النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

بيزة على بيزة توديك عنيزة

رابط مختصر
العدد 8985 الجمعة 15 نوفمبر 2013 الموافق 11 محرم 1435

نشر الصديق خالد البسام قبل بضعة أعوام كتابا بعنوان «النجدي الطيب.. سيرة التاجر والمثقف سليمان الحمد البسام»، خصصه للحديث المفصل عن عائلة البسام النجدية التي استوطنت البحرين وصار ربها سليمان الحمد البسام «1888-1949» صاحب حضور إقتصادي وإجتماعي لافت للنظر فيها. وقد إستند المؤلف في بحثه عن جذور أجداده وكرمهم ووفائهم لأوطانهم الأصلية وهجراتهم وكفاحهم من أجل لقمة العيش في أصقاع العالم، وما تركوه من بصمات وسمعة طيبة أينما حلوا إلى مجموعة من الكتب والوثائق والمذكرات الشخصية، لعل أهمها ما كتبه المؤرخ المعروف لوريمر في كتابه «دليل الخليج»، وما كتبته ثريا التركي بالإشتراك مع دونالد كول في كتابهما الموسوم بـ»عنيزة ..التنمية والتغيير في مدينة نجدية عربية»، فضلا عما دونه الإمريكي جون فيلبي أو»عبدالله فيلبي» عن مشاهداته في عنيزة. وأتذكر أن الكتاب حظي بإهتمام الكثيرين لأنه يوفر للقاريء – من خلال مسيرة عائلة البسام التجارية – معلومات كثيرة عن أنماط الحياة وسبل المعيشة ورجالات القرنين الثامن والتاسع عشر في نجد والبحرين والهند. وما يهمنا هنا هو ما ورد في الكتاب عن البحرين بناء على تجربة التاجر القصيمي إبن مدينة عنيزة سليمان الحمد البسام فيها منذ أن وطأت قدماه أرضنا المباركة قادما من بمبي بحرا بتشجيع من والده حمد البسام الذي كان يقيم في الهند كتاجر شأنه في ذلك شأن الكثيرين من التجار النجديين والكويتيين والحجازيين والبحرينيين وغيرهم، وحتى وفاته بعد 61 عاما من حياة حافلة بالكفاح والصبر والنجاح والسيرة العطرة. يقول خالد البسام أن الكثيرين من أبناء عنيزة هجروا مدينتهم بحثا عن الرزق الحلال وهروبا من النزاعات السياسية التي أثرت سلبا على التجارة والزراعة في مسقط رأسهم، فكانت وجهتهم بلادا معروفة بإستقرارها ورخائها وتسامحها في القرنين الثامن والتاسع عشر مثل البحرين والعراق والشام والهند. وكان من بين هؤلاء «حمد سليمان البسام» الذي اختار أن يجرب حظه في التجارة من مدينة كلكتا الهندية بعد أن وصل إليها من عنيزة تاركا خلفه زوجته حصة وولده الصغير سليمان، ومحاولا ان يقتدي بمن سبقوه من نجديين ممن إستوطنوا موانيء بومبي وكراتشي وكلكتا من أمثال عبدالله الفوزان وصالح البسام وصالح الفضل. أما لماذا اختار هؤلاء الهند فلأسباب وعوامل عديدة منها أن الهند كانت في نهاية القرن التاسع عشر المركز التجاري والإقتصادي الأهم في عموم آسيا، بل وأيضا الملجأ الآمن للتجارة مع بلدان الخليج والجزيرة العربية، ناهيك عن أنها كانت وقتذاك مستقرة لأن حركة المطالبة بالإستقلال والتقسيم لم تكن قد تبلورت بعد. ومنها أيضا بيئة الهند المتسامحة المرحبة بالعرب والمسلمين، وقوتها البشرية الهائلة، والمساحات الزراعية الضخمة فيها، والصناعات التي راحت تغزوها، وتوفر وسائل المواصلات البحرية منها وإلى بلدان الخليج والجزيرة، وغير ذلك من المغريات التي حفزت تجار الخليج والجزيرة إلى إتخاذ الهند البريطانية مسرحا ومقرا رئيسيا لممارسة تجارتهم المتنوعة في تصدير المواد الغذائية ومواد البناء والأقمشة وغيرها إلى بلدانهم، واستيراد اللؤلؤ وغيره من المنطقة للمتاجرة به في أسواق الهند الكبيرة. في تلك الأيام كانت وسيلة الإتصال الوحيدة بين المهاجر وأهله في الوطن الأم الرسالة المكتوبة أو ما كان يُسمى بـ «الخط». وكان يستغرق وصول «الخط» إلى يد صاحبه مدة طويلة. لذا كان فرح «حمد سليمان البسام» بإستلام «خط» من زوجته حصة في صبيحة يوم ماطر من عام 1899 فرحا عظيما، خصوصا وأنه إحتوى على خبر ختم ولده الصغير سليمان للقرآن الكريم وإجادته للقراءة والكتابة، وهو ما كان ينتظره الأب بفارغ الصبر كي يدمج وحيده في التجارة التي كانت تمثل لآل بسام «عراقة يجب أن تتواصل، وسمعة طيبة يجب أن»تسري دماؤها في أوصال أبنائها». كان الطفل سليمان، الذي تركه والده صغيرا فلم يعرف سوى حنان الأم، يصبــّر نفسه على ملاقاة أبيه بتكرار قراءة رسائله إلى أمه، حيث كان يتسلل إلى صندوقها ويسحب منها تلك الرسائل ليقرأها على ضوء «التريك». وهكذا تولد لدى الصغير شغف بالقراءة سرعان ما أفضى إلى شغف بالبحث عن الصحف لقراءتها والبحث فيها، على الرغم من صعوبة مقالاتها ومفرداتها لمن كان في سنه ووعيه المحدود آنذاك، خصوصا وأن أول صحيفة مطبوعة شاهدها في حياته واستمات من أجل استعارتها كانت صحيفة «الأهرام» المصرية. وقد شكلت سنة 1904 المنعطف الأهم في حياة الطفل سليمان لأن أبيه أرسل في تلك السنة رسالة إلى أمه يطلب منهما موافاته في مكة المكرمة. وبالفعل سافر الطفل مع أمه على عجل من عنيزة إلى المدينة المقدسة برا في رحلة شاقة إستغرقت عدة أسابيع. غير أن المشقة الكبرى بدأت بعد وصولهما، إذ كانت مكة وقتئذ تئن من وباء فتاك، الأمر جعل الكثير من القوافل القادمة إليها تعود من حيث أتت. لكن حصة وسليمان أبيا أن يعودا دون ملاقاة حمد الذي كان قد طال غيابه في الهند. على أن فرحة سليمان بلقاء أبيه لم تدم طويلا لأن والدته سرعان ما توفيت بسبب إصابتها بالوباء المنتشر. وهكذا انقلبت فرحته إلى حزن ونواح لم يخفف منهما سوى روحانية مكة ومباهجها وأسواقها الملونة وحجيجها القادمين من مختلف الأصقاع بلغاتهم وملابسهم وعاداتهم المتباينة، فضلا عن صحفها التي وجد فيها أداة للتثقيف والمعرفة، ووسيلة يهرب بواسطتها من التفكير في والدته الراحلة. وبمعنى آخر، كانت رحلة سليمان الأولى خارج حدود عنيزة بمثابة مدرسة تعلم منها الكثير، ورأى من خلالها العجائب والغرائب. وكان لقاؤه الأول مع والده من بعد طول غياب مدخلا لإلمامه بشروط وأسباب التجارة الناجحة. حيث كان الأب ينصح ويرشد ويوجه ويزرع الثقة في ابنه، بينما كان الأخير ينصت ويستوعب ويسأل ويستفهم عما بدا له غريبا وغير مألوف من حكايات وعادات ومظاهر إجتماعية في مكان تجارة والده في كلكتا الهندية. المفاجأة التي لم يكن سليمان يتوقعها جاءت في أحد أيام الصيف من عام 1905 حينما طلب منه والده العمل في التجارة. وهو لئن رحب بالفكرة، إنطلاقا من فكرة غــُرست فيه منذ الصغر مفادها هو أن آل بسام خلقوا للتجارة، وأن التجارة مهنة يتوارثونها جيلا بعد جيل دون تعب أو شكوى، فإنه كان في الوقت نفسه غير متأكد من المكان الذي يود له والده أن يمارس التجارة منه، فكان تساؤله البريء: «في مكة يا أبي؟ في مكة أم في عنيزة؟». وهنا يسمع سليمان من والده المفاجأة الثانية وهو يقول: «لا في هذه ولا في تلك، وإنما في البحرين». كان سليمان قد سمع - بطبيعة الحال - عن البحرين، لكنه لم يكن يعرف عنها الكثير. لذا كان تساؤله: «ولماذا البحرين يا أبي وليس الهند كما فعلت أنت؟»، فجاء رد والده الفوري: «البحرين الآن تزدهر تجاريا ومرشحة لأن تصبح مثل الهند في الخليج ..هناك مستقبل تجاري واعد فيها، ولقد اخترتك للعمل بها من موقع خبرتي كتاجر في الهند». وحينما رأى الأب علامات القلق في عيني ولده أضاف: « لا تنسى أن الكثيرين من النجديين أصبحوا يعملون ويعيشون في البحرين، بل عندنا هناك أقارب سأرسل معك رسائل لهم، فلا داعي للقلق .. ستصبح إن شاء الله فيها تاجرا مرموقا». كانت الجملة الأخيرة كفيلة بإستدرار إبتسامات الرضا وعلامات الثقة بالنفس من سليمان. ويصف الصديق خالد البسام في كتابه رحلة سليمان من مكة إلى البحرين بالطويلة والمضنية، حيث كان عليه أن ينضم إلى قافلة من قوافل الجمال التي أوصلته من مكة إلى جدة أولا. ومن جدة كان عليه أن يمر على الهند للوصول إلى البحرين بسبب قوانين إستعمارية فرضها الإنجليز منعا لإبحار السفن ما بين بلدان الخليج مباشرة لدواع سياسية وتجارية. في أحد أيام شهر أكتوبر من عام 1905 وصلت الباخرة التي كانت تقل سليمان والمئات غيره من المسافرين إلى ميناء بمبي، حيث كان ذلك إيذانا بإنتهاء رحلة بحرية شاقة وسط رياح عاتية وضجيج لم يألفه صبي عنيزة، وبداية صفحة جديدة من حياته في عالم مليء بالغرائب. مرت أيام سليمان في بمبي سريعة وسط ترحيب معارف والده من التجار النجديين من أمثال «آل الفضل» والتجار الكويتيين ممن أقاموا له الولائم وطافوا به على شوارع وأسواق بمبي العامرة بمختلف السلع والبضائع التقليدية والعصرية، والتي اقتنى منها سليمان أول ساعة معصم في حياته. وحينما حانت ساعة التحاقه بالسفينة التي ستنقله إلى البحرين كان سليمان يحمل الحقيبة الصغيرة التي جاء بها من مكة، وكانت ممتلئة بالرسائل، إضافة إلى صرة من الذهب أعطاه إياها تاجر بحريني مقيم في بمبي لإيصاله إلى التاجرين «علي وأحمد بشمي» في المنامة. وكان في وداعه أفراد من عائلة الفضل الذين حزنوا لفراقه، طبقا لمؤلف الكتاب. كما أن سليمان بدا أكثر إرتياحا وهو يهم بالسفر صوب البحرين بسبب ما سمعه من التجار العرب في الهند عن مزايا البحرين، وجمالها كمكان مريح للعمل والإقامة، وسهولة تحقيق النجاح التجاري فيها، ناهيك عن سماعه لخبر القضاء تماما على وباء الطاعون الذي كان قد إنتشر في المنامة والمحرق في مايو من عام 1905. كانت رحلة سليمان إلى البحرين أسهل من رحلته ما بين جدة وبمبي، حيث كانت المسافة أقصر، والسفينة أسرع، والمسافرون أقل عددا، كما كان منظر بحر الخليج من مقعده داخل السفينة يبدو مريحا للنفس. وهو لئن إلتهى طوال الرحلة بالنظر إلى مياه البحر وأمواجه تارة، والنظر إلى ساعته الثمينة تارة أخرى، فإن فكره كان مشدودا نحو والده الذي ينتظر منه أخبار نجاحاته التجارية بعدما قدم له رأس المال المعتبر المفضي إلى دخول عالم التجارة بأقدام ثابتة. في البحرين، وقد كانت يوم وصول سليمان إليها في أوائل نوفمبر 1905 جزيرة هادئة ذات عدد قليل من السكان متعددي الأعراق والأديان، كان في استقباله صديق والده الحميم التاجر النجدي «منصور الخنيني» الذي كان وقتذاك يسكن بيتا مستأجرا من آل قصيبي في وسط المنامة بالقرب من المطبعة الشرقية. وكان أول ما فعله سليمان بعد أن وطأت قدماه أرض البحرين هو إيصال الأمانة التي حملها من الهند إلى عائلة بشمي. أما أول من قام سليمان بزيارته فقد كان المثقف النجدي الشهير، وتاجر اللؤلؤ المعروف «مقبل عبدالرحمن الذكير» الذي كان يلقب بـ «شيخ التجار» لأنه أقام في البحرين كتاجر منذ نهايات القرن التاسع عشر، واشتهر وسط ناسها وحكامها وتجارها بالأمانة والذكاء وسعة الإطلاع. بعد ذلك خصص سليمان جزءا من وقته للتعرف على أحوال البحرين وناسها وشيوخها وحكامها، بمساعدة من العائلات التجارية النجدية المقيمة في المنامة مثل: البسام، والزامل، والذكير، والقاضي، والروق، والعجاجي، والقصيبي، والسحيمي، والشبل، والتميمي، والسليم، وغيرها. فلاحظ أن النجديين الأغنياء في البحرين قلة، فيما الأغلبية الساحقة منهم هي من طبقة الفقراء والكادحين العاملين في مهن بسيطة، بالكاد توفر لهم لقمة عيشهم اليومية، مثل العمل كحمالين في فرضة المنامة أو كبحارة على ظهر السفن، أو كخياطين وفراشين وخدم، وكتبة عند التجار. وكان سبب ذلك هو أن البحرين كانت في ذلك الزمن قبلة الآلاف من شباب نجد – وخصوصا شباب عنيزة – من أجل تحسين أحوالهم وأحوال أسرهم المعيشية البائسة ، حيث كان هؤلاء مستعدين للإشتغال في أي مهنة وبأي أجر بهدف جمع القليل من المال شيئا فشيئا لإرساله إلى ذويهم المعوزين في نجد. ومن هنا شاعت في أوساطهم مقولة «بيزة على بيزة توديك عنيزة». وخصص سليمان جزءا آخر من وقته للعمل التجاري مع شريكه «منصور الخنيني» داخل دكان صغير في سوق المنامة لبيع البخور والعود والحرير المستورد من الهند. هذا الدكان الذي سرعان ما بدأ ينمو ويتوسع بفضل نمو الطلب على بضائعه من جهة، وحسن تعامل صاحبيه مع العملاء من جهة أخرى، ناهيك عن ذكاء سليمان الفطري وإلتزامه الدقيق بتعليمات وتوصياته والده، وفي مقدمتها إلتزام الأمانة، وعدم رد المحتاج. إذ ظل سليمان طيلة السنوات التي قضاها تاجرا في البحرين يتذكر كلمات والده وهو يقول له: «سمعتك وأمانتك أهم من أرباحك»، و»لاذهب ولا أكياس النقود تنقذك إذا ما انهارت سمعتك وفقدت مصداقيتك»، و»خسارة التجارة الحقيقية هي خسارة السمعة، وخسارة الخير الذي تقدمه للمحتاج». أما الجزء الثالث من وقته فقد خصصه لإشباع نهمه بالقراءة والإطلاع من أجل تعزيز معارفه وثقافته بأحوال العالم والشعوب المحيطة واستكشاف الفرص التجارية، خصوصا وأنه كان يتردد على مجلس «الذكير» العامر بشتى الصحف والمجلات المصرية والشامية «مثل المقتطف، والمقطم، والأهرام، والهلال، والمنار» التي كان «مقبل الذكير» يحضرها عن طريق الهند. وهكذا لم يأت عام 1910 ، وهو العام التي أرسل والده في طلبه إلى مكة لكي يزوجه، إلا وذلك الشاب اليافع ذو المدارك المحدودة والتجارب المتواضعة قد أصبح، بفضل ذكائه وتفانيه وحماسه وأمانته، شخصية تجارية مرموقة في البحرين، وصاحب خبرة في فنون ومهارات الإستيراد والتسويق، بل وأيضا صاحب علاقات ومعارف وطيدة مع مختلف فئات البحرينيين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها