النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

لك قسم في قسم في قسمين

رابط مختصر
العدد 8972 السبت 2 نوفمبر 2013 الموافق 28 ذو الحجة 1434

إستكمالا لما كتبناه في الأسبوع الماضي عن الهند وأفضالها على خليج الآباء والأجداد، لابد من التذكير بأن قسوة الحياة وشح الموارد في الخليج قبل اكتشاف النفط، جعلت أبناءه يتجهون إلى التجارة البحرية والغوص على اللؤلؤ والصيد البحري لتوفير مستلزمات الحياة الأساسية. ومن هنا كان لابد من توفير الوسيلة أي المراكب والسفن الشراعية. وهذه كانت تستلزم توفير خشب الساج، والمسامير القوية الطويلة، والفتايل أي الخيوط القطنية اللازمة لملء الفراغات، والحبال، والنسيج لصناعة الأشرعة، وزيت الصل المستخرج من الأسماك ومعه «الشونة» المكونة من خلط الجير والدهن لطلاء الجزء السفلي للسفينة بهدف مساعدته على مقاومة ملوحة البحر وغير ذلك من السلع والأدوات والآلات من المنشار والمطرقة والرندة والمثقاب والمجداح إلى الميبر وهو إبرة خياطة الأشرعة وغيرها مما كان مصدرها الوحيد آنذاك هو الهند. ولما كان استيراد مثل هذه الأدوات يتطلب توفر المال فقد إعتمد الرعيل الخليجي الأول على التجار الهنود وبعض التجار العرب في بمبي لجهة الإقتراض. وكان هؤلاء لا يترددون في الإقراض لعلمهم المسبق بأن المراكب التي ستصنع سوف يتم إستخدامها في الإستيراد من الهند أو تصدير التمور إليها، أو في صيد اللؤلؤ الذي سيباع في الأسواق الهندية. وهكذا بنى الخليجيون الاوائل السفن والمراكب مختلفة الأحجام والأنواع والوظائف مطلقين عليها أسماء متنوعة مستمدة من صفاتها أو مستمدة من مهامها وتفصيلات شكلها الخارجي. من هذه الأسماء الداو (كلمة أطلقها الإنجليز على السفينة ذات الشراع المثلث لتشابهها مع المركب الزنجباري المعروف بـ «الدو» في اللغة السواحيلية)، والبانوش (مركب ذو مؤخرة مربعة)، والبغلة (من أكثر السفن شيوعاً والأضخم وزنا وحمولة إذ كانت حمولتها تصل إلى ما بين 130 و300 طن، كما كانت الأكثر زينة وزخرفة، وهي مجهزة بصاريين أو ثلاثة وسطح كامل ومقدمة واطئة وتتميز بسطح المؤخرة العالي، وقد عــُرفت البغلة في الخليج في بداية القرن السابع عشر بعد أن قام بحارة عمانيون بزيارة ورشات بناء السفن التابعة لشركة الهند الشرقية الانجليزية في بمبي واستطاعوا أن يصنعوا شبيهاً لها) والبوم (وهو مركب يتميزبرأس المقدمة المدبب، وعادة ما يطلى باللون الأسود، ويستخدم في أغراض التجارة وصيد اللؤلؤ، وهو ما تحدث عنه الشاعر خالد الفرج حينما قال: ولا تتصورن البوم طيرا .. فماهو غير فلك ذي شراع) والغنجة (وهي سفن شراعية للشحن)، والسنبوك والجالبوت (وهما من المراكب ذات الأحجام المختلفة التي تستخدم في صيد اللؤلؤ، علما بأن السنبوك كان يستخدم في الرحلات التجارية الأبعد وكانت حمولتها تتراوح ما بين (20 ـ 150 طنا) والشوعي والبدن ( وهما من مراكب صيد السمك التي تستخدم فيها الأشرعة والمجاديف معا حيث المجاديف ضرورية عند الإقتراب من الشاطيء أو حينما تكون الرياح غير مواتية)، والبتيل والبقارة وأختهما البلم (وهي من المراكب متوسطة الحجم التي تستخدم في صيد اللؤلؤ والنقل البحري علما بأن البتيل هو مركب مدبب الطرفين مقدمته طويلة ومرتفعة تشبه رأس الكمان المقوس وقائم مؤخرته عال وله صاريان مائلان إلى الأمام)، والشوعي (وهو سفينة صيد صغيرة تصلح لجميع الأغراض ذات إرتفاع منخفض ورأس مستقيم بقوس مزدوج أي على خلاف السنبوك الذي ينتهي بقوس مقعر مفرد، ورأس المقدمة في الشوعي يدهن عادة باللون الأزرق وله مؤخرة مسطحة مع ألواح بارزة شبيهة بالزعانف الخشبية وتصلح لجميع الأغراض)، والهوري (وهو قارب صغير منحوت من جذوع الأشجار بطول 10-30 قدما، ويستخدم في صيد الأسماك ونقل البضائع إلى مسافات قصيرة). هذا إضافة إلى «الغراب» الذي كان يصنع في مسقط ويــُستخدم في الحروب وأيضا في صيد اللؤلؤ، ومما يذكر أن إمام مسقط أحمد بن سعيد الذي عاش ما بين عامي 1714 و1775 جهز غرابا في عام 1754 بالرجال والمدافع والذخائر ووجهه نحو ممباسا لإخماد ثورة نشبت فيها ضد حكم العرب من آل بوسعيد. ويقول الذين كتبوا في تاريخ النقل البحري في الكويت والخليج (مثل المحيربي) أن رحلة السفن التجارية الخليجية إلى بمبي كانت تستغرق ما بين 10 أيام إلى شهر، وأن محطة الوصول الأولى كانت ميناء كراتشي ثم ميناء خورميان الباكستاني الذي يبعد عن كراتشي مسافة يومين بالمراكب الشراعية، وأنها كانت تحمل في رحلة الذهاب إلى شبه القارة الهندية التمور التي كانت لها سوقا رائجة بسبب إستخدام الهنود لها في طقوسهم الدينية، بينما تحمل في رحلة الإياب مختلف أنواع السلع والبضائع هندية المصدر مثل الأرز والشاي والسكر والبهارات والفحم والمنسوجات والعطورات والحراير. ويضيفون قائلين أن تجارة اللؤلؤ شهدت أزهى سنواتها في عام 1913 حيث كانت هناك أكثر من ثمانمائة سفينة صيد كويتية وخليجية، وأن هذه السفن كان يعمل عليها نحو 15 ألف غواص ممن حققوا مبلغا إجماليا وصل إلى نحو ستة ملايين روبية في ذلك الموسم. أما الكاتب الكويتي الصديق خليل حيدر فيقول نقلا عن كتاب «الإمارات في ذاكرة أبنائها» لمؤلفه الإعلامي الإماراتي عبدالله عبدالرحمن رحمة أنه حينما كان الغوص يتوقف في الخليج شتاء كان البعض من الغاصة الإماراتيين يذهبون للغوص في سيلان التي كان بحرها غنيا باللؤلؤ، قبل أن يمنع المستعمر البريطاني الغوص فيها نهائيا. وهذا الكلام يؤكده المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان الذي يخبرنا، في كتابه عن تاريخ الغوص في الكويت، أن بعض الكويتيين كانوا يذهبون للغوص في سيلان جماعات وفرادى، مشيرا إلى أحد هؤلاء ويدعى عثمان بن إبراهيم الخراز الذي سافر إلى هناك بالباخرة في عام 1904 مع نفر من أصدقائه بدون جوازات وبأجر زهيد (12 روبية للشخص الواحد) وفضلا عن بنائهم للسفن نسج الخليجيون الأوائل الأغاني والمواويل البحرية لترديدها وهم ينطلقون نحو غياهب البحر وظلمات المحيط أو حينما يعودون منها (رحلة القفال)، أو أثناء بنائهم للسفن. ومن أمثلتها «يالله يالله قلنا يالله .. يا سيدي هولو يا سيدي هولو يافزعة الله»، وهو مقطع من أغنية فطرية طويلة عن البحر بكل أفراحه ومآسيه لايــُعرف كاتبه وإنما نسجته العقلية الجمعية الخليجية. أما أشهر أغاني القفال المعروفة بـ «الهولو» ذات الإيقاعات الخفيفة والأداء الجماعي فهو ما جسده الفنان الكويتي شادي الخليج في أغنية «يا هولو» من ألحان أحمد باقر وكلمات أحمد العدواني والتي يقول مطلعها: «هولو بين المنازل .. أسمر سباني .. هولو حلو الشمايل .. زين المعاني». في مقابل هذا كانت هناك إيقاعات راقصة تؤدى جماعيا على اليابسة من قبل النساء والفتيات اللاتي كن يتجمعن في مظاهرة ضخمة على الساحل لإستقبال سفن الغوص العائدة، وهن يرددن أغنية «توب يابحر» من دون آلات موسيقية. وتقول كلمات هذه الأغنية المعروفة: «توب توب يابحر .. أربعة والخامس دخل .. ماتخاف من الله يابحر .. أربعة والخامس دخل .. يا نوخذاهم لا تصلب عليهم .. ترى حبل الغوص قطع إيديهم .. ياريتني غويمة أظلل عليهم». وإلى جانب هذه الأغاني كانت تتردد دعوات وابتهالات البحارة والغاصة إذا ما استقلوا السنبوك الذي كان منتشرا بكثرة في مياه الخليج في القرن التاسع عشر إلى درجة أنه لكثرته في البحر كانت جوانبه تصطدم بعضها ببعض على امتداد مئات الياردات طبقا للمؤرخ المعروف لويمر. فكانوا مثلا يرددون «يا حافظ الأرواح في الأرواح، يا منجي الألواح في لجج البحر، إحفظ لنا هذا السنبوك يالله يا رزاق يالله يا حافظ». ولا شك ان مثل هذه الدعوات كانت تبعث على شيء من الطمأنينة في نفوس لا تدري إنْ كانت الأقدار ستعيدها إلى أسرها وأهلها أم لا، خصوصا في موسم «الغوص الكبير» الذي كان يمتد من شهر يونيو وحتى مطلع أكتوبر. أما الغوص قبل هذا التاريخ أو بعده فكان موعده يعتمد على طبيعة الأحوال الجوية وكان يــُعرف بـ «الغوص الصغير» أو «الغوص البارد». أما العشاق ممن فرقت رحلات البحر بينهم وبين أحبتهم فقد نسجوا لونا آخر من الغناء، نجد أفضل تجلياته في واحدة من أجمل الأعمال التراثية التي توثق بالشعر والغناء علاقات الهند والخليج، ألا وهي رائعة الشاعر اليمني يحيى عمر ابو معجب اليافعي المعروفة بإسم «يامركب الهند يا بودقلين». والدقل لمن لا يعرفه من أبناء الجيل الحالي هو ما يــُرسي المركب على سطح الماء. وهذا الشاعر، إعتاد أن يفتتح قصائده بذكر إسمه من باب التوثيق والحفظ، لذا أنشد قائلا: يحيى عــُمر قال قف يا زين ..سالك بمن كحل أعيانك .. من علمك يا كحيل العين .. من ذا الذي خضب أبناءك .. من شكــّلك في الحلا شكلين .. وشك لؤلؤك ومرجانك .. وراك يا بارز النهدين .. كفتني تحت روشانك .. يا عسكر الشاش بوصفـّين .. وأنت يا باشا في صيوانك .. حمّلت يحيى عـُمر حملين .. وصرتْ تعبان من شانك ..لي شهر في شهر في شهرين .. وأنا مناظر لبستانك .. لا ذقتْ حبه ولا ثنتين .. نهبتْ خوخك ورمانك .. والورد شفته على الخدين .. وهو مطرح على أوجانك .. يا مركب الهند يا بودقلين .. يا ليتني كنت ربانك .. أسعى بك البر والبحرين .. وأحمل المال بأخنانك .. لك قسم في قسم في قسمين .. لك قسم زايد على إخوانك .. والمصلحة بيننا نصفين .. لا ربــّح الله مــَنْ خانك .. يا ليت لي عند أهلك دين .. أروح أجي على شانك .. وأختم قصيدي بذكر الزين .. بكره نقيــّل بديوانك .. ياللي سكنت الحشا والعين .. إبحر بي الشوق لوطانك .. مبحر بروحي بمجدافين .. والموج يزداد من شانك .. وإلى عبرنا على البحرين .. ينكسني الموج لعيانك .. وأشوف لي بالبحر حوتين .. عذالنا تموت بشجانك .. واحد خبيث وله نابين .. والثاني يموت بلحانك .. يابحر قللي أبرسي وين .. مالي مواني لحيتانك. والمتأمل لأبيات القصيدة يجد كم كان قائلها دقيقا في وصف محبوبته، وتصويره لمعاناته ولوعته واشتياقه إليها عبر استخدامه لمجموعة منتقاة من التفاصيل والدلالات اللغوية والنغمية، فضلا عن أنها تتحدث عن البحر والمركب اللذين هما محور حديثنا. والمعروف أن أول من غنى هذه القصيدة هو مطرب البحرين الأول المرحوم ضاحي بن وليد، ثم غناها المطرب العماني سالم راشد الصوري الذي عاش ردحا من الزمن في البحرين وكان يملك فيها ستوديو لتسجيل الأسطوانات في أواخر الخمسينات. أما آخر من غناها فهو المطرب السعودي محمد عبده الذي قدمها بشكل متطور في عام 1969، وبدل في كلماتها طبقا لما كتبه الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن فصارت: « يامركب الهند يا بودقلين .. يا ليتني كنت ربانه .. لكتب على دفتك سطرين .. إسمك حبيبي وعنوانه .. طال انتظاري وقلبي جريح .. يا مركب الشوق ليت الريح .. وقت السحاري تملا الصواري .. وأبحر بشوقي لنور العين .. وأرجع لخلي لأوطانه .. يا بحر موجك عليّ عالي .. وطيفه حبيبي على بالي .. والبعد قاسي وحبيبي ناسي .. والله يا ربعي وأهلي وناسي .. مشتاق قلبي لخلانه .. يا مركب الوهم عمري ضاع .. ما بين أمل في لقاء ووداع .. بحر الأماني ماله مواني .. ضيع زمانك وضيع زماني .. وضاع المركب بربانه».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها