النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11926 الخميس 2 ديسمبر 2021 الموافق 27 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ســـــــــارة!

رابط مختصر
العدد 8991 الخميس 21 نوفمبر 2013 الموافق 17 محرم 1435

سارة: اسم يستخدمه اليهود والنصارى والمسلمون.. كأن التسامح في الاديان في الحرية يجسد اسم سارة.. وكأن اسمها في حب الآية الكريمة (لكم دينكم ولي دين). وكانت سارة شابة في ريعان شبابها: كل شيء فيها يضج في صمت فرح انساني مبهر.. وهي ان بدت صامته فان نظرات عيونها تضج مبللة بفرح المطر في الحياة! وكان تكوين طفولة سارة انها: قصيرة القامة مكنوزة الجسد شعرها ينحدر مجدول الحلقات بلونه النبي مختالا خلف ظهرها! كل شيء فيها يخفق بهجة في بهجة نظراتها.. وفي حركة ايقاع توثب خطواتها.. وايماءة كفيها وذراعيها وزنديها المكنوزين بالعافية.. والممدودين لمساعدة الآخرين.. وكانت رغم سنها فقد كانت تساهم في الطبخ والنفخ والطحن والعجن وذرع البيت كنسا من اقصاه الى اقصاه (العسو) وفي فضاء (حوش) بيت واسع مترامي الاطراف. وكانت اكفنا واصابعنا وشفاهنا تسيل حمرة كالشفق عند مغيب الشمس ونحن نقضم بنهم ثمار (اللوز) الذين يتفجر دما تحت عضيض اسناننا وكانت سارة تفلق «عنقيش» اللوز بالصخر بمهارة وتدير لب اللوز علينا بالمساواة اولادا وبناتا دون تفرقة كأن المساواة خلقها الله في الطفولة.. لماذا يحنثون بعدالتها.. ويعتدون على مساواتها اولئك الذين يطلقون لحاءهم للشيطان. وكنا آنذاك عندما يأتي الرمد على عيوننا.. تدمع وتحمر وتلتهب عيوننا حرارة.. ما كانت لدينا مشافي ولا كان عندنا اطباء.. وكان البحر طبيبنا.. وكنا نذهب الى البحر نفتح عيوننا فيه ونغمضها ونغسلها بماء البحر ايمانا بشفائها.. وكانت سارة ترفع اطراف شعرها المجدول خلف ظهرها بيدها وتغط وجهها في البحر وتدعك عينيها في اجاج مائه.. وعلى ضياء القمر الساطع فينا نتذاكر الاهل والاصدقاء في لعبة المساءلة (ما ياتك سويرة أو بنتها.. عرفنا من تحتها): تلكم ايام خلت ومضت وانقضت.. واستوينا فيها ذاكرة واستوت فينا وتطاولنا عليها وتطاولت علينا وكنا نغرف ماء الطفولة بأكفنا ونرتوي من ماء طفولتنا بحلوها ومرها! عندما يبلغ المرء عمراً عتياً في حياته يعود لذاكرة طفولته يتجدد وتجدد ذاكرة شيخوخته فيها في همس عفو الخاطر.. وكان خاطري مشدود الخاطر برحيل سارة وانا ارى الحزن يتراعش في عيوننا نحن ابناء وبنات عترة سارة! وكنت في عزاء مهيب لرحيل سارة بعد ان عاشت في سبات ونبات وانجبت البنين والبنات في مديد عمر طويل.. وكنت اتحسس بهجة ذاكرتها في ذاكرتي: هي طيبة الطبع والتطبع في رقة بهاء انسانيتها وعذوبة نكران ذاتها لحساب ذات الآخرين.. كأن شيئا من خواص الله فيها.. وارى ان هناك خواص من خواص الله يأخذ مكانه في بعض البشر وليس كل البشر مطايا للملائكة.. وبعض البشر مطايا للشياطين. وارى ان سارة رحمها الله تحمل في شذرات روحها الطاهرة الرحوم الرحيمة شيئا من خواص روح خالقها.. ألسنا عيال الله.. اليس في عياله شيء منه؟! في العزاء جلست بجانب العم أحمد اسماعيل.. وكان كمن فقد روحه بعد رحيل سارة.. كأن روحه رحلت مع سارة.. فقد كانت رفيقة حياته في مرها وحلوها.. بل كانت تتجزأه ويتجزأها في مكابدة الحياة وعنائها.. وكانت خير عون له وكان خير عون لها.. اعان الله العم احمد اسماعيل واسكن سارة فسيح فراديسه والهم أهلها واولادها وبناتها الصبر والسلوان!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها