النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الأب الروحي للمسرح الهندي.. سعودي من القصيم

رابط مختصر
العدد 8978 الجمعة 8 نوفمبر 2013 الموافق 4 محرم 1435

في الستينات من القرن الماضي كانت هناك عائلة تسكن في مبنى من ثلاثة أدوار مواجه لموقع مكتبة العائلة في الحورة بالمنامة. هذا المبنى كان قد بناه أجداد المصرفيين خالد وعصام جناحي في زمن كان معظم مباني البحرين يشيدها الجناحية من «هولة» بر فارس العربي. أما العائلة التي نحن بصدد الحديث عنها فهي عائلة «القاضي» السعودية المنحدرة من مدينة عنيزة بالقصيم، وكان أبناؤها وبناتها يتميزون في سلوكهم بالانفتاح والليبرالية الاجتماعية، بل ويتحدثون عدة لغات بطلاقة ملفتة للنظر من بينها الإنجليزية والفرنسية والهندية. وتشاء الاقدار ان يكون اول سفير سعودي في البحرين بعد استقلالها من هذه العائلة الكريمة. فمن أين تشربت العائلة مفاهيم الليبرالية الاجتماعية التي انعكست على كل أفرادها؟ وكيف استطاعت أن تتغلب على أسر المفاهيم البالية والمتزمنة وتخط لنفسها نهجا مختلفا؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من قراءة سريعة في تاريخ هذه الأسرة، وكيف أن ربها «حمد العلي القاضي» تيتم مبكرا بوفاة والدته وكانت من أسرة العثيمين المعروفة بتبحرها في العلوم الشرعية، فأرسله أعمامه إلى الهند للعمل لدى عائلة البسام المقيمة هناك، فتعلم في كنف هذه العائلة أصول التجارة والتصدير إلى أن أجادها فانفصل عنها ليؤسس تجارته الخاصة في بيع وتصدير الشاي والأقمشة وغيرهما من السلع بالتزامن مع العمل في الطب الشعبي ومعالجة الخيول، وليقضى حياته بعد ذلك في التنقل بين الهند وباكستان وتركيا والكويت والبحرين ولبنان من أجل التجارة. وفي الهند تزوج حمد القاضي من فتاة من سليلة أسرة النصار الكويتية التي أنجبت له ثمانية من الأبناء والبنات لعل أهمهم إبراهيم «أحد أساطير المسرح الهندي الحديث والذي سنتحدث عنه بالتفصيل لاحقا» وسليمان «من كبار رجال الأعمال في الكويت» وباسل «فنان تشكيلي متنقل ما بين أوروبا وأمريكا الشمالية» ومنيرة «فنانة تشكيلية». هؤلاء الأبناء والبنات أدخلهم والدهم أفضل المدارس الهندية وأرقاها إيمانا منه بأن العلم هو سلاح المرء الأهم لبلوغ العلا. فضلا عن ذلك جلب لهم مدرسا من السعودية، وأسكنه معهم في منزله في بونا الواقعة على بعد 150 كيلومترا من بمبي، لتعليمهم العربية والعلوم الدينية كي ينشؤوا على قاعدة صلبة، فكان الأبناء والبنات يعودون من المدرسة الهندية بعد نهار مضن في تعلم الإنجليزية والفرنسية والهندية والعلوم العصرية ليبدؤوا حصصا في اللغة العربية والقرآن والتفسير والحديث. وباختصار شديد فإن نبوغ وبروز أبناء وبنات حمد القاضي يعود إلى حرص والدهم على تنشئتهم تنشئة صلبة مدعمة بالعلوم والمعارف الحديثة، اما انفتاحهم فسببه ترعرعهم في بيئة تعددية متسامحة هي بيئة الهند المزخرفة، بدليل أن «حمد القاضي» كان يسكن في بونا في شقة ضمن مبنى يضم خليطا من الهندوس والمسلمين واليهود والإنجليز والفرس وطائفة البارسي «عبدة النار»، وكانت العلاقات بين هذا الخليط جيدة ومتماسكة ولا تشوبها امراض العنصرية والكراهية والاستعلاء. وبطبيعة الحال، فلو لا هذه البيئة لما استطاع الابن الأكبر إبراهيم بن حمد العلي القاضي أن يصبح فنانا شاملا، وعلما من أعلام الإخراج والرسم والتصوير والدراما والتراث والتحف الفنية وغير ذلك من المواهب التي تتطلب حسا إنسانيا مرهفا، بل ويصبح من أكبر المخرجين المسرحيين في الهند وأكثرهم تأثيرا خلال القرن العشرين - طبقا لموسوعة ويكبيديا الشهيرة التي اطلقت عليه لقب الأب الروحي للمسرح الهندي وأحد أهم الشخصيات الثقافية والفكرية في تاريخ الهند الحديث. ولد إبراهيم بن حمد العلي القاضي في عام 1925 في مدينة بونا الهندية وترعرع فيها ودرس في مدارسها قبل أن ينتقل في عام 1941 إلى بمبي للعمل مع والده وكذلك للالتحاق بأحد أشهر جامعات المدينة وهي «كلية سان زيفيير» التي درستُ فيها شخصيا لبعض الوقت وتخرج منها الوزير السابق الاستاذ عبدالنبي الشعلة. وفي السنوات المبكرة من حياته انخرط في النشاط المسرحي المدرسي بتشجيع من مسؤول المكتبة المدرسية الذي لايزال إبراهيم يتذكر أفضاله عليه. وفي هذا السياق أيضا يقول إبراهيم ان من الأمور الذي ساهمت في مسيرته المسرحية الفعاليات التي كانت تقام في بونا أثناء الحراك الشعبي من أجل الاستقلال عن بريطانيا في ثلاثينيات واربعينات القرن العشرين، ناهيك عن تعرفه أثناء سنوات دراسته في كلية «سان زيفيير» على «سلطان بادامسي» الذي يعد من أساطير المسرح الهندي. فهذا الأخير أثر فيه كثيرا وكان سببا من أسباب توجهه لخوض غمار الدراما والإخراج المسرحي، بل وسببا في اقترانه بأخته المصممة «روشان» التي أنجبت له ابنته آمال إبراهيم القاضي وهي الآن مديرة الكلية الوطنية للدراما، وابنه «فيصل إبراهيم القاضي» الذي يعمل كوالده في الإخراج المسرحي في الهند. ويبدو أن الهند اندمجت في إبراهيم القاضي وهو انصهر فيها فصار لا يطيق فراقها. وفي هذا السياق يروى أن أسعد لحظات حياته كانت حينما قرر والده العودة به إلى الهند من بعد محاولة الأب الإقامة في باكستان وتركيا اللتين لم يجد فيهما ما تعود عليه من نظام وتسامح وحريات. ألف إبراهيم القاضي نحو 50 مسرحية من تلك التي لم تبهت بمرور الزمن، ومازال الجمهور يطلب مشاهدتها، وتتلمذ على يده كبار المخرجين والممثلين على الساحة الدرامية والسينمائية في الهند. وهو لئن نفذ العديد من المسرحيات في بومباي بدعم من الجالية الفارسية التي تعشق المسرحيات المكتوبة بالانجليزية والمقتبسة من مسرحيات هوليوود وكلاسيكيات الغرب، ولا سيما مسرحيات الإنجليزي شكسبير والإيرلندي صموئيل بيكت، فإنه شعر لاحقا بضرورة تأسيس مسرح مستقل يحمل هويته وبصمته الخاصة، الأمر الذي دفعه للبحث في الثقافة العربية عن أفكار وروايات تصلح لتحويلها إلى أعمال مسرحية. وفي هذه الجزئية لعب والده «حمد القاضي» دورا كبيرا، حيث زوده لهذا الغرض بأمهات الكتب العربية التي كان يحتفظ بها في مكتبته الخاصة، كما ان والده حينما تيقن من ميله الشديد للفنون المسرحية لم يمانع من إرساله إلى بريطانيا لدراسة المسرح في الأكاديمية الملكية للفن الدرامي. وصادف أن كان الزعيم الهندي الكبير «جواهر لال نهرو» في زيارة رسمية إلى بريطانيا فالتقى بإبراهيم القاضي وطلب منه أن يعود بعد إكمال دراسته إلى العاصمة دلهي لعمل فرقة مسرحية، تاركا له الحرية المطلقة في اختيار الأعمال والأشخاص الذين يحبذ العمل معهم، وواعدا إياه بإعفائه من الرسوم والضرائب ومساعدته في إنشاء مكتبة مسرحية من أجل تأسيس مسرح جاد على أسس علمية وتقنيات متطورة يليق بريادة الهند الحضارية. وقد أوفى «نهرو» بوعده، إذ بمجرد عودة إبراهيم إلى دلهي وجد من يستقبله بحفاوة، ثم تلقى دعوة من وزارة التعليم الهندية لإنشاء الكلية الوطنية للدراما التي أصبحت فيما بعد تقدم شهادات وتدريبا لمدة ثلاث سنوات على مختلف فنون العمل المسرحي، وجذبت طلابا من مختلف أنحاء العالم، وساهمت في إحداث ثورة ثقافية في دلهي وتأسيس مسرح وطني حقيقي. وكانت مسرحيات القاضي تتميز بأنها ذات رؤية واحدة متكاملة بفضل المواهب المتعددة التي يمتلكها من إخراج ورسم وتمثيل وتصوير، كما كان أول من قام بتنفيذ مسرحياته في الهواء الطلق حيث أن طبيعة الجو في الهند تعتبر بيئة مناسبة لذلك. وكان «نهرو» وقتئذ مهتماً بالثقافة، بدليل حرصه على اصطحاب ضيوف البلاد لحضور أعمال إبراهيم القاضي المسرحية والافتخار بها أمامهم. ولم تنحصر جهود إبراهيم القاضي في الفن المسرحي، إذ برز عنده الاهتمام بجمع القطع التراثية والصور الفوتوغرافية النادرة حينما كان يتلقى تعليمه في لندن. فأنشأ معرض الفن التراثي عام 1978 بالتعاون مع زوجته روشان وكان ذلك نابعا من اهتمامه بقضية الفن المعاصر وتشجيعه لرواده. وعليه فقد أقام ونشر أكثر من 150 معرضا ومطبوعة، ودعم الكثير من المواهب الشابة وشجعها ونشر أعمالها. وكذلك أنشأ مؤسسة القاضي للفنون في نيودلهي وهي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى حفظ مقتنياتها من الصور النادرة والتراثية التي يزيد عن عددها عن 90 ألفا جمعها إبراهيم القاضي خلال ثلاثين عاما لخدمة الباحثين والمهتمين، وتعنى بأرشفة مقتنياتها، مراعية في ذلك الأهمية التاريخية والقيمة المستقبلية في القادم من الأيام. وهذه المؤسسة مقامة على مبنى من 3 طوابق وفي كل طابق مكان مخصص للقراءة يستخدمه الباحثون وتحتوي على آلاف الكتب النادرة عن التاريخ الهندي ويتم تحديثها شهريا. والجدير بالذكر أن هذه المؤسسة أقامت معرضا دوليا في مدينة نيويورك الأمريكية، وفيه تم عرض الآلاف من الصور الفوتوغرافية النادرة عن الهند وبورما وسريلانكا من تلك التي تعود إلى القرنين التاسع والثامن عشر للميلاد. وبما أن الهند دولة تكرم أبناءها الموهوبين ولا تميز بينهم -وإن كانوا من أصول غير هندية- فإنها منحت العديد من الجوائز لإبراهيم القاضي اعترافا منها بأفضاله على الهند. من هذه الجوائز: - جائزة بادما فيبوهشان للفنون لعام 2010 وهي ثاني أعلى جائزة مدنية على مستوى الهند وتسلم من قبل رئيس الهند شخصيا للفائزين. - جائزة بادما بوشن للفنون لعام 1991 وهي ثالث أعلى جائزة مدنية على مستوى الهند. - جائزة بادما شري لعام 1966. - جائزة هارموني للتراث لعام 1999 وذلك عن إسهاماته في الثقافة الهندية. - زمالة أكاديمية سانجيت ناتاك للإخراج من يد الرئيس الهندي في عام 1962. - جائزة تنوير سمان. - جائزة كاليداس سمان لعام 1986. - جائزة راتان سمان الهندية. - جائزة غورو شيشيا. - جائزة انديرا غاندي المقدمة من المؤسسة الهندية للفنون والتراث الثقافي. - جائزة حكومة دلهي للإنجاز. - جائزة جامعة بهارتي في كلكتا. إلى ذلك حصل القاضي على جوائز تقدير وتكريم من بريطانيا وفرنسا والنروج عن مجمل أعماله وإبداعاته وأنشطته الفنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها