النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

لا أحد يريد أن يبدأ صغيراً ويكبر!!

رابط مختصر
العدد 8970 الخميس 31 أكتوبر 2013 الموافق 26 ذو الحجة 1434

حول الحلم العربي.. لا أحد يريد أن يبدأ صغيراً ويكبر!! لكل شعب من الشعوب حلم يحيا من اجل تحقيقه، ويعطي لوجوده معنى محدداً. وهذا أمر بديهي لأن الأمة إذا مات حلمها ماتت وانتهت. ففي الميثولوجيا المعاصرة هناك أسطورة شائعة جداً اسمها الحلم الأمريكي، تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر أو الذي قبله، وقد يكون ساهم في إرسائه أوائل معمري القارة الجديدة، وخصوصاً غزاة الغرب الأمريكي البعيد من الباحثين عن الذهب الأخضر إلى المنقبين عن الذهب الأسود. وملخص هذا الحلم يمكن تبسيطه على النحو التالي: شخص بسيط يبدأ من الصفر أو بالشطارة، يبدأ من أسفل الجبل، وبعد تعب يتمكن من الصعود إلى قمة الهرم، فيبني امبراطورية صناعية أو علمية أو سينمائية. وقد تشهد هذه الرواية المسطحة تلوينات أخرى، مثل السائق البائس الذي يقود شاحنة، ويغني في بعض الإذاعات، وفجأة تحدث المعجزة ويتحول إلى فنان ثم إلى امبراطور (فن)، وعندما يموت يتحول إلى رمز مقدس ويحول بيته إلى متحف وطني، ونظارته السوداء إلى تحفة نادرة، وبنطلونه المخطط إلى معلم أثري يباع بالمزاد العلني بالملايين، وقبره يتحول إلى محج سنوي لملايين العاشقين. وبعد حكاية الفنان الناجح، هناك حكاية الفنان الفاشل... مثل هاو تردد كثيراً على استوديوهات هوليود، وحاول عبثا أن يصبح منافساً للأسماء الكبيرة... إلا أن المخرجين لم يروا في وجهه ما يعجب، فحولوه ليلعب دور الكومبارس... فلم ييأس الممثل الصغير، وفكر في استغلال نصف الموهبة التي امتلكها في السياسة، وما لم يقنع مخرجي الأفلام قد يقنع مخرجي الأحزاب السياسية، وهكذا كان الأمر... فقد اهتم به الجمهوريون وأوكلوا إليه إحدى الوظائف الصغيرة، وتحقيق له فيها نجاح خطابي أكيد، وحصل على شعبية متنامية، وبعد سنوات طويلة، خسرت أمريكا جزءاً من مستعمراتها، وتمردت على سلطانها بعض الدول، أراد الجمهوريون أن يعيدوا منطق السلاح والقوة السافرة والعضلات المفتولة... وتذكروا ذلك الممثل السابق ومواهبه الخطابية، واستنجدوا به، ورشحوه ولمعوه ونفخوا في صورته، واستطاعوا أن يوصلوه إلى قمة الهرم وحولوه إلى رمز طيلة فترة الثمانينات من القرن الماضي. ومهما يكن من أمر هذا الحلم الأمريكي فإنه يرسخ مجموعة قيم المجتمع الرأسمالي بوجه عام، قيم المجازفة والابداع والمنافسة والربح. وفي الضفة المقابلة- أو التي كانت مقابلة على وجه الدقة – وجد ما يمكن أن نسميه الحلم الاشتراكي أو السوفيتي. هذا الحلم كان يعطي القيمة الاعلى للعمل لا لرأس المال المتراكم... ويمكن اختزاله في صورة العامل الذي يعمل في إحدى التعاونيات، وينافس زملاءه في الإنتاج، ويتمكن في الأخير من التفوق عليهم في العمل، وتتم مكافأته بميدالية في عيد العمال، ويحصل على سمعة طيبة ويمكن أن يطلق اسمه على التعاونية التي يعمل بها، وقد يتحول هذا الشخص إلى رمز، يحث على اتباعه والاقتداء بها المسؤولين، وقد يتم تعميم صورته على كافة مصانع وتعاونيات البلاد. والفلسفة الكامنة وراء ذلك هي استبدال الحافز المادي الذي يحرك الإنسان في المعسكر الرأسمالي بحوافز معنوية تدفع الإنسان في الضفة الأخرى نحو الشعور بدوره ودور ساعده وفكره في إدارة عجلة التاريخ. المهم أن لكل بلد نموذجاً ما، وأسطورة ما، وحلما ما تجري وراءه العامة ويرفع من شأنه الساسة قدر ما يريدون. فما هو حلم الإنسان العربي؟!! هل هو الفقير الذي يبدأ من الصفر ويصل إلى تحقيق الملايين بفضل ابتكاره وعمله وإبداعه؟ أم هو حلم الكادح الذي يجد اعترافا من المجتمع وتطبق شهرته الآفاق؟ أم هو حلم العصامي الذي يروم إنشاء إمبراطورية تجارية أو صناعية كبرى تغطي نصف الكرة الأرضية؟ أو هو العصامي الذي يتجه إلى الخلود في بال الكادحين بتضحياته من اجل الوطن وأهله؟ الجواب بالنفي... فلا هذا ولا ذاك... أفليس لنا نموذجنا للحلم إذن أم أن لنا أحلامنا الأخرى؟؟ إن نظرة لمسار جيوش العائشين على رقعة الوطن العربي أو ما تبقى منه، كفيلة بإعطائنا بعض جواب، فالنموذج السائد عندنا يمكن اختزاله في المعادلات التالية: كثرة مشاريع وقلة إنتاج، وقلة ناجحين وقلة منتجين، فما أبعدنا عن المشاريع والمبادرات التي بدأت صغيرة وتحولت فيما بعد إلى تروستات ضخمة، فلا أحد عندنا يريد أن يبدأ صغيراً... ولا أحد يقدر على ذلك أيضاً... والذين يبدؤون صغارا يظلون صغارا في الغالب الأعم، أما العمل والسهر والكدح... فنادرا ما تجدي لوحدها للوصول إلى القمم... فالموظف المجد يمكن في أحسن الأحوال أن يفوز برتبة موظف الشهر في نهاية الشهر، أو موظف السنة في نهاية السنة!! أما الذين أرادوا أن يكبروا فقد فتحوا أبواباً أخرى غير هذه الأبواب، ووجدوا أن كل عتبات السلم لا تعمل على أساس الكفاءة والدراية والجدوى والجدية والإخلاص في العمل، إلا فيما ندر. حلمنا العربي هو أن نأخذ من المصنع ومن أمواله لبناء البيت ولشراء السيارة وباقي عناصر الماكياج، والـ (رأسمالي) في بلاد العرب يريد أن يربح دون تعب أو مجازفة أو إبداع أو ذكاء كبير، وحلم (الكادح) في الغالب الأعم هو أن يحافظ على الراتب حتى يصل سن التقاعد، وعلى المعاش حتى الممات، بل إن منتهى الحلم عند الكبير والصغير يتجسد في مورد رزق سهل، أو في وظيفة سهلة، لا تعب فيه ولا تفكير، ولا مغامرة ولا إبداع، عمل يحيطك بالضمانات والعلاوات.. وعندما تعلو الهمة ويرتفع الحلم إلى أعلى قليلا تتعلق الهمة بأن تكون (مسئولاً) على مجموعة من الموظفين، يقدمون لك الشاي و(المتاي)، وان تنام قرير العين متى تشاء وتستيقظ متى تشاء، وتذهب إلى (العمل) متى تشاء، وأن لا تحتاج إلى وسائل النقل العام، ولا يحتاج أبناؤك إلى المدارس العامة، وأن لا تكونوا منتمين في النهاية إلى جماعات العمال. هكذا يحلم أغلبنا وتلك بعض أحلامنا، فكيف نكون في عالم الإبداع والتنافس؟؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها