النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

هذا المليادير الأسطوري مَـرّ من هنا

رابط مختصر
العدد 8999 الجمعة 29 نوفمبر 2013 الموافق 25 محرم 1435

من منا لا يعرف المليادير السعودي المغفور له سليمان بن صالح العليّان. فشهرته وصلت الآفاق، من إستراليا إلى الولايات المتحدة مرورا بدول الشرقين الأقصى والأوسط، وصوره احتلت أغلفة كبريات المجلات الاقتصادية الرصينة (مثل مجلة «فوربس» الإمريكية التي صنفته في عام 2002 في الترتيب الرابع والثلاثين ضمن أغنى أغنياء العالم بثروة مقدرة بـ7.7 مليار دولار) ، وسيرته المضيئة كانت مادة لمئات المقالات والتحقيقات في الصحافتين العربية والعالمية، كما وأن اسمه أطلق على كلية إدارة الأعمال في إحدى أقدم وأفضل جامعات الشرق الأوسط (جامعة بيروت الأمريكية). أما السبب فهو حكايته ومسيرته العصامية التي تصلح كمادة تـُدرس للأجيال الشابة بهدف زرع قيم الاجتهاد والإخلاص، والتفاني في العمل، وحب العلم وتثقيف الذات، وعدم اليأس أو الاستسلام للصعاب، والاقبال على العالم بروح منفتحة. ومما يــُذكر في هذا السياق أن شاعر المملكتين الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي رحمه الله أقنع العليّان قبل أن يتوفاه الله بسنوات قليلة بأن يكلف أحدهم بكتابة سيرته الذاتية كي ينهل منها الشباب الدروس والعظات. وهكذا وقع اختيار العليان على الكاتب البريطاني «مايكل فيلد» ليروي سيرته من خلال كتاب ذي عنوان لافت للنظر هو «من عنيزة إلى وول ستريت»، وهو الكتاب الذي ظهر أولا بالإنجليزية في عام 2006 ثم ترجمه إلى العربية الصديق الدكتور حمزة المزيني. ولعل اول ما يصادف مقتني هذا الكتاب هو مقطع صغير كتبه العليان في المقدمة وقال فيه إنه لا قيمة لأي شيء قام به غير العمل. وبطبيعة الله فإن ورود «عنيزة» في عنوان الكتاب هو دليل وفاء من العليّان للبلدة التي شهدت ميلاده في عام 1918 . هذه البلدة التي وصفها الرجل في مقابلة صحفية قديمة بـ «البلدة الزراعية الرقيقة واللطيفة»، مضيفا «لم يكن عندنا كهرباء او مجاري، لكن البلدة كانت نظيفة وكنا نعتمد على إنتاجنا المحلي في سد حاجتنا، ولا أذكر إننا كنا نستورد غير الشاي والسكر والقهوة»، وذلك طبقا لعبدالعزيز الهندي في تحقيق نشرته له جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية حينما توفي العليان وفاة طبيعية في عام 2002 بمدينة نيويورك عن عمر ناهز الرابعة والثمانين. لكن لئن كان لعنيزة فضل إنجاب العليان فإن الفضل في تعليمه وتمكينه من اللغة الإنجليزية، التي كانت المفتاح الرئيسي لصعوده في قطاع المقاولات الانشائية ودنيا المال والاعمال، وتعريفه على أعمال شركات النفط يعود إلى البحرين. وفي هذا السياق تكرر سيدة الأعمال لبنى سليمان العليان، وهي الابنة الصغرى للعليان، في مقابلة لها مع مجلة اليمامة السعودية، ما أورده البريطاني «مايكل فيلد» عن آل عليان في كتابه «البيوتات التجارية الكبرى في السعودية والخليج» (مع اختلاف طفيف في بعض التفاصيل) من أن جدها صالح العليان كان يعمل في تجارة التوابل ويتخذ من المدينة المنورة مكانا للتواصل التجاري مع الموانئ الأفريقية قبل أن يجبره الأتراك العثمانيون على العودة إلى عنيزة، حيث لم يجد أمامه سوى الاتجار في المواد الغذائية (الأرزاق) بدعم من آل عجاجي في الأحساء والبحرين. وهنا يشير «مايكل فيلد» إلى أن صالح العليان أرسل ابنه الأكبر حمد إلى البحرين في اوائل القرن العشرين للعمل لدى عائلة العجاجي في المنامة وذلك بهدف تعزيز علاقاته التجارية معها، وأن صالحا توفي حينما كان ابنه الثاني سليمان في سن الرابعة، وأن حمدا حينما عاد إلى عنيزة من البحرين لكي يتزوج في عام 1925 اضطر أن يأخذ أخاه الصغير سليمان معه إلى البحرين لأنه كان قد أصبح يتيم الأب والأم. وهكذا عاد حمد إلى البحرين في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين على ظهر مركب شراعي من الخبر التي كان وصلها من عنيزة على ظهر الإبل، مصطحبا عروسه وسليمان الصغير. في البحرين أسكن حمد أخاه ذا السنوات الست (أو الثمان في قول آخر) في منازل آل عجاجي قبل أن يلحقه بالمدرسة الأمريكية أولا ثم بمدرسة الهداية الخليفية فالمدرسة الجعفرية لاحقا. ومما صرح به العليان في مقابلات صحفية أجريت معه أنه كان في صف واحد في المدرسة الأمريكية مع رجل الأعمال البحريني المعروف «أحمد كانو»، وأنهما ظلا كذلك حتى سنوات مراهقتهما الأولى، وأن الأخير لطالما استغرب من سر تفوقه الدراسي الدائم وتساءل عما يتناوله من مأكولات لكي يصبح كذلك. ويضيف سليمان العليان أن جوابه كان: «أسرتي ليست في ثراء أسرتك يا أحمد، وبالتالي عليّ أن أبذل جهدا مضاعفا وأستذكر دروسي طوال اليوم لكي أنجز الكثير قبل أن أترك الدراسة للعمل. فأنا لن أبتعث مثلك إلى الهند أو بيروت لإكمال دراستي الجامعية». وتشير السيرة الثانية لسليمان العليان أنه ترك مدرسته بالفعل في عام 1936 ليعمل في شركة نفط البحرين (بابكو)، فعمل مراقبا لقياس كميات الزيت في حقل عوالي، وكان يتقاضى أجراء زهيدا لا يزيد عن روبية ونصف الروبية في اليوم. وعلى الرغم من ارتياحه لهذه الوظيفة وما كانت تدره من دخل قليل باعترافه فإن العليان آثر أن يعود إلى وطنه الأصلي للعمل في الظهران، بما راكمه من علم وخبرة في البحرين، لدى شركة «كاليفورنيا أرابيان ستاندرد اويل كومباني» التي صارت لاحقا تــُعرف باسم شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو).، حيث منحته الشركة بطاقة شخصية برقم 40 ، الأمر الذي يعني أنه لم يسبقه في العمل لدى هذه الشركة من السعوديين سوى 39 شخصا. أول وظيفة للعليان في الظهران كانت العمل في قسم حركة الشاحنات كعامل بسيط. ومن هذه الوظيفة، التي كان فيها يشرف على حركة تحميل المعدات إلى مناطق وحقول الزيت، انتقل إلى وظيفة الإشراف على مستودعات أرامكو للعدد وقطع غيار السيارات والشاحنات، وهي وظيفة أكسبت العليان خبرة كبيرة في مجال الجرد والتدقيق في ما يصل وما يغادر من أعتدة، الأمر الذي جعلت أرامكو ترقيه إلى المأمور الأول لمستودعاتها مكلفا بمسؤولية توريد ما تحتاجه من الخارج. وفي هذه الجزئية يقول العليان إن توليه تلك المسؤولية أفادته كثيرا في التعرف على أساليب التجارة الحديثة، ناهيك عن التبحر أكثر فأكثر في مفردات اللغة الإنجليزية وقواعدها وطرق استخدامها، وهو ما جعل رؤساءه في أرامكو يطلبون منه مرافقتهم إلى الرياض كلما كانت هناك محادثات بين الشركة النفطية والحكومة السعودية قبل أن يولوه رسميا وظيفة مترجم في قسم العلاقات الحكومية، حيث أبلى بلاء حسنا كونه كان قد تعلم الإنجليزية في البحرين ومارسها ممارسة عملية من خلال الاحتكاك مع الإنجليز والأمريكيين في مواقع العمل والسكن. ولعل أفضل دليل على تمكنه من الإنجليزية، في تلك السنوات التي لم يكن فيها سوى قلة من عرب الخليج يجيدونها، أن «أرامكو» اختارته للعمل كمترجم أثناء زيارة الملك عبدالعزيز التاريخية لمنشآت النفط في الظهران في عام 1947. وعلى العكس من أقرانه في تلك الحقبة، مثل الوجيه أحمد حمد القصيبي، ظل العليان صامدا في وظائفه المختلفة لدى أرامكو لسنوات دون أن يغادرها بما في ذلك سنوات الحرب العالمية الثانية العصيبة، فاستفاد كثيرا لجهة تعزيز معرفته بالأشياء من حوله. وفي هذا السياق سجل عنه قوله في إحدى المرات أن «العمل مع أرامكو كان أفضل من الدراسة في أكبر الجامعات، فمن خلال الاحتكاك اليومي صرتُ أتحدث لغة الحفارين والكهربائيين والسباكين والأطباء والطباخين، وصرتُ على علم بكل الأدوات وطرق استخدامها ومصادر توريدها الرئيسية». المنعطف الأبرز في مسيرة العليان كانت في عام 1947 حينما تمكن للمرة الأولى، بما وفره من مال قليل، من شراء منزله الخاص في الخبر. وفي العام نفسه تم طرح مشروع التابلاين لنقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني بطول 2012 كيلومترا وبقيمة 25 مليون دولار، ففكر العليان أن يستفيد من هذه الفرصة الذهبية، خصوصا وأنه كان شابا ولم تكن لديه وقتها مسؤوليات عائلية سوى الاهتمام بجدته التي لم يكن مصروفها مع مصروفه الشهري يزيد عن 50 روبية (أو ريال). وطرح على أرامكو فكرة أخذه لمقاولة عمليات النقليات في مشروع التابلاين الذي تم ترسيتها على شركة بتكل الأمريكية، فلقي تشجيعا كبيرا. لكن كان عليه أن يؤسس أولا شركته الخاصة للمقاولات. وهنا لم يجد أمامه سوى رهن منزله مقابل 14 ألف روبية أعطاها إياه ابن عنيزة التاجر النجدي المقيم في البحرين عبدالعزيز البسام. وبذلك المبلغ البسيط أسس العليان بمشاركة أخيه عبدالله «شركة المقاولات العامة» في الخبر في عام 1947 ، ومنحته أرامكو أولا مناقصة تنزيل البضائع، وبعدها توالت المقاولات الأخرى بعدما أثبت للجميع مدى كفاءته والتزامه بمعايير العمل والجودة والأداء. وقد اشتملت الأنشطة التي قام بها العليان في عقد الخمسينات قيامه بالكثير من الأعمال الإنشائية البسيطة في مدن التابلاين مثل القيصومة ورفحاء وبدنة وطريف، وتوليه عملية لحام أنابيب النفط الضخمة عبر الصحاري المقفرة، ومشاركته في تأسيس أول شركة لتوليد الكهرباء في السعودية، وتأسيس أول شركة سعودية لتسويق غاز البروبين تحت اسم «شركة الغاز الأهلية». إضافة إلى تأسيسه في عام 1954 لشركة أخرى معنية بتسويق المواد الغذائية تحت اسم «شركة التجارة العمومية»، وشركة ثالثة مختصة بأعمال التأمين وإعادة التأمين في الشرق الأوسط تحت اسم «شركة المشاريع التجارية العربية»، وشركة رابعة في المنطقة المحايدة متخصصة في النقليات تحت اسم «شركة النقليات العامة» التي عهد سليمان بإدارتها إلى شقيقه الأصغر عبدالله. أما عقد الستينات فقد شهد توجه العليان نحو الاستثمار في الأسواق العالمية من خلال التعاون الاستراتيجي الطويل مع الشركات الأجنبية. وكان من ثمار ذلك حصول شركتيه الرئيسيتين (المقاولات العامة والتجارة العمومية) على وكالات حصرية لمنتجات شركات عالمية مثل «كمبرلي كلارك» و»جنرال فودز» و«كرافت» و«كولجيت- بالموليف» و«نستله» و«برغركينغ» و«كوكاكولا» وغيرها. وفي عام 1969 حصلت مجموعة العليان على ترخيص من شركة «كمبرلي» لإنشاء أول مصنع في السعودية لإنتاج المناديل الورقية، وعلى ترخيص آخر لإقامة أول مستودع تبريد وتصنيع للحوم. وفي العام نفسه تأسست شركة العليان المالية التي تملك وتدير 40 شركة عاملة في مختلف القطاعات حول العالم مع تملكها حصصا في مصارف وشركات محلية وعالمية مثل البنك السعودي البريطاني، وتشيز منهاتن، وميت لايف، وكريديت سيوزفيرست بوسطن إنترناشيونال، وكابيتال يونيون وغيرها. وقد يقول قائل إن الحظ وظروف بدايات اكتشاف النفط، معطوفة على روح المغامرة التي اتصف بها العليان هي التي نقلته من عامل كان لا يحصل في اليوم إلا على روبية ونصف في البحرين، ومائة وعشرة دولارات في الشهر في السعودية إلى ملياردير يجلس على ثروة ضخمة تصل إلى البلايين. ولئن كان في هذا شيء من الصحة، فإن الصحيح أيضا هو أن العليان ما كان ليصل إلى ما وصل إليه لولا مناقب معينة اتصفت بها شخصيته، ومنها ذكاؤه وحصافته وطموحه اللامحدود، وتشبهه بأخلاق رؤسائه الغربيين لجهة الالتزام واحترام الوقت والإبداع، وحبه للاطلاع والسفر والاحتكاك بالثقافات الأخرى دون حساسية، وابتعاده عن مظاهر البذخ والإنفاق على غير الضروريات، وقدرته الفذة على الإنصات إلى الآخر ومحاورته وإقناعه. وطبقا لما ورد في مقال له في المجلة العربية يــُرجع الدكتور غازي القصيبي رحمه الله سر صعود العليان إلى كلمة واحدة هي «الانضباط» مستطردا أن «مع الانضباط يجيء العمل الشاق من الفجر إلى منتصف الليل، وتجيء القدرة على التركيز على الهدف، وتجيء الرغبة في التعاون مع أفراد الفريق الواحد، ومع الانضباط يختفي الاهتمام الكاذب بالمظاهر، ويزول الحرص على الترف، ويتلاشى الغرور». أما المهندس عبدالله يحيى المعلمي فقد وصف العليان في «الجزيرة السعودية» بالأسطورة، موضحا أنه كان أسطوريا في عشقه للعمل، وفي زهده في الألقاب والأضواء والمناصب، وفي اعترافه بالحق دون مجاملة، وفي تهربه من الإجازات، وفي وضعه لقواعد مدرسة إدارية ملتزمة بالصدق والنزاهة والشفافية، وفي رفض الحكم على الناس من خلال المظاهر. وهناك من قال عنه «إنه عقل خالص مع قليل من العاطفة»، و»إنه الرجل الذي حلم كثيرا لكنه عمل أكثر»، و»إنه مخلوق يستمتع بحسابات المغامرة ونتائج المخاطرة والعمل بشكل صحيح».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها