النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

أول من تملك عقاراً في باريس من عرب الجزيرة

رابط مختصر
العدد 9013 الجمعة 13 ديسمبر 2013 الموافق 9 صفر 1435

سمع الكثيرون برجل البر والإحسان وصاحب «مدارس الفلاح» في جدة ومكة والبحرين ودبي وبمبي والمكلا الحاج «محمد علي زينل»، وربما عرفوا شيئا عن أصول عائلته وجذورها وفروعها المنتشرة في الكويت والبحرين وغرب السعودية وشرقها، لكني أشك في معرفتهم الدقيقة بنفوذ عائلته التجاري والمالي والاجتماعي والثقافي، وتفاصيل ما مارسته من أدوار سياسية هامة ومصيرية في ظل عهود وحقب تاريخية حساسة. لذا سنلقي فيما يلي بعض الأضواء على مسيرة الرجل من خلال سيرة عائلته العريقة، مستندين في ذلك على مصادر العائلة نفسها طبقا لما أورده البريطاني «مايكل فيلد» في كتابه «البيوتات التجارية الكبرى في الخليج» الصادر عن دار «أوفر لوك» في 1985، إضافة إلى ما كتبه آخرون ممن تعاملوا مع العائلة أو كانوا شهودا على بزوغها في دنيا المال والأعمال والسياسة والدبلوماسية. تبدأ قصة هذه العائلة من الجد الأكبر «علي رضا» (اسم مركب) المنحدر من بلدة قريبة من حاضرة بستك في بر فارس العربي هي «كـَرْمــُسْــتج» (أصلها كاردمـُسّه التي تعني بالفارسية مقبض السكين لأن أهلها اشتهروا بصناعة مقابض السكاكين). سكن «علي رضا» ميناء لنجه على الخليج العربي حيث كان يمتلك قافلة من الجمال ينقل على ظهورها البضائع من الميناء إلى بلدات فارس الداخلية. وتزوج من ابنة حاكم الإقليم، لكن هذا لم يمنع الأخير من اختطاف ابن علي رضا الصغير (زينل) والاحتفاظ به كرهينة داخل سجن محكم بسبب اختلافهما حول الأمور السياسية والمالية والمذهبية. عمل علي رضا المستحيل لاستعادة ابنه زينل (اسم مختصر كثير الاستعمال في بر فارس وهو اختصار لزين العابدين)، وحينما لم تفلح جهوده اتفق مع جماعته على حفر نفق تحت الأرض يؤدي إلى مكان اعتقال ابنه، وما أن تمكن من تحريره حتى فر به إلى الميناء حيث تصادف وجود مركب من مراكب آل زاهد (من تجار فارس الذي كانوا قد نزحوا إلى الحجاز للعمل في التجارة) يستعد للرحيل نحو جدة ناقلا السجاد الايراني والتنمباك العجمي، فطلب علي رضا من ربان المركب أن يأخذ ولده معه إلى جدة إنقاذا له مما ينتظره من مخاطر، فلم يمانع الربان خصوصا بعدما علم أن علي رضا يعرف ولي نعمته حق المعرفة، وأن أصولهما ترجع إلى بلدة فارسية واحدة. وهكذا حل زينل في جدة في أربعينات القرن 19 وهو في سن الثانية عشرة. في بداية الأمر عمل زينل لصالح آل زاهد في تجارتهم في جدة وسكن معهم، بل وتزوج من إحدى بناتهم (آمنة بنت علي الزاهد)، لكنه استقل عنهم لاحقا ليدير تجارته الخاصة في المنسوجات والمواد الغذائية (الأرزاق)، علما بأن خطوة زينل هذه لم تؤثر سلبا على علاقة المصاهرة او العمل التجاري بين العائلتين، بدليل أن زينل حينما استدعى أخاه عبدالله ذي السنوات العشر من فارس في عام 1853 ليساعده في تجارته اختار له لاحقا عروسا من آل زاهد هي الشقيقة الصغرى لزوجته، ثم بدليل أن العلاقة بين العائلتين استمرت كما هي حتى بعد وفاة زوجة زينل وقيام عبدالله بتطليق شقيقة الأخيرة ليتزوج الشقيقان أختين من بنات عائلة آل نصيف الحجازية المعروفة. والملاحظ هنا ان ابناً آخر من أبناء علي رضا وهو حسين قدم الى جدة أيضا في الربع الأخير من القرن 19 لكنه آثر أن يعمل في التجارة مستقلا عن أخويه زينل وعبدالله، فيما فضل الأخ الرابع «علي أكبر» (اسم مركب) البقاء بجوار والده في فارس. المنعطف الأهم في مسيرة عائلة «آل علي رضا» حدث في ثمانينات القرن 19 حينما أرسل زينل أخاه عبدالله الى الهند ليؤسس مكتبا لتجارة العائلة في بمبي وكلكتا. كان الغرض من تأسيس المكتب هو إيجاد موطئ قدم لآل علي رضا في سوق السلع الهندية تستطيع من خلاله العائلة الحصول على أسعار تفاضلية تمكنها من منافسة تجـّـار الخليج والجزيرة الآخرين ممن كانوا يعتمدون في وارداتهم من الهند على زيارات موسمية لبمبي. وقد تمكن مكتب العائلة في الهند بقيادة «عبدالله علي رضا» في عام 1893 من توقيع أول صفقة حديثة مربحة في بمبي وكانت بخصوص حصول عائلته على الوكالة الحصرية لخطوط مغول البحرية التي كانت تحتكر وقتذاك نقل الحجيج من شبه القارة الهندية الى جدة. وكانت الاتفاقية تقضي بقيام «آل علي رضا» بأعمال استقبال البواخر وركابها وتموينها وترتيب رسوها في جدة. والحقيقة ان الفوائد التي حصلت عليها العائلة من دخولها السوق الهندية في ذلك التاريخ المبكر لم تقتصر على حصولها على تلك الوكالة. ذلك أن تواجد عبدالله وأيضا أبناء زينل الثلاث (محمد علي، ويوسف، وقاسم،) الذين ولدوا جميعهم في جدة في الأعوام 1884 و1885 و1870 على التوالي، ورحلوا إلى الهند للعمل في مكاتب العائلة في بمبي وكلكتا، مكــّنهم من التعرف على العالم الصناعي الجديد وسلعه ووكالاته الكثيرة، فضلا عن تعرفهم على أساليب التجارة الجديدة وتشربهم للمعارف ومظاهر الحياة العصرية الحديثة وإتقانهم اللغات الأجنبية وتوثيق علاقاتهم مع كبار رجال الأعمال في تلك الحقبة الزاهرة. لذا نجد أنهم بمجرد عودتهم الى جدة نجحوا في تأسيس أعمال خاصة بهم. فمثلا الابن الاصغر لزينل وهو قاسم قيل إنه بسبب جدة وبمبي سبق عصره بخمسين عاما لجهة حياته الليبرالية وما كان يتمتع به من علم غزير ودراية بالشئون السياسية وعلاقات مع الجاليات والقنصليات الاجنبية في جدة، ناهيك عن إجادته للغات التركية والعربية والانجليزية والفرنسية والاردية والامهرية. ومما عــُرف عن قاسم نشاطه السياسي والاصلاحي. فحينما تأسست جمعية تركيا الفتاة في إسطنبول في 1908 من أجل الاطاحة بالدولة العثمانية، وتشكل برلمان لتمثيل شعوب الولايات الخاضعة لسيادة العثمانيين، انتخب قاسم كممثل عن جدة في هذا البرلمان. وخلال شهر من انتخابه اختير ضمن وفد تركي للقيام بأول زيارة رسمية لبرلمان ويستمنستر. وحينما كانت قوات الملك عبدالعزيز آل سعود تحاصر جدة اتخذ موقفا مؤيدا لسلطان نجد، بل فتح خطوط اتصال به من وراء ظهر الأشراف، الأمر الذي حدا بملك الحجاز وقتذاك الشريف علي بن الحسين إلى اعتقاله ومحاكمته مع إثنين آخرين في محكمة أصدرت الحكم عليهم بالإعدام قبل أن يصفح عنهم العاهل الحجازي في أواخر أيام حكمه لسبب مجهول. كما كان قاسم (توفي في 1927 تاركا وراءه ابنا وحيدا هو مسعود الذي عاش في تركيا وتوفي في 1976 ) عضواً في أول حزب وطني سياسي في تاريخ الحجاز أثناء حكم الأشراف. وكان من نتائج جهود الحزب أنه استطاع إقناع الشريف حسين بالتنازل عن العرش لابنه علي ومغادرة مكة في 1924 . أما الابن الأكبر لزينل وهو الحاج «محمد علي» فتجمع كافة المصادر على أنه كان متدينا منذ الصغر، عطوفا على الفقراء والمحتاجين، ومهموما بتعليمهم إلى حد أنه كان يجوب الشوارع ومعه كيس بداخله قروش فضية كي يوزعها على الصبية من أجل ترغيبهم وتشجيعهم على الذهاب الى المدارس. وهذا ما أورده بالتفصيل «مايكل فيلد» الذي أضاف أن والده أراده تاجرا كبقية أفراد عائلة «آل علي رضا»، ومن أجل ذلك أرسله مع إخوته إلى الهند، لكن «محمد علي» اكتشف أنه لا يصلح للتجارة وإنما خــُلق ليعمل كمعلم وخطيب، فما كان منه إلا الهرب في عام 1901 أو 1902 من الهند على ظهر إحدى السفن قاصدا القاهرة للالتحاق بجامعة الأزهر. وهنا تختلف الروايات، حيث يقول البعض إن عمه «عبدالله علي رضا» لحق به إلى مصر ليعيده إلى الهند، بينما يقول البعض الآخر إن «محمد علي» التقى في مصر بوالده زينل الذي كان هناك بمحض الصدفة وأن الأخير هو الذي أقنعه بمغادرة مصر والعودة إلى الحجاز. وسواء صحت هذه الرواية أو تلك فإن النتيجة كانت واحدة وهو أن «محمد علي» سمع كلاما مفاده هو: إذا تراجعت عما قررته وعدت إلى جده فسوف نعطيك ما تريد من الأموال لتأسيس مدارس تخرج المئات من المدرسين لتعليم الناس، أما إذا بقيت هنا فإنك لن تستطيع إلا خلق مدرس واحد هو أنت. ويبدو أن محمد علي اقتنع بمنطق والده فعاد إلى جدة، وحصل بالفعل من والده على بعض المال وأضاف إليه أموالا أخرى من بيع مصوغات زوجته وابنة عمه «خديجة عبدالله علي رضا»، فتمكن من افتتاح أول مدرسة نظامية مجانية في جدة تحت اسم مدرسة الفلاح في 1905، ثم افتتح لها فرعا في مكة في 1909، ومن هذين المدرستين تخرج الجيل الذهبي من أدباء ومفكري الحجاز وتهامة وأيضا كبار تجارهما وموظفيهما الحكوميين. وفي فترة لاحقة أضاف محمد علي إلى فرعي جدة ومكة فروعا جديدة لمدرسته في البحرين ودبي وبمبي والمكلا، لكن هذه الفروع تعرضت للاغلاق تباعا على يد الانجليز بسبب المواقف والاآراء القومية لمدرسيها الأزهريين المصريين على العكس من معلمي الفلاح في جدة ومكة الذين كانوا أتراكا، حيث كانت التركية لا تزال لغة المعاملات والمراسلات والدواوين في الحجاز. اكتشف «محمد علي» لاحقا أن مدارسه تحتاج إلى المزيد من الأموال كي تستمر وتتمكن من ابتعاث خريجيها إلى الهند لنيل الشهادات العليا، وأنّ عليه البحث عن مصدر مالي مضمون ومستقل بدلا من الاعتماد على عائلته ومساعداتها. هنا جاء القرار الذي أدخله عوالم التجارة من بعد أن كان أبدى زهده واستخفافه بها، بل القرار الذي أعاده الى المدينة التي هرب منها وهي بمبي. استثمر «محمد علي» اسمه وصلات عائلته التجارية للعودة إلى بمبي للعمل في تجارة اللؤلؤ الطبيعي حيث كانت بمبي سوقا لاستيراده وتجميعه وتلميعه وخرقه قبل إعادة تصديره إلى أوروبا. ولأن البحرين كانت وقتذاك مصدر الإمداد الرئيسي لأسواق اللؤلؤ الهندية فقد اعتاد محمد علي أن يزورها في نهاية كل خريف. ومن خلال الاتجار باللؤلؤ كوّن محمد علي ثروة ضخمة صرف الكثير منها على أوجه الخير وخدمة المسلمين ونشر التعليم وابتعاث الطلبة وفتح دور الضيافة وملاجئ الأيتام. ومع تردده على بمبي والبحرين زادت خبرته في تجارة اللؤلؤ فقرر أن يتجاوز في تعاملاته التجار الهنود ويتصل مباشرة بالمشترين الأوروبيين من أصحاب دور المجوهرات النفيسة. ولهذا الغرض سافر في عام 1920 إلى باريس للمرة الاولى، بل وافتتح فيها مكتبا لمزاولة أعماله في المبنى رقم 62 في شارع لافايات التجاري وهو مبنى كان يضم مكاتب كبار المتعاملين في اللؤلؤ والمجوهرات. ولأنه كان يضطر للتواجد في باريس لشهور طويلة فقد اشترى فيها بيتا في جادة الشانزليزيه المعروفة وأثثه بأفخم الأثاث الأوروبي، ليكون بذلك أول عربي من الخليج والجزيرة يمتلك عقارا في باريس. ومن خلال مكتبه وبيته الباريسي امتدت أنشطته إلى لندن وغيرها من العواصم التي أطلقت عليه اسم «ملك اللؤلؤ في العالم». ولأن «آل علي رضا» اعتادوا أن يورثوا خبرتهم وأعمالهم إلى أبنائهم وأحفادهم جيلا بعد جيل، فإن «محمد علي» لم يتردد في اصطحاب محمد ابن أخيه عبدالله معه إلى باريس ليعلمه أصول العمل في تجارة اللؤلؤ والألماس وليعرفه على الطبقة المخملية الفرنسية. وتشاء الأقدار بعد سنوات أنْ تــُعين الحكومة السعودية «محمد عبدالله علي رضا» (توفي في عام 1982 ) سفيرا لها في باريس التي عرفها صغيرا مع عمه «محمد علي». وعلى الرغم من أسفار «محمد علي» الكثيرة وما حققه من صيت وجاه وثروة فإنه ظل ملتزما بزيه الحجازي المكون من جبة وعمامة ذهبية اللون في كل زياراته إلى أوروبا، كما ظل حريصا على تفقد مدرستي الفلاح في جدة ومكة والسؤال عن طلبتهما ومعلميهما بنفسه، والتردد على البحرين ودبي اللتين ارتبط فيهما بعلاقات وطيدة مع أمرائها بدليل أن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان يستقبله استقبال رؤساء الدول ويطلق له 21 طلقة مدفعية. وحينما خسر نحو 90 بالمائة من ثروته بسبب انهيار أسعار اللؤلؤ الطبيعي في الثلاثينات، رفض الرجل أنْ يــُشهر إفلاسه، وأصر على سداد ديونه كاملة للمصارف والمتعاملين معه، بل واقترض من أجل الإنفاق على مدارسه، ومــَن ابتعثهم إلى الخارج، ومــَن آواهم في الملاجئ ودور الأيتام والأرامل. توفي الحاج محمد علي زينل في 1969، أي بعد وفاة والده بأربعين عاما. وكانت وفاته في المدينة التي عشقها وعمل وعاش فيها طويلا تاجرا ومصلحا ورجل بر وإحسان، ألا وهي بمبي جوهرة الهند التي ارتبط فيها الرجل بصداقات مع كبار زعمائها السياسيين وفي مقدمتهم زعيم الاستقلال «جواهر لال نهرو» ورفيقه المستنير «مولانا أبو الكلام آزاد» اللذين أصرا أن يكون من ضمن الأجانب القلائل الذين رفعوا علم الهند يوم استقلالها، وذلك اعترافا منهما بدوره في تمتين عــُرى الصداقة بين الهنود والعرب ومساهماته الإنسانية والاجتماعية والتنموية لخير المجتمع الهندي. لم تقتصر علاقات «محمد علي» بزعماء الهند فقط، وإنما امتدت لتشمل ملوك الحجاز والدولة السعودية ومصر والعراق والاردن وأفغانستان وإيران، وأمراء ومشايخ الخليج وسلاطين جنوب اليمن ابتداء من الجدود إلى الأحفاد. بقي ان نعرف ان «محمد علي» تعرف على سيدة إنجليزية أسلمت على يديه فتزوجها وأنجبت له ثلاث بنات، هن كل ذريته، قبل أن يفترقا بالطلاق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها