النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10971 الثلاثاء 23 أبريل 2019 الموافق 18 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

دروس المصريين والفيصل لكيري

رابط مختصر
العدد 8986 السبت 16 نوفمبر 2013 الموافق 12 محرم 1435

لم تكن جولة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الأخيرة للمنطقة كأي زيارة لمسؤول أمريكي، خاصة وان كيرى خرج بلهجة جديدة على المصريين غير التى اعتادوا عليها منذ ثورة 30 يونيو التي اطاحت بحكم الإخوان القصير. كما ان كيرى ردد على مسامع المسؤولين المصريين لهجة افتقدوها من الصديق الأمريكي، الذي اعلن تأييده لنظام الإخوان بقوة، بغض النظر عما اذا كان هذا النظام قد حقق إنجازات خلال فترة حكمه في مصر ام لا، ولم تكترث الإدارة الأمريكية بثورة المصريين، لانها جاءت على غير رغبة واشنطن هذه المرة، بعدما اتفق الأمريكيون مع الإخوان على تقسيم مصر، وإهداء جزء منها للفلسطينيين في اطار صفقة مع اسرائيل. واذا كان المصريون قد ملوا الصعود والهبوط في المواقف الأمريكية في السابق، فانهم في الوقت الراهن، أصبحوا يشعرون باستقلال قرارهم، وهو ما ذكره وزير الخارجية المصري أكثر من مرة خلال الأيام القليلة الماضية، وتأكيده ان القاهرة ستتبع سياسة خارجية جديدة، تعتمد على التنوع وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة. اذن .. القاهرة بدأت في تنويع سياستها، ورأينا هذا جليا في احتفاء مصر بزيارة الرئيس الروسي المرتقبة، حتى وإن كانت موسكو استغلت الفتور الحالي بين القاهرة وواشنطن لإحداث اختراق في علاقاتها بمنطقة الشرق الاوسط وتنويعها هى الأخرى بدلا من الاعتماد فقط على إيران وسوريا، وهو ما أساء لها كثيرا اقليميا ودوليا. فروسيا ستكون مستفيدة بلا شك بالتقارب مع مصر على حساب العلاقات مع أمريكا، لانها بالتأكيد ستوسع هى الأخرى مساحات النفوذ السياسي الروسي في المنطقة بعد تقلص مساحة سيطرتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بسبب التغيير الحاصل في سوريا، الحليف الاستراتيجي الأقرب لموسكو. ويبدو ان الخارجية الأمريكية بعد زيارة كيري، أوعزت للكونجرس بإعادة تفعيل علاقاته مع القاهرة بعد القطيعة الناشئة من قرار تقليص المساعدات الأمريكية لمصر على خلفية اصرار القيادة المصرية على محاكمة نظام الإخوان. ومن هنا، توجه أكثر من وفد أمريكي للقاهرة خلال الأيام القليلة الماضية ربما لإعادة المياه الى مجاريها، ولكن ربما بعد فوات الأوان فالمصريون يشعرون الان بحرية في اتخاذ قراراتهم بعيدا عن عمل حساب للعلاقات مع أمريكا، ولم يصبحوا كما كانوا في السابق سائرين في عجلة السياسة الأمريكية، وفرض إملاءات معينة قد لا تتناسب بالضرورة مع المصالح المصرية العليا. واذا كان كيري قد نجح فقط في القاهرة في تغيير اللهجة الأمريكية المتشددة حيال النظام الجديد في مصر، فانه فشل في إحداث اي اختراق في بقية الملفات المهمة في المنقطة، وعلى سبيل المثال، استمرت أزمة تعثر المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بسبب تعنت حكومة تل ابيب ومحاولتها تحميل مسؤولية فشل المفاوضات للجانب الفلسطيني، وكأن الفلسطينيين هم الذين استمروا في سياسة بناء المستوطنات.. حتى وإن كان كيري قد ابلغ ابو مازن رفض بلاده لهذه السياسة الاستيطانية، فانه لم يضغط على إسرائيل لوقفها. اما الأزمة السورية، فقد فشل كيري ايضا في توفير فرص لعقد مؤتمر جنيف 2، حيث ترفض بعض جماعات المعارضة السورية المشاركة بالمؤتمر واضعة شروطا مسبقة لحضورها، الامر الذي ينسف المؤتمر من اصله. فالرؤية الأمريكية غائبة تماما تجاه قضايا المنطقة، بما انعكس سلبا على تلك القضايا التي ازدادت في معظمها تعقيدا جراء هذا الغياب وعدم التفاعل الأمريكي معها. لماذا؟.. نظرا لان العلاقات الأمريكية مع أغلب دول المنطقة تتسم بالفتور مع أغلب هذه الدول حتى مع بعض الحلفاء المقربين وفي مقدمتها السعودية التي تأخذ على إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما ـ على سبيل المثال ـ تردد وتخاذل موقفها من التطورات الدامية في سوريا، وعدم اتخاذ خطوات فعالة لوقف مجازر بشار الأسد تجاه شعبه الاعزل. حتى ان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل حاول تذكير كيري في المؤتمر الصحفي المشترك عقب مباحثات الوزير الأمريكي في الرياض، بحكم الكارثة السورية «أزمة سوريا خلفت وراءها 140 ألف ضحية بالأسلحة الكيماوية والصواريخ الباليستية والقدرات التدميرية العالية، إضافة إلى أكثر من مليوني لاجئ، وهي أكبر كارثة حدثت في العالم في الزمن الحالي».. ولكن كيري لم يكترث بالجانب الاخلاقي والانساني. وحاول الفيصل تذكير كيري بالتاريخ «سوريا جزء من التاريخ الثقافي في العالم، ودمشق عاشت أكثر من أي مدينة في العالم، وهي موطن الثقافة والتعليم ويتم تدميرها حاليا بالقنابل العشوائية».. وهنا ايضا لم يكترث كيري لما ذكره الفيصل بان سوريا تمر بأسوأ كارثة للقيم الإنسانية، وان ذلك ضد قيم الحضارة والعدل. تلك القيم التي يتحدث عنها الأمريكيون فقط في اعلامهم وكتبهم، ولكنهم لا يتحركون لإنقاذ البشرية من ويلات الحروب. ومن الواضح ان الفيصل استغل المؤتمر الصحفي مع كيري لكونه منقولا على الهواء مباشرة ليلقن نظيره الأمريكي درسا في الدبلوماسية وتحذيره من ان اختزال الأزمة السورية في نزع السلاح الكيماوي الذي يعتبر أحد تداعياتها لم يؤد إلى وضع حد لإحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحالي، فضلا عن ان التقاعس الدولي في التعامل الحازم وتطبيق سياسة جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي، أبقى المنطقة تحت مخاطر تلك القنبلة الموقوتة التي لن تنزع فتيلها مساومات التعامل مع إفرازاتها أو مناورات الالتفاف عليها. لقد خرج كيري في جولته الأخيرة بدروس لم يعتد عليها في السابق، فقد أبلغه مستقبلوه في المنطقة ان المفاوضات (الأزمة السورية والملف النووي الايراني والقضية الفلسطينية) لا ينبغي ان تسير الى ما لا نهاية، خصوصا أن العالم بات يقف أمام أزمات جسيمة، لم تعد تقبل أنصاف الحلول بقدر حاجتها لتدخل حازم وحاسم يضع حدا للمآسي الإنسانية التي أفرزتها. كما تأكد لكيري ان القاهرة ترغب بجدية في استبدال التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة بآخر مع روسيا، رغم ان هذا التغيير السريع لهو أمر خطير في مجمل السياسات الخارجية للدول عموما. حتى وإن حاولت الخارجية المصرية شرح الموقف على انه مجرد تنوع وليس استبدالا، وان توسيع دائرة العلاقات الدولية افضل من تركيزها على منطقة واحدة، ولكن المؤكد ان القاهرة بصدد إعادة صياغة السياسة الخارجية بالكامل لتخرج من الإطار الضيق للتحالف الاستراتيجي مع أمريكا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها