النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

استقلال الجامعات وحرية البحث العلمي!

رابط مختصر
العدد 9006 الجمعة 06 ديسمبر 2013 الموافق 2 صفر 1435

منذ حوالي عشرين عاما اكتشف الكاتب الصحفي والمؤرخ الراحل «جمال بدوي» - رئيس تحرير جريدة «الوفد» آنذاك - كتابا بعنوان «محاضرات في الدعوة والنظم الإسلامية» ألفه أستاذ في أصول الدين ليدرسه لطالبات كلية البنات بالزقازيق وهي إحدى كليات جامعة الأزهر فأذهله أن الأستاذ يعلم طالباته أن «سعد زغلول» - زعيم ثورة 1919- كان يشرب الخمر ويفطر في رمضان ويلعب القمار وأنه سعي - وهو وزير للمعارف عام 1906 - إلي محو القرآن من المدارس تنفيذا لتعليمات صديقه «اللورد كرومر» فهو - باختصار - دسيسة استعمارية صليبية اصطنعها الإنجليز الذين مهدوا له الطريق لكي يتسلق الحركة الوطنية فيسرق الثورة الإسلامية التي كان «الحزب الوطني» - بزعامة «مصطفي كامل» و«محمد فريد»- يعد لها وهو - كما استطرد الأستاذ الجامعي يقول- ما حدث فعلا في ثورة 1919 حتي أن الإنجليز قد نفوه مرتين، لكي يشهروه فما كاد يتولي الحكم حتي ابتدع بدعة سيئة وهي تعيين اثنين من الأقباط في الوزارة وأصبح الصنم الأكبر للعلمانيين في مصر وعلي هذا الدرب سار خليفته «مصطفي النحاس».. أما وهذه المعلومات في رأي «جمال بدوي» - وفي رأي كثيرين غيره - ليست سوي افتراء علي التاريخ وتشويه له، فقد كتب - يطالب الإمام الأكبر شيخ الأزهر - بصفته الرئيس الأعلي لجامعة الأزهر بوقف تدريس هذا الكتاب، وصدر بالفعل قرار بهذا المعني استثار غضب الأستاذ الجامعي.. الذي رفض تنفيذه واستثار غضب زملاء له، رأوا في ذلك عدوانا علي حرية الفكر وانتقاصا من حرية البحث العلمي. والحقيقة أن مؤلف الكتاب لم يبتدع هذا المنهج في تفسير التاريخ المصري الحديث والمعاصر وليس هو الوحيد الذي يطبقه وما أصدره من أحكام قاسية بحق «سعد زغلول» ليس سوي عينة مهذبة جدا مما تصدره المدرسة التي ينتمي إليها من أحكام تاريخية بحق كل قادة الحركات الوطنية والقومية المصرية والعربية.وهي مدرسة تنتمي علي نحو أو آخر إلي «جماعة الإخوان المسلمين» أو علي الأقل خرجت من معطفها وانطلقت من موقفها السياسي لتعيد تفسير التاريخ استنادا إليه فهي تنظر للتاريخ عموما باعتباره صراعا بين الأديان وتري أن ما يحرك التاريخ العربي الحديث والمعاصر هو الصراع بين الغرب الصليبي وبين الشرق المسلم وأن كل دعوة أو حركة لتحرير البلاد العربية من الاحتلال التركي وإعلان استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية قد حققت هدف الغرب الصليبي في إسقاط الخلافة الإسلامية وعلي ذلك فكل ثورة أو فكرة أو حركة وطنية أو قومية لم يستفد منها سوي الاستعمار ولم يتزعمها سوي عملائه.وهو حكم بالإدانة لا يقتصر علي «سعد زغلول» بل يشمل كل من سبق له أن ردد كلمات من نوع «وطنية» أو «قومية» أو «ديمقراطية» أو «دستور» سواء كان سياسيا أو شاعرا أو أديبا أو مفكرا وهي أحكام توزع - بكرم بالغ - لقب «الصنم العلماني الكبير» علي معظم الشخصيات التاريخية اللامعة في تاريخ الأمة ومن هؤلاء «محمد علي الكبير» و«الخديو إسماعيل» و«أحمد عرابي» و«لطفي السيد» و«طه حسين» و«قاسم أمين» و«سلامة موسي» و«ميشيل عفلق» و«جمال عبدالناصر» و«مصطفي النحاس». وككل المدارس التي تنظر للتاريخ نظرة واحدية وتفسره بعامل واحد فقد وجدت مدرسة التفسير الديني للتاريخ نفسها مضطرة لأن تلوي عنق بعض وقائعه ولأن تلفق أخري وتخفي ثالثة حتي تستطيع البرهنة علي صحة تفسيرها، فلم ترتكب بذلك خطايا علمية فحسب بل وارتكبت - كذلك- خطايا دينية.وليست البرهنة علي خطأ هذا المنهج وعلي اصطناع الوقائع التي يدلل بها علي صحته مستحيلة.. فهناك آلاف الشواهد التي تدل علي أن الإنسان يمكن أن يكون وطنيا وديمقراطيا وعلمانيا ودستوريا ويكون مسلما كذلك.. ومئات الشواهد التي تدل علي أن «سعد زغلول» وكثيرين غيره من قادة النهضة العربية الحديثة، ممن يحكم مؤلف الكتاب بأنهم كانوا «أصناما علمانية» قد خدموا الإسلام أكثر مما خدمه هو بهذا الهراء الذي كتبه وملايين من الأدلة علي أن الخلافة العثمانية لم تفد الإسلام ولا المسلمين وأنها تحولت - خاصة في طورها الأخير - إلي قهر قومي وتعصب طوراني ضد الشعوب الإسلامية غير التركية التي تخضع لسيطرتها. لكن المشكلة الآن، ليست في التدليل علي خطأ هذا المنهج الذي ظهر علي خريطة الدراسات التاريخية منذ منتصف القرن الماضي ضمن النشاط المخطط لجماعات الإسلام السياسي، بالسعي نحو ما يسمونه «أسلمة العلوم» ووجد طريقه إلي الجامعة منذ أربعة عقود علي الأقل وفي ظل سيطرة «الأصنام العلمانية» علي أمور البلاد بما في ذلك التعليم الجامعي ولكنها تكمن في خطورة هذا التفسير علي وحدة كل قطر من الأقطار العربية وتكمن في جواز تدريس هذه الرؤى داخل الجامعة.. وهل تدخل في إطار «حرية البحث العلمي»؟! وليست خطورة التفسير الديني للتاريخ علي الاستقرار في العلاقات وعلي التعايش السلمي بين عناصر الجماعة الوطنية المصرية والعربية في كل بلد في حاجة إلي تدليل بل هي تتطلب فقط أن يتنبه لها الجميع، إذ أن تصوير التاريخ باعتباره صراعا بين المسيحيين والمسلمين لا بد وأن ينتهي لتخليق وتأجيج هذا الصراع ودفع أحد الطرفين أو كليهما للاستعداد للجولة القادمة أو للمسارعة بشن حرب وقائية قبل أن يستعد الطرف الآخر. وهنا تأتي خطورة اعتماد المنهج الديني لتفسير التاريخ باعتباره المنهج الرسمي والذي لا أشك وهو أمر لا صلة له باستقلال الجامعات أو بحرية البحث العلمي.. فالأساس في هذا وذاك هو أن الهدف من الرحلة الأولي من التعليم الجامعي - وهي مرحلة الليسانس هو تدريب الطالب علي التفكير وإطلاعه علي مختلف وجهات النظر وتعويده علي البحث عن الحقيقة بنفسه وهو ما يختلف عن مرحلة التعليم العام الأساسي والعام هي مرحلة تقوم علي تلقين التلميذ أساسيات العلوم. وبسبب التدهور الذي أصاب التعليم في معظم الأقطار العربية أصبحت المرحلة الأولي من التعليم الجامعي بمثابة امتداد لمرحلة التعليم العام ، تقوم مثلها علي «التلقين» لا «التفكير» وعلي «الحفظ» لا «البحث».. ولم يعد هناك فارق كبير بين طلابها الذين يدرسون في الجامعة بطريقة طلاب الثانوي وبين معظم أساتذتها الذين يدرّسون لهم بطريقة مدرسي المرحلة الابتدائية وهو ما أتاح لمؤلف هذا الكتاب أن يروج لأفكاره الهزلية وأن يملك- آنذاك- الجسارة لكي يحتج علي وقف تدريسه بدعوي حرية البحث العلمي مع أنه لم يبحث ولم يدع طلابه للبحث بل فرض عليهم قطعة من المحفوظات بعنوان «أصنام علمانية»!فمتي يأتي الوقت الذي تعود فيه الجامعات المصرية والعربية فتصبح جامعات حقا، حتي يجوز لنا الحديث عن «استقلال الجامعات» و«حرية البحث العلمي»؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها