النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

ملايين فقط.. بورجوازية آيلة.. آيلة للسقوط فقط..!

رابط مختصر
العدد 8995 الاثنين 25 نوفمبر 2013 الموافق 21 محرم 1435

يشعر «البرجوازي الصغير» اليوم ضمن ضغط الآلة الاجتماعية الطاحنة وتآكل ما بقي من مقومات الحياة الكريمة، أن أحلامه تتقلص وتتلاشى يوماً بعد يوم، وأنه ونتيجة لذلك يشعر بنوع من الخزي لتذبذب مواقفه وقلة حيلته وعجزه المزمن عن مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الداهمة.. فهو جزء من شريحة زئبقية تكاد تكون بلا هوية، معلقة بين الأرض والسماء، يدفعه واقعه الاقتصادي الضاغط نحو الانحدار إلى صفوف الطبقات الفقيرة، وتدفعه تطلعاته إلى التكفف الفاضح والوقوف عند أبواب الاستجداء ومد اليد، وإراقة ماء الوجه بما لا يليق بالحرّ أن يُقدم عليه، ونظراً لصغر حجم موقعه في مقابل ضخامة تطلعاته وأحلامه، فإنه ما يزال يحلم بسيارة صغيرة، وببيت صغير جداً، وبزوجة صغيرة وطفل صغير ووظيفة صغيرة، وإجازة صغيرة ووجبة صغيرة، ورحلة قصيرة، تتقطع أنفاسه وراء الراتب الصغير فلا يلحق به بالرغم من اللهاث اليومي وراء الخبزة الطائرة والزمن الهارب والوقت الصعب والدنيا الكلبة والوقت المتكالب. مشكلة البرجوازي الصغير أنه وحتى في ممارسته للصراع ورفعه لشعاراته الثورية، فإنه وبسبب ازدواجية حالته الاقتصادية يعيش انفصاماً يتجلى في مواقف متناقضة، وأيديولوجيا متذبذبة، ففي موقف يظهر بثوب عامل متحمس للتحولات الاجتماعية، وفي آخر يجسد سلوك صاحب العمل يرى صورته في مـرآة الطبقة المسيطرة، ومأساته أنه يشعر بأنه من نسيج غير متجانس لا في الفكر، ولا في العقيدة، ولا في الموقف، يفتقد إلى نهج واضــح وإلى رؤية متماسكة؛ فمرة يتماهى مع الشعائر والطقوس الدينية، وأخرى في الشعارات الطائفية والحزبية أو حتى القومية، ومرة ثالثة يعمد إلى الاقتباس من المقولات اليسارية التي يجدها معبرة عن أعمق ما في نفسه وفكره: خليط من العقائد والمصالح والرؤى تتشابك في نسيج غير متجانس ولكنه مرضٍ. هذا البرجوازي الصغير يحكي قصة كل يوم: - لقد حصلت أخيراً على وظيفة بعد لهاث وتمسح ووقوف عند الأبواب والأعتاب، وعلى الرغم من أنني أتعامل في كثير من الأشياء التي أرغب فيها وأحلم بها، فإنني لا أستطيع الحصول على أي منها، (العقارات والأسهم والسيارات والصكوك والشيكات والرحلات والمجوهرات والتحف واللوحات... و...) وفي عملي يجب أن أكون الخاسر الوحيد واللاهث الدائم وراء السراب، الملوم والملام في كل صباح ومساء، فالزبون على حق، وصاحب العمل على حق، والمدير على حق، والفراش على حق، وشركة الهواتف على حق، وشركة الكهرباء والبلدية والباعة المتجولون والأطباء والصيدلية ومحطة البترول والصراف الآلي، والناس أجمعون على حق، أنا الوحيد خارج دائرة الحقوق، علي أن ابتسم دائماً، وأن أحسن معاملة الناس، حتى وإن أساءوا معاملتي، وعليّ أن أكون لطيفاً، ظريفاً حتى وإن كنت تعيساً ومريضاً أو حزيناً غاضباً، فلا أحد يعبأ بي ولا بمشاعري الصغيرة، ولا أحد يعنيه أمري ولا حاجاتي أو احتياجي ولا بؤسي ولا تطلعاتي الصغيرة... في الوظيفة لم أبع جهدي ووقتي فحسب، ولا قلبي وأعصابي وعمري فقط، بل يبدو أنني قد بعت أيضاً شخصي ونفسي ومبادئي الصغيرة المسكينة التي توصف في جميع الكتب والخطب والأقاويل والشعارات والمظاهرات والتجمعات، بأنها (مثالية وضرورية لنيل رضا الوالدين وللدخول للجنة)، فأنا يومياً أبيع الابتسامات والإيماءات الطيبة، والنفاق المستمر والمجاملات السخيفة، وأقدم التنازلات تلو التنازلات، ويجب عليّ أن أمارس كبت الامتعاض والغضب والقهر، حتى لكأنني أصبحت شخصاً بلاستيكياً، أو أنني تحولت إلى إنسان آلي، بلا مشاعر وبلا إنسانية، وقد أكون أصبحت «شيئاً» على الأرجح. أبدأ يومي بالاطلاع على تفاصيل حديث الأبراج في «حظك اليوم» عسى تفرح قلبي بخبر مفرح، واتطلع إلى أقوال النجوم، ثم اقرأ الإعلانات الملونة الصادرة عن مسابقات البنوك عسى أكون أحد الفائزين بالمليون دولار، وبعد اليأس من كل مجيب أنتقل لمطالعة الإعلانات المبوبة عن أسعار السيارات المستعملة والأراضي المهملة، والبيوت التي مات أهلها فلا أجد غير: فيلا في البحر بمليوني دينار فقط، وأخرى في البر بـ650 ألف دينار فقط، وشقة دوبليكس ديلوكس بـ285 فقط، وارض صغيرة بـ450 ألف فقط، وسيارة 35 ألف دينار فقط، ووو استمر في البحث عن فقط حتى أصبح أدور في الأفقاط تلو الأفقاط.!!! هذه الصورة لقطة واحدة من حياة هذا البورجوازي الصغير جداً، المسكين جداً، وهي تختزل مأساة هذه الشريحة التي تعاني من توزع الأشواق بين واقع مرير يشد إلى قاع الأرض، وتطلع يشق عنان السماء، بطموحات تسقطها الاحباطات المتوالية، ولذلك تجد أن بعض أفراد هذه الشريحة ينشطون في مجالات تعويضية كالكتابة والنفخ في البوق، بحثاً عن العزاء، وتنفيس الكرب، وبعضهم ينشط في حقوق الحيوان والطيور، والمنظمات الفلسفية بكافة أنواعها... كما تقول الإحصائيات إن أفراد هذه الشريحة هم أول المقدمين على الانتحار بانتحار أحلامهم! جملة مفيدة يقول الباحث الفرنسي (انياسيو راموني): «إن الدعاية تبيع لنا كل شيء من دون تمييز كأن المجتمع الاستهلاكي مجتمع من دون طبقات، وكأنما الجميع قادرون على اقتناء كل شيء كما يبدو في الصورة المنقولة عبر الدعاية، ومن يتخلف عن اقتناء الصورة يظل خارج الإطار، فهو مهمش».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها