النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

البحرين سئمت قيود البحر حول معصميها

رابط مختصر
العدد 8992 الجمعة 22 نوفمبر 2013 الموافق 18 محرم 1435

المعروف أن الدواسر من سكنة البديع حينما اختلفوا زمن المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة مع المعتمد البريطاني الميجور «كلايف كيركباتريك ديلي»، الذي عاملهم بشراسة وقلص ما كانوا يتمتعون به من امتيازات ونفوذ، كاتبوا الملك عبدالعزيز آل سعود طالبين منه السماح بالقدوم إلى الأراضي السعودية والإقامة فيها. وقد استجاب لهم العاهل السعودي فخيرهم بالنزول في أي بندر من البنادر السعودية. كانت أمام الدواسر -بطبيعة الحال- خيارات شتى، لكنهم فضلوا النزول في الدمام في عام 1923 بقيادة زعيمهم «أحمد بن عبدالله الدوسري»، لأسباب كثيرة منها أن الدمام كانت قد تأسست قبل مائة عام من قدومهم على يد بحرينيين من الجلاهمة وآل بنعلي وآل بوسميط بقيادة «أرحمة بن جابر الجلاهمة» صاحب القلعة التاريخية الشهيرة التي ظلت صامدة طويلا وسط البحر المواجه للدمام، ومنها أن الدمام قريبة من البحرين وبالتالي يمكن منها ممارسة الضغوط على الإنجليز في البحرين لاستعادة نفوذهم وامتيازاتهم، ومنها أن الدمام محاطة بمغاصات اللؤلؤ، وبالتالي فهي مناسبة للنشاط الذي لم يكن الدواسر يجيدون سواه وهو الغوص على اللؤلؤ والصيد البحري، ومنها أن الدمام قريبة من تاروت التي كانت تأتي في الأهمية بعد البحرين مباشرة كسوق لجمع وبيع اللؤلؤ الطبيعي. غير ان ما حدث بعد سنوات قليلة هو اختلاف الدواسر بين بعضهم البعض لأسباب مجهولة لا يفصحون عنها. وهكذا انفصلت فئة منهم بقيادة الشيخين «عيسى بن أحمد البن سعد الدموخ الدوسري» و»محمد بن راشد العمور الدوسري» في عام 1928 وسارت مشيا على الأقدام من الدمام إلى منطقة «عين السيح» القريبة من ساحل العزيزية الحالي حيث أقامت لنفسها مستوطنة من بيوت العشيش أو ما يعرف بـ «البرستيات». ومع مرور السنوات تمددت هذه المستوطنة إلى المنطقة المعروفة حاليا باسم «الصبيخة» في جنوب مدينة الخبر، وزاد عدد سكانها بفضل من التحقوا بالدواسر من بحرينيين وغيرهم. ومن «الصبيخة» انتشر الدواسر لاحقا في مختلف مناطق الخبر ولا سيما في المناطق المحيطة بسوقها التجاري القديم في شارع الأمير سعود «شارع الملك سعود حاليا» الذي كانت أمواج الخليج تصطدم به من جهة الشرق قبل الشروع في أعمال الدفان في العقود التالية. في هذه المناطق عمل الدواسر المهاجرون وأبناؤهم في مختلف المهن قبل أن ينجذب الكثيرون منهم إلى الفرص الوظيفية التي وفرتها شركة أرامكو النفطية بعد اكتشاف النفط وتصديره. والحقيقة ان اكتشاف النفط وتصديره من الحقول السعودية في المنطقة الشرقية لم يتسبب فقط في توسع الحركة التجارية وأعمال الإنشاءات والبناء والتطوير وتزايد فرص العمل في الخبر، والتي استفاد منها بعض الدواسر فوائد مادية معتبرة فانعكست إيجابا على أحواله المعيشية ومكانته الاجتماعية، وإنما دفعت شركة أرامكو إلى الشروع في تنفيذ ما يمكن اعتباره أول مشروع لربط الخبر بالبحرين. حيث بدأت في عام 1935 بإنشاء «فرضة الخبر»، والتي بدت عند الانتهاء منها في العام التالي مجرد رصيف صغير لرسو القوارب وبجانبه مبنى صغير للجمارك. ومن هذه الفرضة، التي بنيت بسواعد الدواسر تحت إشراف مهندسين أمريكيين، كانت تنطلق مرة واحدة كل أسبوع عبارات تحمل موظفي أرامكو الأجانب إلى البحرين من أجل الترفيه وشراء ما كان ينقصهم من بضائع لم تكن متوفرة وقتذاك في أسواق الخبر. ومن هذه الفرضة أيضا تم نقل أول شحنة تجارية من نفط المنطقة الشرقية إلى معامل التكرير في البحرين، وذلك في العاشر من يوليو 1957، وكان مقدارها أربعمائة وخمسين طنا من النفط الخام. إلى ذلك كانت أرامكو تستخدم هذه الفرضة لجلب ما احتاجته في سنواتها الأولى من معدات وآليات ومكائن من البحرين. ومع مرور الأيام لم تعد «فرضة الخبر» مهمة فقط لأرامكو، وإنما صارت تمثل أهمية كبرى لرجال الأعمال المحليين الكبار والصغار، الذين كانوا يجلبون البضائع والسلع العصرية عبرها من البحرين، وفي الوقت نفسه شكلت أهمية للمواطنين بصفة عامة كونها أتاحت لهم التواصل مع أهلهم وأقاربهم في البحرين عبر رحلات يومية بالمراكب التقليدية «مثل السنبوك والبوم والجالبوت والبغلة» إلى فرضة المنامة. وكانت هذه الرحلات تستغرق في كل اتجاه ما بين 3-4 ساعات، وتكلف الراكب الواحد خمس ريالات «أو روبيات» في الذهاب ومثله في الإياب، قبل أن ترتفع أسعار النقل تدريجيا حتى وصلت في أواخر السبعينات إلى خمسين ريالا أو خمسة دنانير للرحلة في الاتجاه الواحد. ومن المؤكد أن أهمية «فرضة الخبر» لجهة نقل الركاب إلى البحرين زادت بعد أن قامت أرامكو بتعبيد ورصف الطريق المؤدي من مركز إداراتها الرئيسية في الظهران إلى الخبر وفرضتها في عام 1957. ولعل من أشهر النواخذة البحرينيين الذين كانوا يسيرون المراكب ما بين فرضتي الخبر والمنامة «حسين الوزان» و»ماجد المناعي». أما النواخذة السعوديون فقد كان جلهم الأعظم من الدواسر. ويتذكر كل من شهد عصر التنقل ما بين البحرين والسعودية بالمراكب كيف ان بعض هذه المراكب كانت تتعطل أحيانا في وسط البحر، فيستغرق زمن الوصول ضعف المدة المتوقعة، أو كانت ترتج وتنحرف بسبب شدة الرياح فتتسبب للركاب بالدوار والقيء، بل ان هناك من الحوادث التي انقلبت فيها المراكب بسبب الرياح والأمواج العاتية فغرق ركابها وما عليها من بضائع وحيوانات «كالأبقار والحمير التي كانت تصـّدر من الأحساء إلى البحرين» ما كان يقابل «فرضة الخبر» في البحرين هو «فرضة المنامة» التي أنشئت في عام 1917 على الساحل الشمالي لجزيرة البحرين، وعلى بعد أمتار قليلة من مدخل «باب البحرين» لتكون بوابة للمنامة وسوقها القديم، ومركزا للاستيراد والتصدير من وإلى إيران ودول الخليج. وطبقا لما جاء في كتيب إعلامي أصدرته المؤسسة العامة للموانئ البحرية تحت عنوان «تحية تقدير إلى البحرين» فإنه منذ عشرينات القرن الماضي وحتى أواخر ثلاثيناته كانت المراكب والسفن المحملة بالبضائع والركاب ترسو على بعد سبعة أميال من الفرضة في منطقة تسمى «سـَليسل» بسبب مياه البحرين الشمالية الضحلة. ولذلك كانت حمولة المراكب تـُحوّل إلى قوارب ساحلية لإيصالها إلى الفرضة في رحلة كانت تستغرق نحو ساعة واحدة. في تلك الأيام لم يكن هناك رصيف للتنزيل والمناولة في فرضة المنامة، فكانت القوارب تدير مقدماتها نحو الشاطئ وتـُنـْزل معبرا خشبيا ليتم نقل البضائع وأمتعة الركاب من فوقه إلى اليابسة. يقولون ان سكان الجزر عادة ما يتفوقون على غيرهم لجهة الانفتاح على الآخر ونبذ التعصب. وهذا انطبق على البحرينيين كما لم ينطبق على غيرهم. فمنذ أقدم العصور عـُرف أهل البحرين بالتسامح والتعامل مع الغريب بأريحية وود، وامتزجوا بثقافات الآخر دون عنصرية أو استعلاء. غير انهم -بسبب طبيعة ووضع بلادهم الجغرافي كأرخبيل- افتقدوا طويلا مزايا التنقل البري المريح إلى دول الخليج المجاورة والدول العربية. فمثلا من كان يريد السفر برا بسيارته إلى الكويت والعراق وسوريا والأردن وما ورائها من بلدان أجنبية كان عليه أن يشحن سيارته على ظهر أحد المراكب التقليدية من «فرضة المنامة» إلى «فرضة الخبر» أولا، ثم يقودها عبر الأراضي السعودية الشاسعة إلى وجهته. وكانت هذه العملية مكلفة ماديا إلى حد ما، دعك مما كانت تسببه من صداع وتأخير ومماطلة بسبب الإجراءات البيروقراطية وضرورة إبراز هذه الوثيقة أو تلك لاتمام رحلتك ورحلة سيارتك بنجاح. ويتذكر بعض من غامر ونقل سيارته بحرا في الستينات إلى الخبر بغية السفر بها إلى بلدان أخرى كم كانت عملية تحميل السيارة إلى المركب في المنامة وتنزيلها منه في الخبر محدقة بالمخاطر لعدم وجود الآليات والوسائل المناسبة لهذا الغرض وقتذاك. كل هذا بالطبع صار اليوم من الذكريات بعد افتتاح جسـر الملك فهد والذي أراح المتنقلين ما بين البلدين الشقيقين من صداع المراكب، وأهوال البحر، وطول زمن الرحلة، والإجراءات البيروقراطية الطويلة. لذا كان شاعرنا الشعبي الاستاذ عبدالرحمن رفيع صادقا حينما أنشد قائلا «إن البحرين قد سئمت قيود البحر حول معصميها» في إشارة بليغة إلى الانعتاق من البحر الذي كان حلما يراود البحرينيين، وتحقق لهم ببناء لسان إسمنتي يمتد بطول 25 كيلومترا في المياه الفاصلة بين البلدين الشقيقين. وبافتتاح الجسر اختفت «فرضة الخبر»، ومعها زالت «فرضة المنامة» لتصبحا أثرا بعد عين. وفي هذا السياق كتب الصديق الدكتور جاسم ياقوت، وهو ممن زاملتهم في الدراسة الابتدائية من أبناء الصبيخة في جنوب الخبر.. كتب بنبرة حزينة وهو يتأمل موقع «فرضة الخبر»: «هنا، قبل خمسين عاما، كنا نلعب على ساحل البحر مع أصدقاء الطفولة من أبناء الخبر.. ونشاهد السفن البحرية التي تنقل الركاب والبضائع بين دول الخليج، وقوارب الصيد والصيادين الذين يضعون الشباك، والغزل، وحظرات صيد الأسماك، كما كنا نشاهد نساء الخبر وهن يغسلن الأواني والملابس على سيف البحر». ويخطئ الكثيرون، عند حديثهم عن هذا الجسر الحيوي، بقولهم ان فكرته بدأت في الستينات حينما سافر المغفور له سمو الشيخ عيسى بن سلمان بحرا إلى الدمام في فبراير 1965 للسلام على جلالة المغفور له الملك فيصل الذي كان يقوم وقتذاك بأول زيارة له للمنطقة الشرقية بعد مبايعته ملكا، أو حينما قام سموه بزيارته الرسمية الشهيرة إلى شقيقه الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود في الرياض في عام 1966. صحيح أن مباحثات الزعيمين تناولت موضوع الجسر وسرعة تنفيذه، وصحيح أن شيئا من هذا القبيل دار بين الزعيمين حينما التقيا في يوليو 1973 في الرياض، طبقا للبيان المشترك حول الزيارة والذي جاء فيه «أن الجانبين أكدا عزمهما وتصميمهما على إقامة جسر يربط بين المملكة العربية السعودية والبحرين في أقرب فرصة بعد استكمال الدراسات اللازمة»، وصحيح أن الموضوع أعيد طرحه مرة أخرى أثناء زيارة المغفور له الملك خالد بن عبدالعزيز إلى البحرين في عام 1976، وهي الزيارة التي اتفق فيها الجانبان على تشكيل لجنة وزارية للعمل على تنفيذ الجسر بعد أن أنهى البنك الدولي دراساته حوله، إلا أن الصحيح أيضا هو أن أول من طرح فكرة المشروع ودعا إليه من منطلق حرصه على تعزيز وتمتين روابط البلدين والشعبين الجارين هو الملك سعود الأول حينما قام جلالته بأول زيارة له إلى البحرين كملك للمملكة الشقيقة في عام 1954. ففي الحفل الذي أقامه على شرفه الوجيه حسن المديفع بحضور المغفور له عظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ألقى جلالته كلمة سامية قال فيها: «إن الروابط بين البحرين والمملكة قوية ويجب أن نعمل على توثيقها، وقد كلمت عظمتكم من قبل بشأن مد جسر بين الخبر والبحرين ولاأزال عند رأيي بضرورة إنشاء هذا الجسر. وآمل أن تدرسوا هذا المشروع، وستساهم المملكة بقسط كبير من مصاريفه ..». وهذا الكلام ثبته الأستاذ صقر بن عبدالله المعاودة في موسوعته الضخمة عن «البحرين في صحافة الماضي»، وذلك نقلا عما ورد في العدد السابع من مجلة «صوت البحرين. وهكذا نرى أن فكرة الجسر كانت حاضرة في كل لقاءات حكام البلدين على مدى عدة عقود إلى أن وقع البلدان في أواخر سبتمبر من عام 1981 عقد إرساء المشروع على شركة «بالست نيدام» الهولندية لتنفيذ القسم الأول والأهم وهو المسار البحري بين الساحلين السعودي والبحريني «ابتداء من منطقة الجسرة في البحرين وانتهاء بمنطقة العزيزية في جنوب الخبر». وفي 11 نوفمبر 1982 تم وضع حجر الأساس لمشروع الجسر بحضور كافة قادة دول مجلس التعاون الخليجي يتقدمانهم المغفور لهما الشيخ عيسى بن سلمان وجلالة الملك فهد بن عبدالعزيز. وعلى إثر ذلك، وتحديدا في 27 فبراير 1983 تم وضع أول قاعدة للجسور الخمس الواقعة في المياه العميقة والتي تفصل الردميات السبع في المناطق الضحلة. وفي 11 إبريل 1985 قام سمو رئيس الوزراء الموقر الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة بالضغط على الزر الخاص بتركيب آخر قطعة خرسانية مسلحة ضمن قطع عدة مسبقة الصنع طول الواحدة منها 66 مترا وعرضها 11 مترا. أما يوم الأربعاء الموافق للسادس والعشرين من نوفمبر 1986 فقد كان يوما مشهودا في تاريخ البحرين والخليج كله، حيث اكتمل فيه الحلم، وتم الافتتاح الرسمي لمشروع الجسر الذي تكلف نحو مليار دولار، ولم تعد البحرين الدولة العربية الوحيدة المقيدة بحزامها المائي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها