النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

قضايانا القومية

رابط مختصر
العدد 8977 الخميس 7 نوفمبر 2013 الموافق 3 محرم 1435

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حرب أكتوبر 1973 كانت تسير الفكر العربي القضايا القومية الكبرى، وفي المقدمة منها كانت الثلاث الأساسيات: التحرر من القبضة الاستعمارية، الوحدة العربية، القضية الفلسطينية. ومع دخولنا عقد الثمانينات من القرن الماضي، عرفت منطقة الشرق الأوسط ثلاثة تحولات مصيرية مست جوهر تلك القضايا الأساسية: الأولى منها كانت القفزات السريعة المتتالية في أسعار النفط التي بلغت ما يقارب المئة دولار للبرميل الواحد، بعد ان كانت لا تتجاوز الدولارين. أما الثانية فهي انتصار الثورة الخمينية في إيران واسقاط حكم الشاه، بما كان يمثله من تحالفات سياسية في منطقة الشرق الأوسط، وكانت الثالثة، هي الدخول في مفاوضات السلام التي عرفت باسم محادثات كمب ديفيد، والتفرعات التي أفرزتها. هذه التحولات الأساسية وأخرى غيرها، تركت مجموعة من التأثيرات التي يمكن رصد الأهم منها في النقاط التالية: 1. قاد تراكم الأموال جراء وفرة الطفرة في أسعار النفط إلى انتقال مركز ثقل صنع القرار العربي القومي من الدول العربية الكبرى إلى تلك الصغرى، بفعل تراك الثروات النفطية في هذه الأخيرة، الأمر الذي أباح لها استخدام سطوة السيولة النقدية التي كانت بحوزتها في فرض سياساتها عند صياغة المواقف من القضايا المركزية العربية. هذه الدول النفطية العربية الصغيرة المحدثة النعمة، سيطر على سلوكها نوع من المراهقة الفكرية التي حرفت مسار الوعي القومي العربي عن قضاياه القومية، بعد توجيهه نحو تلك الثانوية. فشاهدنا تراجع قضايا التصدي للنفوذ الأجنبي والحد من سطوته على المقدرات العربية، لصالح الخضوع له تحت أوهام أنه مصدر تدفق تلك السيولة النقدية، والمتحكم في تدفقها إلى الجيوب العربية التي زاغت أبصار أصحابها، وأصبح تكديس تلك الأموال، ورفع أرقامها في المصارف الأوروبية أهم بكثير من المحافظة على الثروة القومية النفطية، وحسن التصرف في انتاجها، قبل التحكم في أوجه صرفها. وكرست تلك النشوة النفطية مقاييس سلوكية جديدة قائمة على الثراء المحدث القصير النفس غير القادر على التصرف الحكيم في تلك الأموال. تلاشت مشاريع التنمية القومية، واحتل مكانها اشباع الغرائز الفردية لمن تكدست بين أيديهم تلك السيولة النقدية. وسيطرت على الفكر العربي نزعة الاستهلاك في أوجه الحياة المتعددة، بما فيها الإنتاج الفكري العربي الذي انصرف من دعوات التبشير لمفاهيم التنمية القومية، إلى التبرير لسلوك النخبة العربية المحدثة النعمة، التي أتقنت فنون شراء الفكر كما لم يتقنه أحد سواها. 2. أدى انتصار الثورة الخمينية في إيران إلى انحراف الصراع القومي، بما ذلك القائم مع نظام الشاه من إطاره الوطني الصحيح، إلى شطره الطائفي البغيض. وكان لذلك التحول تأثيراته السلبية على مجرى الصراع ومحتواه، حيث تراجع الصدام مع القوى الخارجية لصالح الخلافات الطائفية الداخلية، فعرفت المنطقة العربية تشظيات سياسية فاقت في تأثيراته السلبية تلك التقسيمات التي أفرزتها اتفاقية سايسبيكو السيئة الصيت، التي كانت ثمرتها الكيانات السياسية العربية المصطنعة. فانكفأ الفكر العربي وتقعر لتأجيج الصراعات الطائفية، وتخندق مفكرو كل في معسكر طائفته، الأمر الذي حجب عنه إمكانية التفكير في القضايا العربية المصيرية. فاق الدفاع عن الطائفة، وحماية مكتسباتها الضيقة الأفق، والتباهي بانتصاراتها النزقة، كل ما هو سواه. وتحولت الأمة العربية من بحر متلاطم الأمواج إلى بحيرات ساكنة تحمي في مياهها الآسنة طحالب أمراض الطائفية التي مزقت الوطن، وشلت حركة أعضائه، وأفقدت عقله القدرة على النمو ومن ثم الإبداع. غابت بفضل ذلك عن الفكر العربي قضايا العرب المصيرية الكبرى كي تفسح في المجال الساحة امام تلك الصغرى التي أغرقتنا في صراعات ما زال العرب غير قادرون على التخلص من حبائلها، بل تدل كل المؤشرات أنهم ممعنون في الخضوع لقوانينها، والسير وفق آلياتها، إلى فترة يصعب التكهن بتحديد نهاياتها. 3. سرت لوثة الثراء النفطي، وتسربت جرثومة الفكر الطائفي إلى صفوف قضية العرب الأولى وهي فلسطين، فشاهدنا بروز العديد من التنظيمات الفلسطينية التي لم يكن هناك ما يبرر ظهورها سوى امتلاكها لقدرات مالية تدفقت عليها من أصحاب الثروات التي وفرتها لهم أموال الطفرة النفطية، وترافق ذلك مع بروز قوى أخرى، استمدت قوتها من الدعم الطائفي الأعمى الذي غشيت أبصاره فلم يعد يرى عدوه الصهيوني، فركز قوته على منافسه الفلسطيني. وانتشرت تلك اللوثة مترافقة مع جراثيمها في المنطقة العربية التي لم تعد، قواها ترى في الكيان الصهيوني العدو الأول، بل انخرطت بوعي أو بدون وعي في أتون الصراع الطائفي الفلسطيني. كل ذلك أدى إلى تفوق العدو الصهيوني ليس بفضل ما تحت سيطرته من إمكانات ذاتية فحسب، وإنما أيضا بفضل الوهن الذي دب في صفوف القوى المتقاتلة العربية، وفي المقدمة منها الثورة الفلسطينية. وتراجع الصراع مع العدو إلى مواقع متأخرة في قائمة أوليات حركة التحرر العربية، بل بات البعض منها يرى أن القضية الفلسطينية لم تعد من صلب مهماته النضالية. هكذا إذا تحول العرب إلى أمة مستهلكة مجردة من همومها التنموية القومية، تتنازعها الصراعات الطائفية، وغاب عن مهماتها موضوع الصراع العربي الصهيوني، تتقاذفها القضايا التكتيكية الصغرى. ولعل كل هذه الظواهر تفسر غياب ظهور قائد قومي عربي، أو تنظيم سياسي عربي، مثل أولئك الذين عرفتهم مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. باختصار تراجعت قضايانا القومية المصيرية لصالح تلك الهامشية الثانوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها