النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مطارحات

مساواة بين مواطنين وليس بين طوائف

رابط مختصر
العدد 8974 الأثنين4 نوفمبر 2013 الموافق غرة محرم 1435

شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية – ولأسباب محلية وإقليمية ودولية مختلفة- تنام غير مسبوق على الصعيدين السياسي والإعلامي للغة الطائفية وللمنطق الطائفي وللتصنيف الطائفي للمواطنين، وانحدارا مدهشا في خطاب الوحدة والتضامن والتسامح، بما قاد إلى تصنيف التجار والفضاءات والمناطق و الصحف والأقلام والمقالات والأسماء طائفيا، وأصبح الصحفي الذي يفترض به الاشتغال بقيادة الرأي العام نحو قيم العدالة والتسامح والمساواة، يشتغل صراحة في الترويج والدفاع عن الطائفة بدل الوطن، وعن الطائفة بدل الدين، وعن الطائفة بدل قيم العدالة، وعن المحاصصة بدل الكفاءة وتكافؤ الفرص، بل رأينا وقرأنا وشهدنا غرائب لا تصدق وكتابات مدهشة في انحدار لغتها التي تطل علينا من حين لآخر أو تنشط في المناسبات، أو تجيش المشاعر وتفتعل الحملات، لم تعد مجازاتها وإيحاءاتها خافية عن احد، لكونها في تقاطع تام مع تاريخ آخر لا اسم له سوى تاريخ الأوهام، الذي تصول وتجول فيه الكتابات الطائفية المتكاثرة هذه الأيام، وهي كتابات تعي طائفيتها فيدافع عنها أصحابها، من خلال حملات معلنة ومنسقة تحت شعار «إما نحن وإما هم»، وبعضها أكثر حياءً فيتستر بمسميات وعناوين مظللة، تفترق عن الخطاب الطائفي التقليدي والذي قد يصنف ضمن ما يمكن تسميته فلكلور الشتائم الطائفية المتبادلة، مع إن الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له. إن هذا الانحطاط في اللغة في مستوى التحرير الصحفي يرتبط ولا شك بانحطاط الخطاب السياسي عامة، ولكن الأسوأ منه أن بعض المسؤولين على التحرير يبدو أنهم لا يقرأون ما ينشر في صحفهم من مهاترات وترهات وسخافات تكرس كافة أنواع التمييز والطائفية والاعتداء على الناس أفرادا وجماعات، وذلك لأسباب عديدة، ترتبط بمستوى الانشغال والأعباء، ولكن المسؤولية على التحرير اخطر واهم من مسؤولية التحرير نفسه.. واذكر في هذا السياق أنني منذ أكثر من سنتين قد أرسلت إلى احد الإخوة الزملاء في إحدى الصحف نسخة من مقالة منشورة في الصحيفة التي يعمل بها بعد أن أخفيت ما يشير إلى الصحيفة والكاتب، وطلبت منه إبداء رأيه في المنشور، فما كان منه إلا أن عبر عن غضبه وسخطه بشأن الكلام الفارغ والخالي من أي ذرة من الفكر أو المنطق أو القيم، والوارد في المقال المذكور، وبعد أن انتهت سورة الغضب تلك، أبلغته بان المقال منشور في الصحيفة التي يعمل بها– ويتحمل فيها جانبا من المسؤولية- فاسقط في يده ولم يصدق ذلك، وهذا مثال واحد على خطورة ترك مسؤولية توجيه الرأي العام للجهلة والحمقى ومجانين الطائفية والعنصرية، ولقد رأينا وقرأنا ما يكتبه كل يوم عدد من الحمقى، ممن سيطرت على عقولهم الولاءات الطائفية فأعمتهم، حتى باتوا يبدون مواقف عدائية من القضايا المبدئية والأخلاقية « مثل المساواة والحرية والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص والديمقراطية والحرية والتسامح والوحدة الوطنية....» لأنها ببساطة تخالف ما درجوا عليه من قناعات طائفية ضيقة الأفق، فليس من العيب أن يتعاطى الإعلامي السياسة، ولكن من المعيب أن يتحول إلى بوق للنزعات الطائفية، ومدافعا عنها ومبررا لها مهما كانت الأسباب، ولذلك لا غرابة أن يسود اليوم منطق غريب العديد من الكتابات والمنتديات والخطابات، يدعو صراحة إلى نوع من المحاصصة الطائفية في كل شيء، بغض النظر عن مبادئ الحاجة والأولوية والكفاءة وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد. وهذا المنطق المستشري يدعو الدولة صراحة إلى توزيع المناصب والمكاسب على أساس طائفي صرف، معتقدا بان هذا النوع ذلك يؤسس للديمقراطية، والحقيقة التي لا مراء فيها أن الديمقراطية لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام الدولة والقانون، والشرط الضروري لهذه المساواة هو إلغاء كل وسيط بين الفرد والدولة، هذا الوسيط هو الطائفة في المجتمع الذي ينظم نفسه على أساس الطوائف، وفي مثل هذا المجتمع لا تتعرف الدولة على الفرد إلا كعضو في الطائفة، والفرد يكون انتماؤه للدولة «الوطن» من خلال الطائفة، وتكون فرديته من الناحية القانونية والاجتماعية ناقصة، كما يكون انتماؤه الوطني ناقصاً، وفي غياب الإرادة البشرية ليس هناك مجال للحرية والديمقراطية، وحينذاك لا يكون هناك وطن، بل فئات اجتماعية تشكل مؤسسة، تسمى دولة، لكنها مؤسسة مهددة و معرضة للانهيار والانقسام في أي لحظة، وفي أول امتحان أو مواجهة أي تحد حقيقي. إن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة لا يؤدي إلى الديمقراطية، لأن الديمقراطية مساواة بين أفراد وليست بين طوائف. فالطوائف كمؤسسات ذات كيان سياسي واجتماعي وحقوقي تشكل تعدياً على مجال نشاط الدولة ومسؤولياتها وعلى مجال الاختيار الفردي. وقد أكدت أحداث لبنان والعراق في أكثر من مناسبة أن المنطق الطائفي يفضي في النهاية إلى الانفجار ويمنع التطور الاجتماعي والسياسي بالشكل الذي يتماشى مع حركة التاريخ والتقدم نحو المدنية حيث لا يستطيع النظام الاجتماعي الصمود حين تبلغ الاتجاهات والأفكار الطائفية درجة الغليان، يكون الانهيار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا