هي أزمة سوسيواقتصادية بين رجال الأعمال والمتعلمين المنتمين إلى الطبقة الوسطى (ذوي القمصان الصفراء) والأميين المنتمين إلى الطبقة الفقيرة (ذوي القمصان الحمراء). وترك هذه الإشكالية دون حسم معناه سيادة الفوضى التي ستقضي على ما حققته البلاد من تقدم ونهضة ونمو. أما مــَن الذي يــُمكنه حسم الأمر دون أن ينتصر لهذا الطرف او ذاك، ودون أن يمس هيبة الملك والنظام الملكي العريق فهو الجيش، خصوصا وأنه اكتسب خبرة في التعامل مع هكذا أوضاع من خلال الانقلابات التي قادها ضد الحكومات المدنية أو ضد جنرالات حاكمين مشكوك في ولائهم للقصر، ابتداء من الانقلاب العسكري الأول في الخمسينات بقيادة الجنرال «ساريتدانا راجاتا» ضد حكومة الفيلد ماريشال «بيبول سونغرام» وانتهاء بانقلاب الجنرال المسلم عبدالله أو»سونتي بونياراتغلين» في 19 سبتمبر 2006 ضد حكومة «تاكسين شيناواترا». ومثل هذا الاحتمال قائم حتى لو اتخذت «إينغلوك» قرارا بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة (فعلته اثناء اعداد المقال). ذلك أن أيا كانت نتيجة الانتخابات فإنها لن توقف الانقسام في الشارع. وأخيرا فإن هناك من المراقبين من لا يستبعد وجود أصابع أمريكية فيما يجري مشيرا إلى أن واشنطن تفضل رحيل «إينغلوك» بسبب انفتاحها على الصينيين، خصوصا وأنها من أصول صينية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها