النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

تطويع الدين للسياسة

رابط مختصر
العدد 8976 الأربعاء 6 نوفمبر 2013 الموافق 2 محرم 1435

ندوة»علاقة الدين بالسياسة» والتي نظمها قسم العلوم السياسية بجامعة العلوم التطبيقية (المبنى الجديد بالعكر) بإدارة الدكتورة بثينة خليفة قاسم جاءت لتسلط الضوء على إشكالية كبيرة وقضية جدلية قديمة، وهي تأثير الدين والسياسة على كل منهما، خاصة وأن المنطقة العربية اليوم تعيش مرحلة (الربيع العربي) كما يحلو لبعض الدول الغربية وصفه، وهو في حقيقته تغير لهوية الأمة، إما للأفضل أو للأسوء حسب مصالح الدول الغربية. المنطقة العربية اليوم تواجه مشروعاً كبيراً تم الكشف عنه عام 2003 وهو ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد، وهو المشروع الذي بدأت خيوطه عام1998 حينما تم ضرب سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام بأفريقيا ثم مركز التجارة الدولي بنيويورك عام2001، واستطاعت الإدراة الأمريكية أن تحقق التغير بالمنطقة، أفغانستان والعراق، وكلفها ذلك الشيء الكثير من الخزانة الأمريكية، أما النسخة الثانية من المشروع فقد أطلق عليه ـ(الربيع العربي) لاعتماد التغير من القواعد الشعبية التي تم تحريضها وتأجيجها من خلال القنوات الفضائية ومراكز التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال الرقمي، فاستعاضت عنها أنظمتها بالفوضى الخلاقة!. لذا جاءت محاضرة (علاقة الدين بالسياسة) والتي حضرها عدد كبير من الطلبة لتسليط الضوء على المحرك الرئيسي للأحداث الأخيرة بالمنطقة، والمتأمل فيها يرى بأن اليد الطولى في ذلك هي القوى الدينية بالمنطقة، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين الأكثر تنظيماً وخبرة سياسية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. لا يختلف اثنان بأن الدين يعني الثابت والأصيل، وأن السياسة تعني المتغير والمتحرك، لذا لا يمكن التعامل مع أحدهما بآليات الآخر، فيجب أن تكون العلاقة توافقية بين الاثنين، فدولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي دولة مدنية حكمت بالشريعة الإسلامية حينما وضع دستور المدينة المنورة والمعروف بـ «الصحيفة»، وذلك لتنوع واختلاف أهل المدينة، ولم يعترض على ذلك الدستور أحد لما تضمنه من حقوق وواجبات للجميع مع أن المسلمين يمتلكون الدستور الالهي، القرآن والسنة. في تحليل تجارب الدول التي جمعت بين الدين والسياسة نجد أن الدول في التاريخ الإسلامي كانت على نموذجين، الأول وهو الأكثر انتشاراً واستقراراً لتوافق الجميع عليه هو التفرقة بين السلطتين (الدينية والسياسية) وهو ما كانت عليه الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، أما دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (وهي استثناء لا يمكن تكرراه) فقد كانت القيادة الدينية والسياسية في يد رجل واحد، فهو النبي والقائد، لذا السؤال المطروح اليوم هل يمكن أن نجد دولة تدار بقيادة دينية وسياسية في آن واحد كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ والجواب من الصعوبة بل من المستحيل ذلك، والسبب أنه لا توجد شخصية معصومة ومؤيدة بالوحي ومرسلة من السماء مثل النبي ليتمتع بالسلطتين الدينية (الإلهية) والسياسية (الشعبية)، لأنه لا يمكن التوافق على رجل واحد يتمتع بالسلطتين في آن. الإشكالية التي تواجهها أمتنا اليوم أنه بعد الفراغ السياسي بإسقاط بعض الأنظمة تتعارض السلطتان، الدينية والسياسية، فالدينية تريد مرجعية واحدة ثابتة لرجل واحد، والسياسية تتحدث عن حراك شعبي متغير، فتعارض الاثنين يحدث حالة من الفوضى والتخريب والتدمير لتغير هوية الأمة التسامحية مكسبها في ذلك أنها تعيش الربيع العربي!. في وقت قريب حين كانت القوى الليبرالية تسيطر على مراكز صنع القرار كانت تمارس إقصاء الآخر، واليوم حينما ظهرت قوى الإسلام السياسي على الساحة وقعت في نفس الخطأ، وهو الإقصاء، وكلا الطرفين يتعارضان مع مفهوم الديمقراطية والتعددية التي جاء بها الربيع العربي، فحالة الفوضى والخراب بالمنطقة اليوم تأتي بسبب استغلال الدين من خلال المنابر الدينية والجمعيات السياسية والصناديق الخيرية، وهذا مشاهد في المعارك السياسية والحملات الانتخابية، والمؤسف أن تستخدم الفتاوى الدينية والآراء الفقهية لتطويع الخصوم تحت قاعدة ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)، ولمن شاء فليتأمل في القوى السياسية الدينية حين تمارس العنف والتخريب والتدمير وإشاعة الفوضى، وتطلق أوصاف الكفر والفسق والفجور على خصومها بدوافع سياسية حزبية لا من منطلقات فقهية، وهي بذلك إنما تسيء للإسلام، وتزرع الفتن باسم الدين، والدين منهم براء. يثار تساؤل كبير إذا كنا لا ندعو لفصل الدين عن الدولة، ولا ندعو لزواج أبدي مطلق، إذا ما هي العلاقة بين الاثنين؟، والجواب هو أن مسؤولية الدين المحافظة على القيم الإنسانية مثل العدل ونصرة المظلوم ورعاية حقوق الإنسان، فالسياسة لا أب لها لذا تمارس كل شيء تحت مفهوم (فن الممكن) من هنا تأتي الحاجة إلى سياج أخلاقي يردعها عن ذلك، وليس هناك من رادع سوى التكاليف الالهية، وهو الدين!. لخروج الأمة اليوم من نفق الفوضى والتخريب والتدمير التي نشرها (الربيع العربي) يجب إبعاد الخطاب الديني التحريضي عن السياسة، نكرر الخطاب التحريضي!، ففي السنوات الماضية خرجت علينا مجموعة من الخطب المنبرية لتشعل نيران العداوة والبغضاء والطائفية، فمع أن الخطاب الديني راشد في ذاته إلا أن بعض الخطباء قد خرجوا عن دورهم الرسالي وهو تعزيز الأمن والاستقرار إلى دور المحرض على العنف والتخريب. لتقريب القضية فإن هناك من خرج في خطبه على ولاة الأمر، ومنهج المسلمين هو عدم الخروج عليهم لما يترتب ذلك من مفاسد كبيرة، والتاريخ الإسلامي يشهد على الكثير من الحروب والصراعات بسبب الفراغ السياسي الذي أحدثته تلك الممارسات، ولمن شاء فيتأمل في الربيع العربي-إن صح التعبير- ليرى حالة الفوضى والخراب التي أصابت تلك الدول حينما أسقطت أنظمتها بدعوى التغير. من هنا فإن الإنسان يأخذ الدورس والعبر من التاريخ وتجارب الدول، فالمجتمع المدني الذي توافق على الميثاق والدستور ومؤسساته الدستورية وسلطته القضائية يجب أن يعالج مشاكله من خلالها وبأدواتها وفي مؤسساتها، وليس من خلال الخطب والفتاوى، وليس في المساجد والجوامع ودور العبادة، فإن كل ذلك خروج على النظام والقانون!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها