النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

التسكـع على رصـيف الـكلـمات

رابط مختصر
العدد 9002 الاثنين 02 ديسمبر 2013 الموافق 28 محرم 1435

إن فعل «كتب» يضعنا مباشرةً إزاء فعل «كبت» وإزاء التَساؤل حول اللاوعي اللغوي العربي الذي جعل الفرق بين المفردتين مجرد بعثرة حروف؛ فهذا الفعل حركة إخفاء وإظهار بين الإرادة والاستطاعة، والإمكان والوجود، ثم إن لحظة الكتابة هي لحظة استرجاع من ناحية، وتملك من ناحية أخرى, وافتكاك وتهريب إلى الخارج لما تستبطنه الذات، كما أن الكتابة تضعنا إزاء الأسلوب, باعتباره حقل استعادة لكل ما كان من جراحات ومدارات وتهويمات وتقلبات وذكرى.. لم نعد مثلما كان شعراء الرومانسية قبل نحو قرن أو من الزمان أو أكثر إلى ريشة ودواة وأعين امرأة وكتيبة أعداء وبعض التراب لإنشاء بيت أو قبر أو منفى من خلال الكلمات, أو لنكتب ونعلق مكاتيبنا على شواهد قبورنا ونموت شهداء كالأمم القديمة، أو كالنسور التي تنتحر من على قمم الجبال لحظة انكسار أجنحتها، ولكننا أصبحنا نكتب لتغطية ضمائرنا المستترة أو للتغطية على حقيقة ذواتهم، ولذلك يمكن أن نقسم الكتاب إلى ثلاثة أصناف: كتاب يكتبون للوطن ومن أجله. وكتاب يكتبون لذواتهم الفردية أو الحزبية أو الطائفية. وكتاب منافقون. وإذا كان الصنف الأول واضحا والثاني مكشوفا تماما لأنهما لا يتخفيان ولا يخافان من الإعلان عن نفسيهما، فإن الصنف الثالث مقلق مرهق وخطر على الجميع: الوطن والحزب والطائفة والناس، لأنه زئبقي، يستعصي عن التصنيف، ولأنه استمرأ اللعب على الحبال وأتقن فنون الأكاذيب والقدرة على الانتقال من موقع إلى آخر كلما دعت المصلحة (مهما كان نوعها)، ولذلك يمكن لهذا الصنف أن يكتب عن الوطنية وهو في موقع الخيانة، وعن الشفافية وهو موقع الشبهة وعن القومية وهو في موقع الانعزال وعن الوحدة وهو في موقع التفتيت، وعن القيم وهو في موقع الفساد وعن الإيمان وهو في موقع الكفر، وقد يلجأ من إلى المديح المجاني المفضوح المكشوف ، وقد تزيد جرعة النفاق لديه عن الحد المعقول ليتحول إلى الدجل والاحتيال، في لعبة استدرار العواطف أو استدراج الناس إلى مواقع الهزيمة والخسران، وذلك لان النفاق في أبسط معانيه محاولة مكشوفة للكذب على حساب الكلمة الصادقة المهدورة كرامتها، والبحث باستمرار عما يمكن للوطن أن يقدمه لهم، لا ما يجب أن يقدموا هم له. هؤلاء غالبا ما ينسون أو يتناسون أن الوطن أعظم من أن يكون حفنة تراب، وهو بالتأكيد أعظم من أن يكون كنزاً من المغانم العابرة، وهو أعظم من أن يكون خارطة جغرافية أو كتاب تاريخ، لأنه باختصار كرامة وحرية وبيت وعائلة ومجموعة حقوق وواجبات، وهو بالتالي انتماء وارتواء وقناعة راسخة في العقل والقلب، وبدون ذلك لا يعود الوطن وطناً بل يصبح حفنة من تراب لا تساوي شيئاً ومجموعة ذكريات لا تسد جوعاً أو تروي عطشاً، بل قد يصبح جحيما لا يطاق. ولذلك فإن الوطن في حاجة إلى من يكتب عن «الوطن» بروح الوطن وبمنطق الوطن وبمصلحة الوطن، وبلغة الناس الطيبين الذين يكدحون كل يوم لأجل أن يستمر الوطن في التاريخ. ويحتاج الوطن بالتالي إلى عزل هذه الكائنات المنافقة الكريهة التي تسرق مشاعر الناس وأحلامهم وتتاجر بها، لأنها تحتقرها ولا تحترمها. ويحتاج الوطن إلى الكاتب الذي يسمى الأسماء بأسمائها وكما يمليها عليه الضمير الحي، ينقد عندما يحتاج المقام للنقد، ويثنى ويشيد في موقع الإشادة والثناء، وينير العقول والدروب للناس بقول الحقيقة، لا يهادن ، لا يتاجر بالعواطف ، بالدين أو بالسياسة . الوطن باختصار يحتاج إلى صنف واحد من الكتاب، وهو الصنف الذي يحتضن أشواق الناس وأحلامهم بصدق وتعاطف، ولا يستعرض مفاتنه في حفلات الزار، ولا يرقص حواجبه لهواة التسكع على أرصفة الكلمة الرخيصة. دعــــاء: نحمد الله خالق الأكوان على نعمه التي لا تحصى، بأن مهد لنا السبيل، وجعلنا من الماشين تحت الشمس، العابرين الطريق دون حذاء، وجعل طريقنا منارة بفوانيس معلّقة في سمائه، وسخر لنا الملائكة تحف بنا في الحل والترحال، تقينا من قطاع الطرق ونابشي القبور، وتشغل عنا عواء الذئاب ونباح الكلاب، وتفرح قلوبنا الراضية المرضية بتراتيل الأفجار.. فيا من لا شريك له، يا من خصصتنا بقبسات من نورك المنير، لا تخرّب بيوتهم ولا تغلق حانوتهم، ولا تكبّ زيوتهم ولا تدلّ اللصوص على صكوكهم، ولا تحرمهم ملذات العصر، وهبهم من الخيرات دون عد أو حصر، لكن.. أزعج اللهم منامهم بالكوابيس وبأوجاع الضمير، وذكرهم بلعنة إبليس كلما طنّت في أذهانهم فكرة التلبيس والتفليس والتدليس...!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها