النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

ما دريت أن الهوى هكذا يعمل معي!

رابط مختصر
العدد 9006 الجمعة 06 ديسمبر 2013 الموافق 2 صفر 1435

لعل من أكثر من يرد إسمه في تاريخ الأدب والشعر والقصة والموسيقى والتأريخ والتعليم في منطقة الخليج العربي هو «خالد بن محمد بن فرج الصراف المسعري الدوسري» المعروف إختصارا بـ «خالد الفرج». فهذا الألمعي الكويتي الذي ولد في مدينة الكويت في عام 1898 لأب كويتي وأم من قبيلة الخليفات القطرية هي «شيخة بنت ثنيان بن عبدالرحمن آل ثنيان»، وتوفي في لبنان في عام 1954 على إثر إصابته بقرحة في المعدة هو من الأعلام الكبار وأصحاب الإسهامات المبكرة في التنوير والتحديث في المنطقة، بل وأيضا من الذين تميزت سيرتهم بالبذل والعطاء والنضال لخير أمتهم. وفي هذا المقال الذي إستقينا معلوماته من مصادر متنوعة (مثل ويكيبيديا الموسوعة الحرة، ومعجم البابطين للشعراء، وموقعي الثقافة العربية وبوابة الشعر الإلكترونيتين، وصحيفة الرأي الكويتية ومجلة الواحة الفصلية وغيرها) سوف نتجاوز الكثير من محطات حياته الأولى التي بدأت بإلتحاقه بالدراسة النظامية في مدرسة المباركية عند إفتتاحها في عام 1911 ، وتعلمه مواد إضافية على يد مدرسين خصوصيين جلبتهم له أسرته الميسورة، ثم قيامه بالتدريس لبعض الوقت في مدرسة المباركية التي كانت آنذاك تفتقر للعدد الكافي من المعلمين، وإنكبابه شخصيا على تثقيف نفسه ذاتيا من خلال الإطلاع على أمهات الكتب والمراجع التراثية والثقافية.. نتجاوز كل هذا وننتقل إلى المحطة التي أثرت في شخصيته وتوجهاته كثيرا على الرغم من قصر المدة التي قضاها فيها. هذه المحطة ليست سوى مدينة بـَـمْـبَـي الهندية التي إرتحل إليها الفرج في عام 1920 حيث عمل هناك لدى أحد كبار التجار الكويتيين المهاجرين، وفي الوقت نفسه راح يتعلم الإنجليزية والهندية في مدرسة جمعية «أنجمند إسلام الخيرية»، ويطـّـلع على آداب الهند وحضارتها وفلسفاتها وفنونها الموسيقية، ويتمعن في أديان شعوبها وتقاليدهم. فكانت الحصيلة أنه نما متسامحا إزاء الآخر المختلف، ومتذوقا للفن والموسيقى والرسم، ومطلعا على معتقدات غير المسلمين كالسيخ والبارسيين، فضلا عن تأثره بشخصية المهاتما غاندي البسيطة وأفكاره اللاعنفية في مقاومة المستعمر الأجنبي، بدليل القصيدة التي نظمها في عام 1929 وقال فيها: قطعة من نسيج قطن خام خشن حول هيكل من عظام ثم رأس... رأس «السبرمان» موجوداً كما صوروه في الأوهام والحقيقة أن المقام طاب للفرج في بمبي ودليلنا هو أنه أسس فيها مطبعة لطباعة الكتاب العربي سماها «المطبعة العمومية، وهو ما يدل على وعيه المبكر بأهمية المطبعة في التثقيف والتنوير، ناهيك عن أن الأمر يشير إلى أنه كان عازما على الإقامة في الهند طويلا. غير أن زيارة له إلى البحرين بعد سنوات قليلة لإنجاز بعض المهام المتعلقة بعمل سيده قلب خططه رأسا على عقب. إذ وجد في البحرين نهضة فكرية وأدبية وتعليمية مشهودة، وشعبا متسامحا بعيدا عن الغلو والتشدد، وقدرا معقولا من الحريات الإجتماعية، وتيارا وطنيا مقاوما للإستعمار كذلك التيار الذي رآه في الهند، فضلا عن وجود أبناء قبيلته من الدواسر ممن كانوا يسكنون قرية البديع. وهكذا وجد الفرج في بلادنا كل ما كان يبحث عنه ويحقق طموحاته العلمية والوطنية، فنسي بمبي وقرر الإقامة في البحرين إقامة دائمة، إلى درجة أنه كان نادرا ما يزور أهله في الكويت، مكتفيا بتنظيم ما يعبر عن حبه لها من ابيات شعريه كقوله: وطني مهد أبي ومسقط رأسي أهواه حتى آخر الأنفاس وأثناء إقامته في البحرين عمل الفرج في المهنة التي عشقها وآمن بها كمهد لتخريج الأجيال الصالحة المتنورة وهي مهنة التعليم خصوصا وأن مدرسة الهداية الخليفية كانت قد فتحت أبوابها في عام 1919 كأول مدرسة نظامية. وبفضل نبوغه وإجتهاده وإثبات كفاءته وثقة شيوخ البحرين فيه إنتقل الفرج من التدريس إلى تولي سكرتارية المعارف البحرينية في عام 1925 فسكرتارية بلدية المنامة في العام التالي. غير أن ما حدث في عام 1927 من تعسف المعتمد البريطاني الميجور «كلايف كيركباتريك ديلي» في التعامل مع أبناء قبيلته وإضطهادهم وكبت حرياتهم دفعه إلى التضامن مع هؤلاء في قرارهم النزوح من البحرين إلى الدمام. وبطبيعة الحال فقد طلب الدواسر من الفرج ان يرحل معهم للإستئناس بآرائه السديدة ومعارفه الغزيرة، إلا أنه إستمهلهم بعض الوقت فما كان من الانجليز إلا أن نفوه إلى الكويت التي إحتفت به إحتفاء كبيرا من بعد طول غياب، وأقامت له حفلا في النادي الأدبي حيث ألقى قصيدته المشهورة «الغرب والشرق» التي يقول مطلعها: الغرب قد شدّد في هجمته والشرق لاهٍ بعدُ في غفلته وكلما جد بأعماله يستسلم الشرق إلى راحته فيجمع الغربي وحداته والشرق مقسوم على وحدته شكلت حادثة إصطدام الإنجليز مع الدواسر منعطفا حادا في حياة الفرج. فهي لم تدفعه فقط إلى مؤازرة زعماء التيار الوطني المقاوم للإستعمار في البحرين وغيرها من الدول العربية، والإتصال بهم، وإنما حرمته من البلد الذي عشقه بكل جوارحه وأستطاب له المقام فيه. ومن هنا كانت محطته التالية هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية حيث ولاه الملك عبدالعزيز آل سعود بلدية الأحساء ثم بلدية القطيف، كما تولى الإشراف على الإذاعة السعودية بطلب من الشيخ عبدالله السليمان وزير مالية الملك عبدالعزيز، وأسس في الدمام «المطبعة السعودية» التي تولت في عام 1955 طباعة صحيفة «الفجر الجديد» التي كانت أول صحيفة تصدر في الجزء الشرقي من البلاد السعودية برئاسة المرحوم الأديب يوسف الشيخ يعقوب اليوسف، شقيق زميلنا الأستاذ إسحاق الشيخ يعقوب. الذين كتبوا عن الفرج، وجمعوا مقالاته وآثاره الشعرية والأدبية، وتمعنوا في شعره وثقافته حيث الشعر عنده «فهرس لشعور المرء مثل الكتاب والعنوان»، والثقافة عنده «تقيد الشاعر وتجعل نظمه متكلفا» بحسب ما جاء في كلمة الدكتور عباس يوسف الحداد عن الفرج في مهرجان القرين الثامن عشر لا بد وأنْ لاحظوا الطريقة الفريدة للفرج في تصوير الواقع والسخرية منه بأسلوب كاريكاتيري غير مألوف في الخليج يأسر المستمع سواء من خلال قصائده الكثيرة ذات الروح الإسلامية، والتوجهات العروبية، والمضامين الداعية إلى التوحد والإجماع والعمل ضد الجهل والتخلف والضعف والإستسلام، أو من خلال قصتيه اليتيمتين: «منيرة» التي تحدث فيها عن الصراع بين العلم والجهل، و»المسدس» وهي قصة كتبها الفرج ولم تــُنشر وعـثر عليها الأديب والمؤرخ الكويتي المعروف «خالد سعود الزيد» الذي يعود إليه الفضل الأول في جمع تراث الفرج والإهتمام به وعرضه. ولعل أفضل شهادة قرأتها في خالد الفرج هي تلك التي نشرتها صحيفة الرأي الكويتية في يناير من عام 2012 على لسان الأديب الكويتي «خليفة الوقيان» الذي قال: « لم يكن خالد الفرج مجرد شاعر ومؤرخ وباحث وقاص وكاتب مقالة، بل كان مفكراً، يحمل رؤية، ويحشد طاقاته لتحقيقها. كان يؤمن أن قوة أمته العربية تكمن في وحدتها، وان اللغة أهم مقومات وحدة الأمة، وأن العلم والفكر المستنير هما السبيل للخروج من أسر التخلف والضعف». وهذا صحيح ويكتشفه أي باحث ينقب في أعمال الفرج المتنوعة مثل: «ديوان خالد الفرج» الذي جمعه وحققه خالد سعود الزيد ثم نشره في عام 1954 من خلال دار الترقي الدمشقية قبل أن يـُعاد طبعه في الكويت في عام 1989، وكتاب «أحسن القصص» وهو عبارة عن ملحمة شعرية كتبها الفرج عن سيرة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود منذ ولادته وحتى وفاته وقد طــُبع هذا الكتاب أولا في مصر ثم أعيدت طباعته في قطر في منتصف الثمانينات، ومسرحية «في بلاد عبقر ووبار» وهي مسرحية شعرية لم يتممها المؤلف للأسف بسبب المرض، وقصة «منيرة» التي تعتبر أول محاولة لكتابة القصة القصيرة في الكويت والخليج، و»ديوان النبط» وهو كتاب نــُشر في دمشق في عام 1952 ويضم مجموعة كبيرة من القصائد النبطية النجدية مع مقدمة عن الشعر العامي وتطوره، إضافة إلى دراسة له نشرها في الدمام في عام 1952 تحت عنوان «علاج الأمية في تبسيط الحروف العربية»، ودراستان أخريان حول «رجال الخليج» و»تاريخ نجد وماجاورها من البلدان» وهما مخطوطتان. هذا ناهيك عن الكثير من المقالات التي كان محورها التحولات السياسية في المنطقة العربية، والإستعمار، وفلسطين، واللاجئين، والجامعة العربية، وفلسفة غاندي، والمد الشيوعي وغير ذلك. كتب الصديق الاعلامي القطري المعروف الدكتور أحمد عبدالملك في عام 2008 دراسة قيمة عن قصائد الفرج على ضوء قراءته لديوانه فذكر أن في الديوان دين وتاريخ وسياسة وسير وعظات، حيث يشتمل على قصائد عن السيرة النبوية، ومظاهر الحياة في مكة، وهبوط الوحي، وأركان الإسلام، ومعاداة الفرس للدعوة المحمدية، وسقوط الأندلس، وحروب صلاح الدين، والدعوة الوهابية، وحروب آل سعود مع الأتراك والمصريين والأشراف وآل رشيد، وفتوحات الملك عبدالعزيز، والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، ونهضة اليابان الصناعية والعلمية، ومجزرة دير ياسين، وصولا إلى قصائد يرثي بها حال الأمة العربية جراء إستيلاء المستعمرين على مقدراتها وتفشي الجهل والأمية والخرافات في أوصالها. ويعلق الدكتور عبدالملك هنا قائلا: «لا أعتقـــــد أن حال العرب اليوم - بعد 80 عاما من وقت كتابة تلك القصائد - قد إختلف كثيرا، هذا إنْ لم يتراجع إلى الوراء». وينسب البعض للفرج فضل تطوير الصوت الخليجي بإدخال بعض الإيقاعات الموسيقية الهندية الجميلة عليه، وفضل تطوير لغة الشعر النبطي بتقريبها من اللغة الفصحى. ولئن كان الدليل على الجزئية الأولى هو صوت «في هوى بدري وزيني»، فإن الدليل على الجزئية الثانية هو القصيدة التي قال فيها الفرج: والله والله مــــــــــــا دريت أن الهوى هكذا يعمل معــي لمــّأ لمــّأ جرت كلا ما وفيت ذمام ذاك الأديب اللوذغـــي ها قد نظم في ودادك ألف بيت أبيات ما قد نظمها الأصمعـي أقسمت من طالع السعد إرتقيت محل ما يرتقي الألمعــــــــــــي أنا الذي في غرامك قد أبيــــــت ما يدخل ال .. في داخل مسمعي لولاك ما همت كلا أو بكيت وأغرق الخد سائل أدمعــي أشكيك عند الذي له قد دعيت فإنه خير الربى مدعوم معين والله والله مــــــــــــادريت إن الهوى هكذا يعمل معي وأخيرا لا بد من القول أن الفرج تتنازع عليه بلاد ومناطق عدة، كل واحدة منها تدعي أنه ينتسب إليها. وفي هذا السياق كتب الأديب السعودي «عدنان السيد محمد العوامي» في مجلة «الواحة» الثقافية الفصلية قائلا: «قد لا أتجاوز الحقيقة إنْ زعمت أن خالد الفرج من حق خمس بلدان هي: نجد والكويت والأحساء والبحرين والقطيف. إذ أن له في كل واحد منها دوره المتميز». ويضيف «صحيح أن للكويت فضل إنجابه وتنشئته، لكن فضل البلدان الأخرى ليس أقل شأنا منها لأنها هيأت له أسباب الإختلاط والمخالطة، وأتاحت له فرصة الإندماج في بيئتها الأدبية، فأثرت وتأثر بها حتى عــُد واحدا من أعلامها». تنويه: في مقالي الذي نشر في الايام في 8/11/2013 تحت عنوان «الأب الروحي للمسرح الهندي .. سعودي من القصيم» سقط سهوا الإشارة إلى أن معظم المعلومات الواردة في المقال إسْــتـُـقي من بحث كتبه الأستاذ بدر الحمد القاضي في صحيفة الجزيرة السعودية. لذا وجب التنويه حفاظا على حقوق الملكية الفكرية، وإرجاع الفضل إلى صاحبه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها