النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الديمقراطية ليست مجرد «مملكة حقوق وحريات»

رابط مختصر
العدد 9011 الأربعاء 11 ديسمبر 2013 الموافق 7 صفر 1435

تطفو على السطح ترجمة فورية لحظية لصراعاتنا وخلافاتنا السياسية والاجتماعية، ما يشبه الحرب الإعلامية، ليس على صعيد الهذيان الدعائي والاسهال البذيء عبر وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، وليس على صعيد التهييج الفضائي المفتوح على الحرب الأيديولوجية والتحريض الفج و«البروباغاندا» المكشوفة فقط، بل-وللأسف-حتى على صعيد الكتابة الصحفية كذلك. إن هذه الحرب الإعلامية الباردة التي تستقطب اليوم جيوشاً من الافراد المعبئين و«المسلحين»، من الذين دخلوا على خط الدعاية القتالية، غير مؤهلين لا مهنياً ولا فكرياً، بل وكثير منهم بدا وكأنه قد تجرد «بسبب انعدام المسؤولية الأخلاقية والقانونية» من القيم ومن روح التسامح، فأصبحت الساحة الإعلامية أقرب إلى ساحة حرب، فيها قادة وجنود وبيادق وقنابل موقوتة وزجاجات إعلامية حارقة، وعجلات محروقة وطرق مسدودة، وقصف متبادل وخطط وتكتيكات وأكاذيب وحيل ولعب، تسهم ربما دون إدراك في تدمير البنية التوحيدية للمنظومة الاجتماعية التي تطلب أمر توحيدها قروناً من الزمان، يحدث كل ذلك بالتوازي مع فوضى الشوارع ومع تكتيكات الحرق والسد والسكب الشهيرة، دون أن يشعر هؤلاء أو أولئك بأي إشكال يتعلق باحترام الحريات العامة والخاصة أو احترام حقوق الآخرين. وإذا كان من الطبيعي أن تؤدي مناقشة أي ملف وطني إلى اختلاف الآراء والمواقف، بحسب المواقع والرؤى السياسية لكل طرف، وبحسب المصالح التي يدافع عنها كل طرف، وإذا كان من الطبيعي أن يكون الإعلام في مقدمة العناصر التي تعكس هذا الجدل وهذا الخلاف وتلك الأفكار والرؤى، وكلما نجح الإعلام في استيعاب ذلك الاختلاف في سياق سلمي وحضاري، كان ذلك أنفع للبلاد والعباد، وكان مؤشراً على قدرة المجتمع على إدارة صراعاته. وكانت تلك علامة من علامات قوة المجتمع ونضجه وحيويته وسلامته السياسية والنفسية في ذات الوقت، لأن المجتمع الذي يسوده رأي واحد، ولا يسمح إلا لرأي واحد وحيد بالظهور هو بالضرورة مجتمع غير طبيعي، إذا كان كل ذلك مقبولاً في سياق أي مجتمع حر، فإنه من غير الطبيعي ولا المقبول أن يتحول الإعلام الوطني بمختلف مشاربه وتخصصاته إلى أداة للتخريب والتدمير: تخريب العقول وتخريب النفوس، بما يستحيل رتقه لاحقاً. ان أي جدل إعلامي واجتماعي وديني عبر وسائل الاتصال والإعلام، وعبر المنابر المختلفة، «الصحف والمنتديات ومقالات الرأي والمنابر الدينية والمجالس»، حول القضايا السياسية والامنية أمر طبيعي، بل ومطلوب في أي مجتمع ديمقراطي، ولكن الأمر غير الطبيعي وغير المطلوب هو أن يتحول ذلك الجدل -الذي يفترض به ألا يحيد عن الثوابت الوطنية والقانونية والأخلاقية-إلى ما يشبه الحرب الإعلامية الباردة بين بعض الكتاب وبعض الصحف وبعض الصحافيين، وقد باتت هذه الحرب واضحة في مفرداتها المتقاذفة، وفي لغتها الاتهامية، على خلفية الأحداث التي شهدتها البحرين وتداعياتها السياسية والأمنية والقانونية والاجتماعية.. إن هذه الحرب الإعلامية تكرس حالة الاستقطاب والخلاف حول التشخيص والتوصيف والمعالجة، وهذا الخلاف كان يمكن أن يكون مقبولاً لو ظل في حدود الخلاف والحوار الحي، ولكنه تحوله إلى حالة من التجاذب والتخوين المتبادل بل إلى العمل على “سحق” الخصم وإلغائه من الوجود عبر الكلمات. إن الغريب أن أطراف الاستقطاب متفقون تماماً على الأمور الأساسية فلا خلاف من حيث المبدأ -على الأقل فيما ينشر من كتابات يومية- حول أهم العناصر مثار الخلاف في العادة مثل؛ ضرورة إدانة العنف والإرهاب والحرق والتعدي على الأمن وتجاوز القوانين المرعية في البلد، ورفض التحريض ضد البلد وأمنه واستقراره وقيادته الشرعية - ضرورة المحافظة على الحقوق والحريات وتعزيز الديمقراطية والحريات العامة والخاصة- التأكيد على التعايش والوئام بين مكونات المجتمع، التأكيد بأن ما حدث لا يعدو في مجمله وفي خطه العام خروجاً عن الثوابت وعن القيم العامة والمشتركة وأن الخارجين عن القانون يعلنون صراحة أنهم لا يستندون في تصرفاتهم وتحركاتهم وأفعالهم وأقوالهم إلى شرعية القانون، وإنهم يفتعلون في المقابل شرعيات أخرى مرفوضة من القطاع الأكبر من المجتمع.. ومع هذا الاتفاق الذي يتم يومياً التأكيد على أهم عناصره نجد اتهامات متبادلة بالتحريض والإثارة وتحميل كل طرف للطرف الثاني لجانب من المسؤولية على ما حدث، خاصة في باب التحريض والتحريض المتبادل، باعتبار ما للإعلام من دور فاعل وحيوي في بناء الاتجاهات والمواقف. علينا أن يدرك الجميع خطورة الإعلام وخطورة الدعاية وأهمية الكلمة في التوجيه والتضليل معاً، ولذلك يتم استخدامه في بعض الأحيان بشكل سلبي وقليلاً ما يستخدم بشكل إيجابي في هذه الحرب الإعلامية المستعرة والتي تحيي النعرات وتشق الصفوف، وها نحن نجني بعض الثمار المرة لذلك التوتير والإفراط في استخدام الكلمة بدون مسؤولية في كثير من الأحيان، خاصة بالنسبة للذين اعتبروا الديمقراطية مجرد «مملكة حقوق وحريات» دون واجبات ودون قيود أو حدود.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها