النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الندم ليس نقيصة نحاسب عليها ويا جبل ما يهزك ريح

رابط مختصر
العدد 8993 السبت 23 نوفمبر 2013 الموافق 19 محرم 1435

يصعب على المرء الكتابة في موضوعات او تجارب قد ألمت به او مر بها احد اصدقائه سواء في الماضي او الحاضر، والكاتب يكون صادقا عندما يقول «ما ذنب ان يضيع وقت القارئ في التعرف على تجارب لا تخصه في شيء، وكفي ما يراه من تجارب وأمور حياتية خاصة به».. ولكن ربما يضيق صدرنا احيانا بقضايانا وأمورنا او تجارب المقربين منا، وترانا مدفوعين بالفطرة نكتب عنها والتطرق اليها، لعلها تكون عبرة لمن يعتبر، أو عظة في طريق من يتعظ، فان الذكرى تنفع المؤمنين. وبمناسبة الذكرى، فكلنا تقريبا مر بتجربة الندم، فمن منا لم يأت عليه وقت ليندم على فعل او صنيع قام به، ليكتشف لاحقا انه اخطأ ربما في حق ربه او نفسه او عائلته الصغيرة كأسرته او الكبيرة كوطنه. التجارب بالتأكيد كثيرة والآلام اكثر، ولذا ربما كان الشعور بالندم على الخطأ من الموجبات التي نشعر بها احيانا في حياتنا، حتى وإن كان بعض علماء النفس يرون في الندم خطيئة، لأن تذكر الخطأ نفسه وهو ما كان في الماضي يبعد بنا عن رؤية الحاضر وبالتالي المستقبل. ولكنني، قد اقول لعلماء النفس، دعوا العلم لكم ودعوا الحياة لنا، فالكتاب غير الواقع، وتذكر الماضي بأخطائه ليس بخطيئة يحاسبوننا عليها، فثمة اراء اخرى ترى ان الشعور بالندم منفعة، حتى لا نكرر خطايانا وخطيئاتنا، والا استمررنا في ارتكابها المرة تلو المرة. لقد يدفع شعور الشخص بالندم على بعض قراراته في الماضي الى العودة الى ذاك الماضي، ليسأل نفسه كثيرا، ربما معاتبا إياها، وربما يغالطها فيما فعلت واتخذت من قرارات كان في غنى عنها، تلك القرارات التي تؤثر على الشخص وأسرته وربما سمعته في المستقبل بدون ان يحسب اي حساب لتلك القرارات. الكثير يتساءل عن مغزى قراراته، والبعض يشعر بالندم، وهذا جائز بغض النظر عمن يرى ان التفكير بالندم محطة من محطات الاحباط وبعدها الاكتئاب، فالشعور بالندم افضل في الواقع من تكرار الاخطاء، لان من فوائد الندم عدم الرجوع الى الخطأ او المعصية. وهذا يعني ايضا التوقف عن هذا الخطأ. اما من يدعي ان الشعور بالندم يصيب المرء بالإحباط في مرحلة اولي يعقبها الدخول في نوبة اكتئاب، فهذا كلام ليس ثابتا بدليل وقد يكون مجرد تأويلات. وقد اكون صريحا أكثر، لأحكي عن الندم سواء في اتخاذ القرار او في عدم اتخاذه او الندم على اشخاص ادخلناهم حياتنا وندمنا على ذلك والندم كذلك علي اشحاص كم تمنينا ان يبزغ الفجر لنراهم بجانبنا. فجر يغير حياتنا الى الافضل. فاستحضار الندم او الشعور به، ليس جلبا للحزن، وليس جنونا، خاصة وان الندم عما كان فعلناه من خطايا في الماضي لن يجعلنا أسرى لهذا الماضي او أسرى لمآسيه وأوجاعه، ولن يقتل ارادتنا. فانا ضد من يقول ان الندم يستحضر المآسي لحزن ويبدد الارادة وفرحة الحاضر، كذلك يخطئ من يعتقد ان العقلاء ليس لديهم ماضٍ من الندم، او ان العقلاء لا يفكرون في الماضي، فماضينا ليس سجنا او وصمة عار نحبسها في زنازين مشيدة، او مرض نخشى الا نكشفه للآخرين، او عدوى نصيبهم بها. وقد نشرت مجلة «التصرف والانفعال» الامريكية دراسة لكولين سافراي الباحثة في جامعة فكتوريا وزملاؤها في جامعة إلينوي، عن فوائد الندم، وجاء فيها ان الشعور بالندم ليس مرضا او آفة اجتماعية تضر بصاحبها، وان الندم له مهمة اجتماعية عظيمة الاهمية.. لماذا؟... لأننا لا نتعلم فقط من اخطائنا فحسب، بل ومن اخطاء الآخرين. كما اننا نتعلم من النتائج الأفضل عندما ننظر الى أقراننا وزملائنا، او الى جيراننا الذين يقومون باختيارات جيدة او سيئة. وقد يؤدي هذا الى الارتياح، ويساعدنا ذاك الشعور على كيفية تحسين اوضاعنا. ولم تغفل الدراسة نقطة اخرى مهمة، وهي ان الشعور بالندم يؤدي بشكل كبير الى التقييم الموضوعي للأخطار والفوائد. الدراسة خلصت الى النظر الى الأمام لتفحص افضل مصالحنا، يضاهي عادة النظر الى الخلف، لنتأمل في تجارب سابقة اصبحت ماثلة امامنا ونتائجها واضحة لدينا، وبناء عليه نحدد القرار على خلفية النتيجة. كما خلصت الدراسة الى ان إدارة «الندم» من حسن الخصال، ويعيش صاحبها نوعية حياة افضل من غيره، اذا استثمر شعوره بصورة ايجابية وليس مرضية. وبعيدا عن الدراسة الامريكية المعمقة التي نقلت خلاصتها باختصار شديد، وفي رأيي ان الإنسان عندما يمر بتجربة مريرة لابد ان تنجم عنها خسارة سواء مادية وهذه ابسطها فما يأتي بالمال لا يساوي المال الذي يدفع من اجله، او يكون نتيجتها بعد فترة من الوقت خسارة تتمثل في مشكلات عائلية وخلافه، فما هو السلاح لتجاوز تلك المحنة؟.. بالتأكيد سيكون الشعور بالندم، لا لشيء سوى ان اليوم قد بدأ امس وليس الان، فالحياة سلسلة متواصلة لا نستطيع فصلها عن بعضها البعض، فالماضى جزء من يومنا. وبالتالي، فالإنسان هو ذاك المخلوق الذي يخطئ، فالخطأ من الصفات الاصيلة في تركيبته البشرية، والإنسان ليس كاملا. إذن، فإن الخطأ وارد، لأننا لسنا بأنبياء معصومين من الخطأ والخطايا، وهنا نرجع للخلف، إلى الوراء، ليس جريا وراء العيش في زنازين الماضي والتمسك به، وانما للتحرر مما ارتكبناه من أخطاء، قد ننقل نتائجها للأبناء او الأصدقاء او المجتمع كله. والقرآن الكريم نقل لنا قصص الذين سبقونا لنتعلم من أخطائهم، ولو أمد المولى عز وجل في أعمارهم، فعادوا وندموا على كفرهم وسارعوا بالإيمان بالله. وحتى لا يفهمنا البعض خطأ أو يعتقد اننا نحيا أسرى للماضي بأخطائه، فالندم اذا كنا نراه شعورا طيبا، فهو لأنه يراودنا غصبا عنا على اية حال وقد لا نستطيع ان نهمله لأنه شعور طاغ.. فلا يجب ان يكون الشعور به طوال الوقت حتى لا يكون قاهرا للعقل والصحة والبدن، وإن كانت الحياة بتجاربها المتعددة الجيدة والسعيدة والمريرة لقادرة على ان تنسينا الكثير من مشاغلنا ومشاكلنا، لأننا بالطبع لن نقف عند محطة واحدة في الحياة، فهي مليئة بتجارب ومحطات متنوعة بحلوها ومرها. ويخطئ من يعتقد ان ذلك الفرد يعيش اسيرا للماضي بتجاربه، حلوها ومرها، فهذا خطأ كبير، ولكن التفكير فيما مضى قد يعني استغلال ما مررنا به، في استحضار المستقبل والتخطيط له.. فما حدث قد حدث وانتهي ولن نغيره بالتأكيد، والمهم هنا، ان نغير مسارنا من خاطئ الى صحيح، ومن سلبي الى إيجابي، حتى وإن كانت التجارب ليست نمطية او على قالب واحد.. وهذا يتطلب بالضرورة، ان نكون منصفين مع أنفسنا، وان نكون عادلين في قراراتنا، الى ان يقودنا الشعور بالندم بالاعتراف بالأخطاء، لأنه ما لم نفعل ذلك، فلن نتعلم، وهذا يقودنا ايضا الى فضيلة كبرى وهي الاعتذار اذا تسببت قراراتنا في الاساءة للآخرين، فالشجاعة الادبية ان نعتذر لهؤلاء.. وياليت الاخرين يفعلون ايضا ويعتذروا لنا عن إساءاتهم!! من المؤكد ان كثيرا منا مر في حياته بلحظات حسرة بسبب قرار سبق وان اتخذه، ليتمنى بعدها الا يفعله مجددا، وهذا ليس جلدا للذات كما يدعي البعض، فقد نندم احيانا على اننا وثقنا بالآخرين، لنكتشف بعدها ان هؤلاء لا يقدرون هذه الثقة فأذاعوا أسرارا ائتمناهم عليها، او خانوا عشرة عشناها سويا.. والأمثلة ليست حصرية وانما كثيرة جدا، قد لا يستوعب البشر عدها. ورغم كل هذا، لا يجب ان نندب حظنا ونعيش في حسرة دائمة، لان شعورنا بالخطأ يولد فينا الامل في غدنا ليكون اكثر اشراقا وسعادة، وهذا في حد ذاته نعمة كبيرة . وأما من يدعي بان شعورنا بالذنب او الندم، كمن يعود ادراجه للأمس، للماضي، فهذا خطأ، والذي نقصده ان نكون اكثر عقلانية وعملية، وان نتحرك للأمام، ولتكون اخطاؤنا في الماضي دليلا لنا على السير نحو المستقبل. ومثل ما يقول المثل (يا جبل ما يهزك ريح)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها