النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

جميلة بوحيرد.. الزهور لا تذبل أبداً!

رابط مختصر
العدد 8985 الجمعة 15 نوفمبر 2013 الموافق 11 محرم 1435

في كهولته يتذكر «كمال عبدالجواد» - بطل ثلاثية «نجيب محفوظ» - ما انتهى إليه حال شقيقته «عائشة»، التي كان يحبها في طفولته، ويشغف بجمالها ورقتها وحنوها عليه، ثم ترصدها الزمن، ففقدت زوجها وابنيها في أحد الأوبئة، وأصيبت بحالة من الاكتئاب جعلتها تفقد اهتماهما بنفسها وبكل ما يحيط بها، فذبل جمالها الفتان قبل الأوان، وبدت وهي لم تكد تبلغ الأربعين كما لو كانت عجوزا في الثمانين.. وكان ذلك ما انتقل إليه - كذلك - حال «مريم» ابنة الجيران الجميلة، التي شغف بها شقيقه الأكبر «فهمي» وسعي لكي يخطبها، واتخذ منه رسول غرام يحمل رسائله إليه، ثم تقلبت الدنيا، ليراها «كمال عبدالجواد» بعد عشرين عاما، وهي تدير - أثناء الحرب العالمية الثانية - إحدي حانات وسط المدينة.. فيقول لنفسه أسيانا: كانت «عائشة» وردة.. وكانت «مريم» وردة.. ولكن الزمن عدو لدود للورود. وكان ذلك هو ما قلته لنفسي حين بثت بعض المواقع الاليكترونية في الأسبوع الماضي ما سمته «أنباء عن وفاة وردة الجزائر جميلة بوحيرد عن 79 عاما»، فتذكرت علي الفور الفتاة الجزائرية الجميلة، التي ألهبت خيالنا ونحن في مطلع الصبا، وظللنا لسنوات نتابع أخبارها ونعلق صورها علي حوائط جدران تنشع بالرطوبة، في الغرف التي كنا نتشارك في سكناها في أزقة المدينة الخلفية، ونحفظ ما قيل فيها من قصائد شعر، وبلغت عدة دواوين. وكانت البداية حين أعلنت جبهة التحرير الوطني الجزائرية في أول نوفمبر 1954، عن اشتعال الكفاح المسلح ضد الاحتلال الفرنسي الذي استمر - حتي ذلك الحين - ما يقرب من قرن وربع القرن، لتكون واحدة من سلسلة ثورات التحرر الوطني التي شملت شعوب المستعمرات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما لبثت حرب التحرير الجزائرية أن استقطبت مشاعر الشعوب العربية، وخاصة في مصر، التي ساهمت ثورتها آنذاك في دعم ثورة الجزائر بالمساعدات الدولية والإعلامية فضلا عن مدها - خفية - بالأسلحة. في تلك السنة انتمت «جميلة بوحيرد» - التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها - إلى صفوف جبهة التحرير الجزائرية، وكانت لا تزال تدرس في معهد لتصميم الأزياء، وخلال السنوات الثلاث التالية نشطت في مجال المقاومة المسلحة، ضمن مجموعة من الفتيات الجزائريات كن يساهمن في زرع المتفجرات في الطرق التي تستخدمها آليات جيش الاحتلال، إلى أن أصيبت خلال مطاردة قوات الشرطة لها بطلق ناري في كتفها، وتم القبض عليها وعلى أخريات، تعرضن لتعذيب وحشي، أسفر عن اعتراف بعضهن بأنها كانت تلعب دوراً رئيسيا في مجال المقاومة، فقدمت إلى محكمة حكمت عليها بالإعدام، وتحدد يوم 7 مارس 1958 لتنفيذ الحكم. وكانت محاكمة «جميلة بوحيرد» هي إشارة البدء لحملة سياسية وإعلامية دولية، للمطالبة بحفظ القضية ومعاملة المتهمين فيها معاملة أسرى الحرب تطبيقا لاتفاقيات جنيف بهذا الشأن وشملت الحملة فرنسا نفسها، فتطوع أحد المحامين الفرنسيين للدفاع عن «جميلة»، وساندتها الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي نددت بالإجراءات الوحشية التي اتخذت بحق المتهمين في القضية.. وتصاعدت هذه الحملة على نطاق العالم كله، ووصلت إلى ذروتها في العالم العربي الذي انتفضت شعوبه للدفاع عن حياة الصغيرة الجميلة الجسورة التي ملكت شجاعة الدفاع عن حق بلدها في التحرر من الاستعمار. في تلك السنوات - وكنا في مطلع الصبا نصغرها بخمس أو ست سنوات - أصبحت «جميلة بوحيرد» - التي أطلق عليها خلال حملة التضامن معها لقب «زهرة الجزائر» - هي فتاة احلامنا الشخصية والوطنية، إذ كانت مشاركة النساء العربيات في النضال الوطني والسياسي خاصة المسلح منه، لا تزال ظاهرة جديدة وإلي حد ما غريبة.. لذلك شددنا الرحال إلى كل الفعاليات التي كانت تقام آنذاك للتضامن معها، من جمع التوقيعات للمطالبة بالإفراج عنها، إلى الندوات والمظاهرات التي تهتف بسقوط الاستعمار - وبحياة شعب الجزائر، وبالوحدة العربية وضد القهر بكل أشكاله، لتتفتح قلوبنا وعقولنا وتتبلور مشاعرنا الوطنية والقومية، فتقودنا إلى الطريق الذي سرنا فيه بعد ذلك وأدمت أشواكه أقدامنا. في تلك السنوات، أصبحت «جميلة بوحيرد» تيارا في النضال من أجل الاستقلال والتحرير وفي الأدب والفن، وكان التضامن معها هو الذي قادني ذات مساء إلى أمسية شعرية عقدتها «جمعية الأدباء» بالقاهرة لهذا الغرض، واستمعت خلالها لقصيدة الشاعر الشاب ـ آنذاك ـ «أحمد عبدالمعطي حجازي» الشهيرة «القديسة» التي يقول مطلعها «لم تتحسس صدرها / حين اغتني وصار رمانا / ولم تكلم في أمور الحب إنسانا / فقد قضت عمرها حاملة رسالة من التلال / إلى مخابئ الرجال في المدينة / قديستي كان اسمها جميلة».. وكان التصفيق الحاد الذي أعقب إلقائه لها، إيذانا بميلاد جديد للشاعر الذي احتل مكانته بذلك ضمن رواد حركة تجديد الشعر العربي. وبعدها بفترة قصيرة نشر «عبدالرحمن الشرقاوي» مسرحيته الشعرية «مأساة جميلة» لتكون بداية محاولاته التي تتالت بعد ذلك، لتطويع الشعر الحر لضرورات الدراما المسرحية، والانتقال بالمسرح الشعري من المرحلة الكلاسيكية التي بدأها «أحمد شوقي» بمسرحياته الشهيرة اعتمادا على الشعر العمودي، ووصلت إلى طريق مسدود، مع مسرحيات «عزيز أباظة» الشعرية لتتأسس منذ تلك البداية مدرسة المسرح الشعري العربي التي تعتمد على شعر التفعيلة، وتضبط الإيقاع بين ضرورات الشعر وضرورات المسرح. في نهاية العام نفسه ـ 1958 ـ يعرض فيلم «جميلة» الذي أخرجه «يوسف شاهين» وكتبه «يوسف السباعي» و»عبدالرحمن الشرقاوي» و»نجيب محفوظ» وقامت ببطولته ماجدة وأحمد مظهر، ليكون أول فيلم تتكشف فيه الموهبة الاستثنائية التي يتمتع بها الفنان الكبير «محمود المليجي» الذي قام بدور المحامي الفرنسي الذي دافع عن «جميلة» بعد أن حبسته السينما التجارية في دور الشرير التقليدي المكرر. وصحيح أن حملة التضامن مع «جميلة بوحيرد» قد نجحت في تخفيف الحكم الذي صدر ضدها من الإعدام إلى السجن المؤبد، أمضت منها ست سنوات، إلى أن جلت فرنسا عن الجزائر عام 1962 فأطلق سراحها وصحيح كذلك أن الخبر الذي أذيع عن وفاتها هذا الأسبوع قد ثبت عدم صحته، إلا أن ذلك لم يحل بيني وبين التأمل فيما فعله الزمن بثورة الجزائر بعد انتصارها وانتهى بحرب أهلية دموية استمرت سنوات، وما فعله الزمن بثورات الربيع العربي، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لأقول لنفسي ما قاله كمال عبد الجواد، وأتأكد من أن الزمن فعلا عدو لدود للورود، لكن ذلك لم يفقدني الثقة بأن الزمن الذي يذبل الورود، قادر أيضا على إنبات ورود أخرى!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها