النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

من دولة شريرة إلى صديقة للشيطان الأكبر

رابط مختصر
العدد 9008 الاحد 08 ديسمبر 2013 الموافق 4 صفر 1435

انتقلت إيران من عضو رئيسي في محور الشر إلى جانب نظامي آل كيم في كوريا الشمالية وصدام حسين في العراق إلى دولة صديقة لـ «شيتون بزرك» أو الشيطان الأكبر الأمريكي. هكذا أرادت إدارة السيد أوباما المتخبطة وزعيم دبلوماسيتها جون كيري المعروف مثل سيده بتغيير مواقفه رأسا على عقب في غمضة عين. وهكذا لم يبق للسيد أوباما إلا أن يفاجئنا غدا بنقل بيونغيانغ من خانة أعدائه إلى خانة أصدقائه. ففي السياسات الأوبامية كل شيء جائز بما في ذلك التضحية بالحلفاء التاريخيين لصالح قوى ثبت غيها وعدوانيتها وانتهاكاتها المريرة لأبسط حقوق الإنسان. لم يتطرق الأمريكيون، ولا حلفاؤهم الأوربيون، في الصفقة التي أبرمت في جنيف مؤخرا حول برامج إيران النووية إلى القمع الذي تمارسه طهران ضد مواطنيها، ولا اشترطوا عليها وقف تدخلها السافر في الشأن الخليجي أو سحب حرسها الثوري من سوريا، أو لجم أتباعها في لبنان والعراق واليمن، فيما هم لا يتركون فرصة إلا ويتباكون على «حقوق الإنسان» و«الديمقراطية» في البحرين والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية. لذا ليس من المستبعد أن يضحوا بحقوق الإنسان الكوري الشمالي المسكين، ويعقدون صفقة مع آل كيم على حساب حليفتيهم المسالمتين في طوكيو وسيئول دون أن يشترطوا على نظام بيونغيانغ الحديدي مجرد وقف تعاونه مع نظيره في طهران في المجال النووي. إن المراقب الحصيف ليس بحاجة للتذكير بأن طهران ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه في برامجها النووية لولا مساعدة الكوريين الشماليين من خلال ما يربط البلدين من علاقات وطيدة منذ سنوات طويلة. وتكفينا الإشارة في هذا السياق إلى ما كتبه «عيسى أردكاني» المحلل السياسي الإيراني المقيم في كندا من أن الضيف الأجنبي الوحيد، بعد نائب الرئيس الصيني «لي يوانتشاو»، الذي دعي لحضور احتفالات بيونغيانغ بالذكرى الستين لتأسيس بلد ليس له من اسمه نصيب وهو «جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية» كان جنرالا إيرانيا وقف في المنصة الرئيسية على بعد خطوات من الزعيم المبجل «كيم جونغ يون». والحقيقة التي باتت معروفة ولا جدال فيها أنه على الرغم من حالة الجوار الجغرافي بين كوريا الشمالية والصين، وما كان بينهما من تعاون خلال احتلال اليابانيين لإقليم منشوريا في الثلاثينات، وما قدمته الصين الشعبية لاحقا من اعتدة حربية للكوريين الشماليين في الحرب الاهلية الكورية كي يصمدوا امام كوريا الجنوبية وحلفائها الغربيين، فإن التعاون الإيراني- الكوري الشمالي يفوق في الحجم والمجالات أضعاف ما يربط بيونغيانغ ببكين. لم ترتبط حكومة الشاه بأي نوع من الروابط مع كوريا الشمالية، لكن بمجرد نجاح الثورة الخمينية في عام 1979 عمدت الأخيرة إلى تدشين روابط مع بيونغيانغ، وكانت التجارة مدخلا لذلك. غير أن هذه الروابط سرعان ما انتقلت إلى التعاون العسكري الثنائي، ولا سيما أثناء الحرب العراقية – الإيرانية التي كانت بيونغيانغ خلالها المورد الرئيسي لإمداد الجيش والحرس الثوري الإيرانيين بمختلف الأعتدة الحربية. ويقول أردكاني إن ما يوازي 40 بالمائة من إجمالي واردات نظام الخميني وقتذاك كان يأتي من كوريا الشمالية. أما «محسن رفيق دوست» الذي كان وقتها مسؤولا عن صفقات السلاح الكورية لإيران فقد رصد عنه قوله لاحقا أنه في إحدى زياراته لبيونغيانغ في عام 1980 خاطبه الرئيس «كيم إيل سونغ» قائلا: «إلى متى ستشترون اسلحتكم من كوريا الشمالية.. لماذا لا تصنعونها بأنفسكم؟» ويضيف «رفيق دوست» أنه أخبر مضيفه أن إيران قد بدأت في تصنيع صواريخ باليستية يصل مداها إلى 70 كيلومترا، «فما كان من الزعيم الكوري إلا وأن انتزعني من مقعدي واحتضنني فرحا». أما «هونغ سون موك» سفير بيونغيانغ السابق في طهران فقد قال ذات مرة: «إننا في كوريا الشمالية ننظر إلى إنجازات الثورة الإيرانية وشعاراتها في الحرية والاستقلال وتصدير الثورة الاسلامية كما لو كانت إنجازات لنا!!!» وهذا يقترب مما ســُجل عن المرشد الأعلى الحالي لإيران علي خامنائي وقتذاك من أن حكومة البلدين يشتركان في الكثير من المبادئ والأفكار مما ساهم في تعزيز تعاونهما. هذا التعاون الذي وصل مؤخرا إلى حد إقامة أسابيع إيرانية – كورية شمالية مشتركة، بل وصل إلى حد قيام أحد ماريشال بيونغيانغ بترديد أغنية ثورية فارسية يقول مطلعها «آي شهيد»، وقيام التلفزيون الرسمي الإيراني ببثه مسجلا. إن ما قاله المرشد الأعلى صحيح، والطيور على أشكالها تقع كما يقول المثل العربي. فطهران وبيونغيانغ لا يجمع نظامهما السياسي فقط صفات الديكتاتورية والاستبداد، وتجويع الشعب من أجل بناء ترسانات الأسلحة، وتهديد دول الجوار، ومسح إسرائيل من الوجود (كما في حالة ايران) مقابل مسح اليابان وكوريا الجنوبية من الخارطة (كما في حالة كوريا الشمالية)، وقمع المواطن الذي وصل في ظل نظام بيونغيانغ إلى الإعدام شنقا لمن يشاهد برامج التلفزيون الكوري الجنوبي، واتباع سياسات المراوغة والتضليل وإرهاب الخصم، وإنما يتعدى ذلك إلى تبني كلا النظامين لنمط أيديولوجي – ثقافي واحد قوامه مقاومة العولمة ومظاهر الحياة الاجتماعية المنفتحة. ففي كوريا الشمالية كما في إيران تــُفصل الإناث عن الذكور في المدارس والجامعات، ويعاقب كل من يتنزه في الساحات العامة ممسكا بيد زوجته، وكل من يرتدي صيحات الموضة الأجنبية أو يستمع إلى الموسيقى الغربية. قد يستغرب المرء كيف لدولة عضو في منظمة المؤتمر الاسلامي وتتغنى بالاسلام ليل نهار أن تكون علاقاتها ودية ووطيدة مع أنظمة بعيدة لا تجمعها معها مشتركات دينية أو ثقافية او حضارية كالنظام الكوري الشمالي وأنظمة كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا وبوليفيا، بينما علاقاتها مع جاراتها العربيات والإسلاميات في الخليج والشرق الأوسط متوترة وشائكة، بل وعدوانية. غير أن الاستغراب يتوارى حينما نعلم أن السياسات الخارجية للجمهورية الإسلامية منذ قيام الأخيرة قامت على توتير الأوضاع في محيطها الإقليمي، ووصف جاراتها بالأنظمة العميلة للغرب، مع تمكين نفسها عسكريا من خلال الارتباط بأي قوة معادية للولايات المتحدة الأمريكية، حتى إذا ما حان وقت الصفقات والمقايضات مع القوى الدولية المؤثرة قدمت للأخيرة تنازلات تافهة مقابل إطلاق يدها في شؤون الخليج والمنطقة العربية. ومما لا شك فيه أن صفقة جنيف سوف تحقق لطهران مبتغاها. كيف لا وهي ستحرر المليارات من أرصدتها المجمدة في الخارج، وتتيح لها استيراد ما تحتاجه من قطع الغيار الحديثة، وتسمح لها بالعودة إلى تصدير الخام والمشتقات البتروكيماوية، وغير ذلك من الأمور التي ستعيد العافية لاقتصادها المنهك وستجعل قادتها أكثر غرورا وصلفا تجاه الجيران.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها