النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

جناية أوروبا على نفسها وعلى العالم

رابط مختصر
العدد 8992 الجمعة 22 نوفمبر 2013 الموافق 18 محرم 1435

لفت «أحمد حسين الطماوي» نظري، حين قرأت له في أواخر السبعينات من القرن الماضي سلسلة مقالات تؤرخ للمجلات الثقافية العربية، التي صدرت في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كان ينشرها على صفحات مجلة «الثقافة» الشهرية التي أصدرها وزير الثقافة آنذاك «يوسف السباعي» لأنها كانت تنفض غبار الزمن عن الدور المهم والمجهول الذي لعبته عدد من هذه الدوريات، في تدعيم مشروع النهضة فأخذت أتابع مشوقا ما يكتبه، وكان يدور في معظمه حول الصفحات المجهولة في تاريخنا الأدبي والفكري، التي تحفل بها صفحات الصحف والدوريات الثقافية، ويبذل جهدا مضنيا في البحث عنها وتحقيقها ونشرها ودراستها قبل أن تضيع إلى الأبد وتأكلها القوارض في مخازن دار الكتب.. فيستكمل بذلك الجهد الذي بذله في هذا المجال كُتاب ومؤرخون، لم يأخذ بعضهم -وهو منهم- حقه من التقدير الكافي كان من بينهم «الكونت فيليب دي طرازي» و»إبراهيم عبده» و»عبداللطيف حمزة» و»أنور الجندي» و»سيد كيلاني» و»يونان لبيب رزق». وأحدث كتب «أحمد حسين الطماوي» -الذي صدر في الأسبوع الماضي عن «مكتبة ومركز فهد بن محمد بن نايف الدبوس للتراث الأدبي بالكويت» ونشرته «دار النشر الإسلامية ببيروت»- هو كتاب «الشرق والغرب» وهو يضم 51 مقالا نادرا كتبها «إبراهيم المويلحي» -أحد أركان النهضة الأدبية والثقافية في القرن التاسع عشر- ونشرها على صفحات جريدته الأسبوعية «مصباح الشرق» خلال السنوات الخمس التي عاشتها بين عامي 1898 و1903 تدور كلها حول الجدل الذي كان محتدما آنذاك بين النخب الفكرية العربية حول الموقف من الحضارة الأوروباوية التي اقتحمت حياة العرب خلال ذلك القرن، في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر، التي فتحت الباب أمام اختلاط العرب بالأوروبيين، عبر طلاب البعثات الذين ذهبوا ليدرسوا أو يسيحوا في بلادهم، أو عبر الجاليات الأجنبية التي أقامت بينهم في أعقاب الغزو الأوروبي لبلادهم. ومؤلف الكتاب «إبراهيم المويلحي» (1846-1906) مصري من أصل حجازي، لم يرسله أبوه تاجر الأقمشة إلى مدرسة لأنه كان يعده لخلافته في تجارته، ولكن شغفه بالمعرفة، دفعه للبحث عمن يعلمه القراءة والكتابة ليكتسب عبر القراءة والسفر معارف واسعة، جعلته -كما وصفه «المنفلوطي»- شيخ الكتابة في زمنه، وكما وصفه «صبري السوربوني» مؤسس دولة الكتابة في مصر، وهو ما تؤكده هذه المقالات التي لا تكشف فقط عن دوره في تجديد أسلوب الكتابة العربية ليكون أسلوبا عصريا يخلو من الزخارف اللفظية، ويعبر ببساطة عن أفكار واضحة، بل وتكشف كذلك عن أنه كان مثقفا عصاميا واسع الإطلاع على معارف متنوعة في الأدب والفن والاجتماع والفلسفة والسياسة والعلوم الطبيعية. ومقالات «إبراهيم المويلحي» عن الشرق والغرب، هي فصل مهم من معركة فكرية بدأت قبل ذلك واستمرت بعد ذلك ولاتزال قائمة إلى اليوم بين الذين أفزعتهم موجة ما كان يسمى آنذاك بـ»تفرنج» العرب والمسلمين، وسعيهم لتقليد الأوروبيين في ملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، وربما نُظم حكمهم في الوقت الذي كانت الدول الأوروبية تسعى لغزو بلادهم، مما جعلهم يعتبرون ذلك خضوعا لما سمي بعد ذلك بأسماء مختلفة لم تغادر الساحة الفكرية والسياسية حتى الآن مثل «التغريب» و»الغزو الفكري» وهي مخاوف نلمح بداياتها فيما كتبه «الجبرتي» عن الحملة الفرنسية وما كتبه «الطهطاوي» عن رحلته إلى «باريز» وهي كتابات يختلط فيها الإعجاب بما حققه من وصفوهما بـ»الفرنجة الكفرة الذين لا يؤمنون بدين» من تقدم في العلوم والفنون والنظم السياسية والاجتماعية وبين ما اعتبره الاثنان تحللا أخلاقيا وخروجا عن الأعراف والتقاليد المستقرة في البلاد الشرقية.. كما نجده -كذلك- في سخرية «عبدالله النديم» من الفلاح الشاب الذي تعلم في أوروبا وعاد ليتعالى على تقاليد أسرته.. وعلى ما تقدمه له أمه من طعام وما يرتديه إياه من ملابس، ونجده الفصل الذي كتبه في مجلته «التنكيت والتبكيت» بعنوان «مجلس طبي لعربي مصاب بالإفرنجي» في إشارة إلي الأمراض الجنسية السرية التي صدرتها أوروبا لمصر مثل «الزهري» و»السيلان» وكانت تسمى نذاك بمرض الأفرنجي. ولم تقتصر هذه المخاوف -آنذاك أو بعد ذلك- على المفكرين الذين ينتمون إلى التيارات المحافظة، بل شملت كذلك عددا من المنتمين إلى ما كان يعتبر آنذاك تيارات تجديدية. ومنذ سنوات عثرت على كتاب لأحد رواد الفكر الاشتراكي في العالم العربي وهو «نقولا الحداد» بعنوان «جناية أوروبا على نفسها وعلى العالم» وهو عنوان توهمت أنه يتناول الآثار الضارة لتحول البرجوازية الأوروبية من طبقة ثورية إلى طبقة رجعية، بانتقالها من المرحلة الرأسمالية إلى المرحلة الاحتكارية التي سعت خلالها لاستعمار الدول المتخلفة، وقادها التنافس فيما بينها على الأسواق إلى إشعال الحروب، ولكني فوجئت بأن «نقولا الحداد» خصص الكتابة كله للبرهنة على أن جناية أوروبا على نفسها وعلى العالم، تكمن في اختراعها «للمشد» وهو الاسم الذي أطلقه على تلك القطعة من الملابس الداخلية النسائية التي تعرف بـ»الكورسيه» وهي تصنع من قماش مطاط يهدف إلى إخفاء ما يصيب جسد المرأة من ترهل في منطقة البطن والأرداف.. وهو ما رآه «الحداد» جناية كبرى ارتكبتها أوروبا في حق نفسها وفي حق العالم بسبب ما يترتب عليه من آثار صحية ضارة بالمرأة، أفرط في شرحها. ومنذ أسابيع قليلة وأثناء اعتصام جماعات الإسلام السياسي في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، سمعت أحد أقطاب هذه الجماعات يهدد بتحطيم ما سماه «حضارة الغرب الداعرة» فأدهشني أنه نسي أن الذي ينقل تهديده لكل أنحاء العالم هو تليفزيون ابتكرته هذه الحضارة الداعرة وأنه لو حطمها فلن يجد من يستمع إليه أو ينقل كلامه أو يحفل بتهديده. أما المهم فهو أن «أحمد سليمان الطماوي» يضيف بهذا الكتاب الذي جمع فيه ما تبقى من مقالات «إبراهيم المويلحي» حول هذه القضية القديمة الجديدة وثيقة فكرية بالغة الأهمية ربما تساهم في شفاء العرب من هذا المرض الأفرنجي!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها