النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مخاض ولادة المجتمع العربي الجديد

رابط مختصر
العدد 8971 الجمعة 1 نوفمبر 2013 الموافق 27 ذو الحجة 1434

يستغرب البعض منا ويتساءل البعض الاخر عن السبب وراء مراوحة المجتمعات العربية في مكانها، بل، وكما يبدو للوهلة الأولى أن البعض منها يظهر وكأنه يتراجع عن انجاز مهام مرحلة معينة ما أن يقترب من النقطة التي يفترض فيها أن تنقله من الحالة التي رفضها إلى تلك التي انطلق من أجل الوصول لها. شاء المرء منا أم أبى، عليه أن يقبل بأن حركة التاريخ ليست مرهونة بالتمنيات الذاتية، ولا حتى الرغبات الفردية أو الجماعية، فلتلك الحركة قوانينها المرافقة لها التي تخضع لها، ونواميسها الخاصة بها التي لا تستطيع الفكاك منها. هذه القوانين وتلك النواميس هي التي ترسم مسار الحركة بعيدة عن تلك التمنيات، ومتناقضة، في بعض الأحيان مع تلك الرغبات. هذا إذا شئنا لحركة التغيير أن تأخذ مداها الطبيعي، الذي يجعل مخرجاتها ناضجة غير مشوهة. فعملية التغيير التي في جوهرها هي رفض لقديم قائم وولادة لجديد قادم، شبيهة إلى درجة بعيدة بعملية خروج الجنين من رحم أمه، فهي لا بد لها أن تكون مؤلمة، ومصحوبة، في حالات معينة بمظاهر قد تبدو غير ضرورية لكنها تفرض نفسها بعيدة عن تمنيات الأم ودعوات الأقارب. وكما تمتد عملية الولادة تاريخيا فتلتقي بمرحلة الحمل التي تستغرق ما يقارب من تسعة أشهر، كذلك تتطلب عملية ولادة المجتمعات الجديدة مرحلة طويلة من الإعداد والاستعداد التي تسبق عملية الخروج من المجتمع القديم الذي باتت قوانينه غير صالحة للاستمرار والفعل، لا يستشعرها إلا أولئك المنخرطون بشكل مباشر في التحضير لتلك العملية، بعد أن لمسوا قبل سواهم أن ساعة التغيير الموضوعي قد حانت، ولم تعد بحاجة إلى أكثر من يهيئ القوى الاجتماعية الملائمة لها. تماما كما لدورة الحمل والولادة البيولوجية مداها، كذلك الأمر بالنسبة لعلمية التغيير الاجتماعية متطلباتها التي ترفض بشدة إصرار كل من يحاول أن يقف ضدها أو أن يحرق مراحلها. فهي تدخل غير طبيعي في الحالتين البيولوجية أو المجتمعية، يؤدي إلى تشويه الجنين، بفضل ولادة مبكرة سبقت أوانها، أو نهاية مؤسفة قاتلة تذهب بحياة الجنين، وربما تؤذي من حملته في رحمها، سواء كانت تلك هي الأم أو المجتمع. هذه المقارنة غير المفتعلة، ولا المبتورة، بوسعها أن تفسر الأسباب الكامنة وراء ما نشهده اليوم من جمود حركة التغيير العربية في بعض البلدان، أو تراجعها في بلدان أخرى، والتي يمكن حصر الأهم بينها في النقاط التالية: أول هذه الأسباب هو عدم اقتراب الظروف الموضوعية للمجتمعات العربية من نقطة النضج الضرورية المطلوبة التي تبيح هذا التغيير المتوخى، او حتى تسهل من عملية اجتياز طريقه. تتضافر جهود هذه الظروف الموضوعية التي تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع العناصر الاجتماعية، سوية كي تنعكس على الأوضاع السياسية وتتحوصل جميعها كي تقف عقبة كأداء وجه أي تغيير تحاول قوى مجتمعية معينة تحقيقه. هذا التهيؤ الموضوعي للمجتمع العربي، هو مشابه تماما لفترة الحمل التي نتحدث عنها، والتي تكون خارجة عن رغبات الأم أو محاولات الجنين للوصول إلى نقطة مغادرة الجنين رحم أمه منسلخا من حاضنته القديمة نحو المجتمع الجديد الذي يبحث عنه ذلك الجنين، ويكون هذا الأخير على استعداد لاستقباله. أما ثاني تلك الأسباب، فهو عدم وصول القوى المجتمعية الممسكة بمقاليد الحكم إلى حالة من الترهل الذي لم يعد يسمح باستمرارها في قمة السلطة. حالة الترهل هذه ينبغي أن تكون جامعة، بحيث تشمل تلك القوى، سوية مع برامجها التي وضعتها لتسيير دفة الأمور، والتحالفات التي نسجتها كي يتسنى لها إحكام قبضتها على مقدرات المجتمع، والخطط التي رسمتها وقامت بتنفيذها من أجل خدمة أغراضها وتثبيت أقدامها. هذا الترهل الشامل الذي يفسح في المجال أمام تغيير نوعي حقيقي لا يكفي له إخفاقات مرحلية ترتكبها القوى الحاكمة، ولا تحدثه هفواتها التي مهما كانت كبيرة، لكنها لا تعني الوصول إلى الإفلاس المطلوب الذي يبيح بلوغ نقلة التحول المطلوبة. هذا ما يفسر محاولات بعض القوى الحاكمة التي أطاحت بها رياح ما أصبح يعرف باسم الربيع العربي إلى العودة إلى مقاعدها السابقة، كما نشاهد في اليمن، ونجاح البعض منها في استعادة السلطة كما نرى في مصر. وتكتمل الصورة بتشخيص ثالث تلك الأسباب، وهو المسافة التي لاتزال تفصل بين القوى التي أخذت على عاتقها مهمة التغيير إلى المستوى الذي يؤهلها، بشكل متكامل، التفاعل مع الظروف الموضوعية من أجل انضاجها، وفضح القوى الحاكمة من اجل إعلان افلاسها، وفوق هذا وذاك بناء ذاتها كي تصبح مؤهلة، ليس لاسقاط ما هو قائم فحسب، وإنما لتجسيد صورة ما هو قادم أيضا. الوصول الناجح لهذه المعادلة ذات الأبعاد الثلاثة هو الذي يبيح لقوى التغيير أن تخطو الخطوة النهائية على تلك الطريق الطويلة والمعقدة والملتوية، في بعض منعطفاتها. هذا يقتضي، إن شاءت هذه القوى التي يفترض فيها أن تكون صاعدة، مقارنة مع تلك التي ممسكة بزمام السلطة، أن تكون الأولى ناضجة ذاتيا، وقادرة على وضع البرامج الصحيحة، والخطط الصائبة، التي تؤهلها لنسج التحالفات المطلوبة التي تعينها على احداث النقلة النوعية التي تأخذ بيدها نحو المجتمع الجديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها