النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التخندق الطائفي!!

رابط مختصر
العدد 8992 الجمعة 22 نوفمبر 2013 الموافق 18 محرم 1435

أحسب أننا لن نختلف إذا ما قلنا بأن ما شهدته، وتشهده إلى أيامنا هذه، المجتمعات الإنسانية المختلفة - وخاصة منها تلك المتميزة بتعدد الطوائف والأعراق والديانات- من وقائع وأحداث دامية حينا ومحتقنة أحيانا، ظاهرة طورا ومسكوت عنها أطوارا، قد كشفت لنا أن الميل إلى الانعزال والتخندق حول الطائفة أو المذهب يظهر على سطح التعامل الاجتماعي عندما تتضافر مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية معا فتقود إلى ضرب من التمترس اتقاء من آثار سلبية محتملة قد يقود إليها عامل من العوامل المذكورة آنفا؛ بمعنى آخر، إن بروز الطائفية والمذهبية كسلوك اجتماعي مقيت لهو المرادف الموضوعي لغياب التخطيط السليم للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية غيابا يصنع الأزمات أو يهيأ لها بأشكال مختلفة. إن عدم الاختلاف حول ما أسلفنا ييسر لنا أن نتفق بأن نكون ملزمين، بالضرورة، بتحسين الواقع المعيش الذي تتحرك فيه هذه العوامل وتجويده، وذلك درءا للانحراف في اتجاه الطائفية، ومنعا للذرائع وسدا لها أمام أولئك المهووسين بتوجيه النداءات إلى الخارج استقواءً ببعض بلدانه ومنظماته، كما تفعل جمعية «الوفاق» والجمعيات المذهبية الأخرى عندما تستمطر الاتهامات الكذابة ضد الحكومة البحرينية؛ لزيادة جرعة النشاط الإعلامي المذهبي في إيران، ولتحويل إيران إلى دولة مهمومة بحقوق الإنسان مدافعة عنها وإلى جنة حقوقية موعودة على الأقل لمن اختاروا المتاجرة بالوطن وآلامه التي استزرعوها فيه عمدا في أسواق النخاسة الدولية والدعارة الحقوقية. وهل هناك أسوأ من أن تطلب من الأجنبي أن يتدخل فيما تستنبته ظروف التعاملات الاجتماعية المحلية ومناخاتها؟! خلاصة هذا المنطق تقودنا إلى نتيجة منطقية أخرى من نسيجها، فهي تتيح لنا القول إن هذه العوامل، متضافرة ومتفاعلة في آن معا هي التي تُسيّر وقائع الحياة اليومية. وينبغي القول إن هذه العوامل في اشتغالها المنسجم مع بعضه البعض هي المسؤولة عن إحداث التوازن المعيشي، ويكون تأثيرها حاضرا في المجتمع عندما يكون تدخل الدولة متناغما مع ظرفي الزمان والمكان. لكن في حال أنها تعارضت فإن ذلك يؤدي حتما إلى انكسارات تعيق كل عامل من هذه العوامل وتمنعه من أن يوجد تأثيره؛ وهو ما يفضي إلى ولادة أزمات مجتمعية منها ما يسمى بالتوتر الطائفي مثل الذي أريد لمجتمعنا البحريني المتحاب أن يُقحم فيه تعسفا، كما يفضي في أغلب الأحوال إلى قراءات خاطئة لحقيقة الوضع القائم وأسبابه العميقة مثلما كان الشأن بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي أوباما حين أراد أن يدلي بدلوه في تحليل أوضاع البحرين وتوصيفها، وهو ما سارعت الجماعات المذهبية بقيادة جمعية «الوفاق» إلى الأخذ بنواصيه، وكأن «أوباما» قد انضم إلى زمرة المعصومين؛ لتتاجر به في الداخل والخارج. دعوني أعود إلى حيث بدأت لأقول إن الانعزال والتخندق اللذين تحدثت عنهما في المستهل يتطوران تدريجيا حتى يتشكلا معا في هيئة تورمات قيحية، ويحصل هذا عندما تتفاعل مجموعة هذه العوامل الداخلية مع عامل خارجي توظفه دولة أو مجموعة دول بالتعاون مع ما يسمى طابورا خامسا بهدف تحقيق مصلحة ما. ومن البديهي أن ترى العامل الخارجي يدفع في اتجاه الضغط المتواصل على العوامل الداخلية إلى أن يجبرها على رمي سموم صديدها في الوسط الاجتماعي، وعندئذ يكون العامل الخارجي هو الذي يوجه العوامل الداخلية ويزيد من تأثيرها السلبي في مجمل العلاقات الاجتماعية، ليبدو المشهد الاجتماعي أكثر وضوحا في ميوله الطائفية واستغراقه المذهبي. ولكي تكون الصورة أكثر وضوحا وقربا على تصور تفاعل العوامل الداخلية مع العامل الخارجي لا عليك إلا استحضار الواقع العربي في هذه الأيام، إنه لمثال واضح يعكس بأبلغ صورة ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع، أقول ذلك بكل مرارة. هذه الصورة السوداوية التي يرسمها الواقع بمتغيراته الذاتية والموضوعية يمكن أن تستحضروها من مشهدنا الوطني الذي تعيث فيه جمعية «الوفاق» والجمعيات المذهبية الأخرى فسادا وسترون كم أن هذه السياسة التي تنتهجها هذه الجمعيات قبيحة إلى الحد الذي جعلنا متنافرين، بل إنها خلقت منا أندادا متخاصمين. في تاريخ البحرين كله لم تجرؤ قوى سياسية ولا تجمعات ثقافية على النيل من سمعة المجتمع البحريني مثلما تفعل هذه الجمعيات السياسية التي تحرق بفعلها هذا المجتمع عن بكرة أبيه. تاريخ العلاقة بين المكونات الاجتماعية يؤكد لنا أن الفشل هو نهاية المسعى الذي تنتهجه هذه الجمعيات السادرة في تشويه وتدمير الحياة الاجتماعية التي ورّثنا إياها آباؤنا وحققوا فيها نجاحات على دروب الوحدة الوطنية والعيش المشترك. غير أن هذا الفشل لا يأتي بالتمني ولكن باتخاذ إجرءات قانونية، وإحراز تقدم في الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تجفيفا لماء آسن قد يُعشش فيه بعوض الفتنة. من المؤكد أن ما يجري في البحرين ليس معزولا عما يجري في دول الوطن العربي. ولنتعرف على قوة العامل الخارجي في التأثير على عوامل الداخل، فلنتأمل واقعنا العربي البائس، أليس ما يجري في سوريا من اقتتال وذبح على الهوية يلقي بظلاله على المشهد السياسي في لبنان في صورة تفجيرات مقصودة ضد هذا المذهب أو ذاك؟ ثم أليس هذا الافتعال الصارخ للأزمات المتلاحقة في دول مجلس التعاون بعامة وفي البحرين على وجه الخصوص هو حاصل تحريض مذهبي من ملالي إيران وحزب الدعوة في العراق و»حزب الله» الإيراني المستقر في لبنان للجمعيات أو الجماعات السياسية التي تشاركها المذهب الديني؟ إذن يبقى العلاج داخليا ووطنيا. وليس هناك ما يدفع إلى اللجوء إلى الخارج للبحث عن حلول لمشكلة وطنية، إلا إذا كانت إستراتيجية من خلق هذه المشكلة قائمة أساسا على الاعتماد على الخارج، وأنا أعتقد بأن كل هذه المبالغة في تصوير الاختلاف الوطني على أنه خلاف وطني يصب في ترجيح هذا الاستنتاج. ما الحل إذن؟ في اعتقادي أن الحوار الوطني الذي دعا إليه جلالة الملك حمد بن عيسى هو الإطار الذي ينبغي أن يعتمد عليه للوصول إلى توافقات- حتى وإن كانت الجمعيات المذهبية لا تبحث عن ذلك- في ما يتعلق بالمسائل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وهي المسائل التي ذكرنا بأنها، مجتمعة، الرافعة التي يعول عليها في انتشال المجتمع من السقوط في هاوية الرذيلة الطائفية للارتقاء به إلى مجتمع المواطنة والديمقراطية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها