النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الحوار الذي لم يبدأ أبداً­!

رابط مختصر
العدد 8981 الأثنين 11 نوفمبر 2013 الموافق 7 محرم 1435

دخل علينا ذات يوم واقفاً لا يجلس، حيّانا باقتضاب بارد وراح يجري إلى المكتب، أخذ قلما ورزمة ورق وبدأ يكتب ثم يكتب ويكتب.. في اليوم الثاني حمل رزمة الأوراق وبدأ يخطّ.. ثم جرى جرى مسرعا.. يوم الخميس الموالي جلس صباحاً، حليقاً، عليه بعض من وسامة، أشيب في العقد الخامس وملامح من حزن دفين تستغرق وجهه الأسمر تستولي عليه، كالفار من الحزن إلى الحزن. أصابني غرور طفولي وهو يعبّر عن إعجابه ببعض ما كنت أكتب ـ سريعاً مسرعا- لم تكن بيني وبينه صداقة ولا سابق معرفة، ولا حتى ودّ كبير، بيني وبينه مسافة والجري الهارب.. كان بيني وبينه «التقدير» و»التوقير»، وأكثر من عشرين مقالاً ـ غير موقعة أو موقعة، تلمّستُ ملامح وجهه من خلالها... تلمّستُ الأحزان المنتشرة في زمن النكوص عن الثوابت، والعطش الذي يبحث عن نبع لا يهتدي إليه.... تعرفت على معنى الهروب في الزمن العربي من عاصمة الى أخرى بحثا عن محطة للاستراحة والتقاط الانفاس، محطة تحرره من اللهاث الدائم. كان يكتب كما يقرأ..! أعجوبة في صناعة القول، تخرج الكلمات من تحت يده سبائك وعقوداً من جوهر، نصاً مصقولاً.. وعندما يكتب لا يبحث عن الكلمات وانما تأتيه سراعا وتنصاع إليه انصياعا..مصاب بهواجس العرب كلها بمعاناتهم وامراضهم ومخاوفهم وتعطشهم الى الحياة، هواجس لا حصر لها ولا عد.. يفكر في مائة مسألة في ذات الوقت.. ويكتب.. ثم يكتب قلماً لا يجف ويداً لا ترتجف.. أياما قليلة جلس معنا، لم نستكمل حتى قائمة جمل المجاملة في التعرف عليه، وفجأة غاب الغيبة التي لم نره بعدها.. قصة الموت البسيط المعتاد السخيف اللعين الغشاش الذي يدركنا في لحظة اعتقاد بأننا موجودون ملء الحياة وفي قلبها.. وهو هارب يجري فاراً من العقود التعسة.. ذاك الأحد.. استبد بي ألم الغياب.. هذا الرجل «الكبير» يقضي هكذا فجأة دون مقدمات، اسماً مفردا، معلول الأول والآخر.. يقضي مشتعلاً بنار قلبه الموجوع.. «سكتة» واحدة أراحته ذات ليل بارد من خطوات الطريق الطويلة.. نجمٌ كالحٌ يتوارى دون ضجيج.. لا أحد يسأل.. جثة ملقاةٌ في ثلاجة قصية لعينة باردة.. رقماً مجرد رقم. هكذا تكون السخرية..!! لا أحد يسأل.. لا أهل.. لا صديق ولا وطن.. مضى بعيداً ماراً كالنيزك المفرد.. خيالات أكلته وأحلام بقلم الرصاص ووليمة لم تكتمل. مضى منفردا عطشاناً في عالم الكتابة المظلم الظالم المليء بالدجل والتزوير والأكاذيب والتزلف والأمجاد المستعارة.. مضى دون أن يعثر على النبع المطلق الصافي.. إلا أنه وجد «هجعته» الأخيرة في ثلاجة الموت المحقرة لإنسانية الإنسان. أهكذا ينتهي القلب الذكي مفازة قفراء حتى من خفوق سراب. هكذا الرحيل، هكذا الغيبة!! عندما دخل علينا ذات يوم، بدا كأنني أعرفه منذ أربعين عاماً. طلب مني البيان والتبيين استعارة.. ومضى يقفز السلم والبصر زائغ لا يلوي على شيء. لم يسلم حتى، ثم غاب... الثلاثاء.. الأربعاء. الخميس.. الجمعة.. السبت لا تليفون. لا كلمة.. لا أحد يسأل. الأحد.. كلمة واحدة كطعنة السكين.. لقد مضى.. مجهولاً كما بدأ.. كما كان.. وحيداً... لم يحزنني الخبر، فقط أصابني بالشلل ليوم كامل...هذا الرجل الهارب.. كقبض الريح بالأمس كان يحلم ويرسم افاقه الجديدة في محطته الأخيرة التي جاءها ليموت فيها.. كان يرسم بقلم العقد الخامس والخمسين رؤى الليالي القادمة.. يحلم بهدأة. بمحطة أكثر هدوءاً وإنسانية.. فإذا به يجد فيها محطته الأخيرة. فارا من تعاسة إلى أخرى.. والبيان والتبيين «أجندته» الأخيرة.. كبير.. لكنه «تعيس»، كبير.. لكنه فقير، كبير.. لكنه مجهول.. طائر مجروح، في الليل يطلق الصرخات ويعذبه أن العيش حيث يستحيل الفكر محض تراب هو الموت الحقير.. ويتعبه أن القلب الذكي مفازة قفراء حتى من خفوق سراب. كان يبحث عن بوابة البحر الأخيرة فلا يجدها.. كان يركض.. وبأظافره ينبش بحثاً عن الخبزة الفارة نهاراً.. ويرجع كل ليلة خائباً يذكر بسيزيف الذي يحمل الصخرة قدراً.. ولكنه لا يستسلم إلى لعبة القدر المحتومة.. مثقل الجفون مضى.. جسداً لم يستنفد شهوته الأخيرة.. غريباً عن الديار يتأبط قدره المحتوم.. ويبحث عن قبلة أوجاع أخيرة، مضى عقوداً من الخيبات العربية وخواتيم أحزان وآلام.. يجري ويفر.. يرميه الميناء إلى الميناء، والمخفر إلى المخفر.. حقيبة سوداء تبحث عن نجعة أخيرة.. عندما سلّمتُه «الكتاب» إعارة، قال: أي شروح القرآن تفضّل؟ قلتُ: شرح الزمخشري، قال: وإذن أنت معتزلي؟ قلتُ: تقريباً، قال: إذن سيكون لنا حوار.. ومضى.. حوارا لم ينته، لم أره بعدها أبدا اختفى تبخر في الهواء.. وفي يوم.. لا أدريه، قضى.. قلماً واقفاً ومشروع كتاب لم ينه. سقط وحيداً مجهولاً.. جثة باردة في ثلاجة قصية.. لم يشفع له الكتاب ولا لائحة الاماني ولا خارطة الاحلام، و» سبحان الذي قهر عباده بالموت» ولا التبيين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها