النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حوار التوافق ليس تفاوضاً من أجل تسليم السلطة!

رابط مختصر
العدد 8976 الأربعاء 6 نوفمبر 2013 الموافق 2 محرم 1435

يفترض (نظريا على الأقل) أن يكون الحوار الدائم أداة أساسية للتفاهم داخل المجتمع، وكل حوار في العمل السياسي العقلاني يفضي بالضرورة إلى تسوية سياسية متوازنة وتوافقية، والتسوية تكون في شكل حلول وسطى للوسطيين العقلاء بالضرورة، ونستبعد من هذه المعادلة جميع المتطرفين والاقصائيين والتكفيريين من جميع الأطراف وحالات الطيش العرضية وعوارض الأحقاد الطارئة التي تحول دون رؤية المصلحة الوطنية. الحوار يظل هو الطريق لمعالجة الأزمة المتراكمة منذ فبراير 2011، فلا العنف يحل المشكلة ولا المعالجة الأمنية إذا طالت يمكن لوحدها أن تحل المشكلة، الحل في النهاية يجب ان يكون سياسيا لان الأزمة- مهما اختلفنا في توصيفها وفي أسبابها القريبة والبعيدة الحقيقية منها والمفتعلة - هي أزمة سياسية بالأساس. فهنالك اختلاف في الرؤى وفي المنظور المطروح للحل السياسي، والاختلاف لا يشمل العلاقة بين السلطة والمعارضة فقط، بل يشمل أيضا العلاقة بين المعارضة ومختلف المكونات السياسية الأخرى (ولا نتحدث هنا عن طوائف وإنما عن جمعيات وحساسيات سياسية واجتماعية وفكرية لها عمق اجتماعي مهم ولا يمكن تجاهله فما بالك القفز عليه)، وهذا الاختلاف لا يمكن تجاوزه إلا بالجلوس إلى طاولة الحوار الوطني الشامل المحكوم بتوافقات الضرورة، وتوافقات الضرورة التي نقصدها هنا هي حلول الوسط بين مختلف الرؤى والآراء، لأن الحوار لا معنى له وقيمة إذا كان القصد منه أن يفرض طرف ما أجندته بالكامل (أو مطالبه بشكل حرفي)، فذلك لا يحدث إلا عند توقيع اتفاقيات الاستسلام في الحروب الطاحنة.. أين تكمن المشكلة إذن؟؟ المشكلة أن بعض تلك المواقف والمطالبات التي كشفتها أشهر الحوار المنصرمة ذات طابع غير توافقي، تضع شروطا مسبقة تصادر مسبقا ما يمكن او ما يجب ان يتوصل إليه هذا الحوار، هذه المواقف تعاني من ضيق في الأفق، ففي الوقت الذي تقبل بالحوار التوافقي، لا يبدو الحوار بمعناه الفكري والسياسي والإنساني المنفتح يخطر ببالها، فهو عندها مجرد صيغة مغلفة تصر على ثنائية السلطة -المعارضة فقط، هو إذن أقرب إلى (التفاوض من اجل تسليم السلطة) مع الاستمرار في ممارسة أفعال تتم خارج (الإيقاع)، بمعنى التئام الكلمة على حفظ السلم الأهلي وتحقيق العدل والأمن والاستقرار للبلاد والعباد، غير عابئة بما تحقق، وغير عابئة بحساسية ورهافتها في مجتمع منقسم أو شبه منقسم حول الحلول والمخارج. السلطة من جانبها تجد صعوبة في إعادة بناء جسور الثقة مع المعارضة بعد الأحداث المؤسفة وبعد تردد المعارضة أمام فرص الحوار المتكررة، واستمرار شكوكها ومخاوفها المشروعة وغير المشروعة حول مخرجات الحوار قبل أن يصل إليها المتحاورون.. في حين أن المشكلة لا يمكن أن تحل إلا بعد قبول الجميع - وليس المعارضة فحسب - بحلول الوسط في المسألة السياسية، دون شروط مسبقة إلا من المبادئ الأساسية والتي يمكن في ضوئها وخلال الحوار الجاد تقسيمها الى مجموعات مرحلية، لبناء جسور الثقة واستعادة الاستقرار واتخاذ إجراءات متزامنة لخلق انفراجات جديدة على كافة الصعد، أولها الإقرار بثلاثة أمور لا مجال للمناورة إزاءها: احترام القانون والالتزام به - رفض العنف والتحريض وإدانته والتبرؤ منها - وحتمية الشراكة الوطنية في بناء الديمقراطية التوافقية. إن الحوار السياسي يقتضي بالضرورة وجود سياسيين عقلانيين (براغماتيين ولا أيديولوجيين) على استعداد دائم للتواصل وللوصول إلى حلول وسطية، وهذا للأسف غير موجود دائما، وسط تغول المتخندقين عقائديا على الحياة السياسية، في حين أن السياسي المحترف يفترض به أن يمتلك من الوعي السياسي والقانوني ومن القيم الأخلاقية، ما يجعله مدركا للعواقب ولشروط العمل السياسي وحدوده، ومؤمنا بضرورة الوصول إلى الحلول بالتفاوض، بل ويكون مستعدا للتراجع عن المواقف الخاطئة عندما يتبين خطؤها، أو عندما يتبين أن المصلحة الوطنية تقتضي التنازل أو التراجع أو التسليم من اجل هدف اسمي واكبر، وهو استعادة الأمن والاستقرار والأمان واستعادة الناس لاطمئنانهم على مستقبلهم ومستقبل أولادهم في ظل دولة العدالة والديمقراطية والحرية والتسامح التي يساهم الجميع في بنائها والمحافظة عليها... ليست المشكلة إذن في الحوار نفسه حتى وان بدا متعثرا، في ظل غياب منطق المصلحة والاحتراف في السياسة، لكنَّ القضية الكبرى هي ما الذي سيُسفر عنه هذا الحوار من نتائج عندما يكون المتحاورون (مغلقين)، وغير مستعدين للتحرك أصلا، فهم يقدمون مطالبهم على أنها خط نار، ومفاتيح السحر لكل الأزمات الراهنة والمستقبلية: ما هي سقوف المطالب؟ وما هي حدودها في الحاضر والمستقبل؟ وما هو أفق الاستجابة إليها في الحاضر والمستقبل..؟؟ المهم... أن الحوار يظل مطلوبا لذاته، وليتحاور المتحاورون، من اجل الحفاظ على كيانهم ووحدتهم ومصالحهم وسوف تتضح الصورة، وكل طرف يضع أسئلته ومطالباته وتطلعاته المشروعة وغير المشروعة على الطاولة، المهم ان يستمر الحوار ولا يتم تعليقه.. والمنطق يقول إن كل من يؤمن بالحوار وجدواه، ويؤمن بالشرعية وبالأطر القانونية وبالعمل الديمقراطي، يجب أن يكون جزءا من الحوار الوطني الذي لا إقصاء فيه، ولا استبعاد لأي طرف جاد، طالما انه مستعد للقبول بمبدأ التوافق الوطني في اتجاه الإصلاح والديمقراطية والمشاركة الواسعة والعدالة الاجتماعية واستعادة الوحدة الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها