النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

إنها مصر وستظل دائماً مصر

رابط مختصر
العدد 8965 السبت 26 أكتوبر 2013 الموافق 21 ذو الحجة 1434

قضيت النصف الثاني من عيد الأضحى المبارك في مصر، ورأيت عن قرب الظروف التي يعيشها المصريون، وكانت تجربة حظر التجوال خير شاهد على تداعيات ثورة 30 يونيو على الشعب المصري، حتى وإن كان الحظر في العيد أسهل من الأيام التى سبقته وما تلاه بالتأكيد، لأن الكمائن المنشرة على الطرق والتى يتولاها أفراد الجيش كانت أسهل في أيام العيد حيث راعى القائمون عليها حب المصريين للخروج والسهر في الأعياد. وبالتأكيد يعيش أصحاب الأعمال التجارية والمقاهي والمحال في الشوارع الرئيسية في مأزق إذ يضطرون إلى إغلاق محالهم ومتاجرهم في العاشرة مساء أو الحادية عشرة على أقصى تقدير حتى يتسنى للعمال العودة إلى منازلهم قبل تطبيق الحظر في تمام منتصف الليل، وكذلك الرواد والمشترون والزبائن حتى لا يقفون طوابير أمام الكمائن العسكرية، وليذهبوا إلى منازلهم آمنين. فبعض الكمائن تلتزم بتطبيق الحظر بالكامل، والغريب أن المصريين قد اعتادوا على الحظر حتى أيام الجمعة الذي يبدأ فيه الحظر في السابعة مساء أي من المغرب تقريباً، فتراهم متوائمين مع قرار الطوارئ غير مبالين بانتهاكه أو المطالبة بإلغائه أو تقليل ساعاته، خاصة وأنه كان بدأ في السابعة مساء طوال أيام الأسبوع ثم خفضت ساعاته ليبدأ في التاسعة وأخيراً حتى منتصف الليل باستثناء الجمعة كما أسلفت. أي أن الحكومة تراعي كل فترة تخفيف ساعاته وعندما أقرت العمل مع فرض حالة الطوارئ لم يغضب أغلب المصريين لأنهم على علم بأن المرحلة صعبة وأن أنصار الإخوان وتيار الإسلام السياسي يريدون أن ينتفض الشعب ضد الحكومة وقيادة البلاد الجديدة. ولا يزال أنصار هذا التيار يحرضون بعض الشباب على العنف في محاولة لإعادة ابتلاع مصر من جديد، فهي عادة من يسيس الدين لأهوائهم ومصالحهم وأولئك الذين يدعون أنهم أكثر إيماناً من غيرهم، ولكن المولى عز وجل يعلم نوايا هؤلاء وزيف أغراضهم وأهدافهم وخبثهم، فهم فقط لا يريدون سوى الاستيلاء على السلطة، أما عموم الشعب فيذهبوا إلى الجحيم. انتهى العيد بأيامه ولياليه وحظره، لتستأنف المصالح الحكومية والخاصة والجامعات أعمالها، وهنا دخلت مصر أياماً من الكآبة، فسادت حالة من الغم لم أعشها من قبل بين المصريين مقارنة بالماضي، فالطلبة الإخوان على سبيل المثال تلقوا تعليمات بتكدير المشهد الجامعي، ولم تكن الجامعات العادية وحدها في الميدان، لأن إخوان كليات جامعة الأزهر كان لهم الكلمة الرئيسية في هذا المضمار، مضمار إغلاق الطرق وتعطيل الدراسة والعملية التعليمية برمتها، وبدلاً من أن يعود الطلاب لمدرجاتهم تراهم عادوا للشوارع لإغلاقها وسدوا الطرق فكانت وقفاتهم الاحتجاجية ليس ضد الحكومة، وإنما شملت أيضاً شيخ الأزهر إلى جانب الجيش. المشهد في بقية الجامعات، كان أقل وطأة من الأزهر وإن كان أيضاً تسبب في تعطيل الدراسة. في الواقع، فإن قيادات الإخوان يعلمون تماماً كيف يستغلون عنفوان الشباب في المظاهرات وتنظيم الوقفات الاحتجاجية، ولهذا، لا يمكن تجاهل ما فعلوه خلال الأيام الماضية لأنهم نجحوا بدرجة أو بأخرى في إرباك المشهد السياسي ناهيك عن إزعاجهم للعملية التعليمية في الجامعات، لينخرط بعضهم في إرباك المشهد الديني أيضاً بأحراق إحدى كنائس محافظة الجيزة. هذا المشهد المرتبك انتقل بدوره في شكل احتجاج شعبي وعمالي وشبابي بمجرد إعلان الحكومة المصرية إعداد مشروع قانون التظاهر لوضع حد للمظاهرات المتصاعدة والتى لا يمر يوم تقريباً في مصر بدون أن تشهد مدنها مظاهرات لأي سبب كان ، وبالتالي يتأثر العمل وعالم الاستثمارات من جراء ذلك. المثير أن الخلافات ليست فقط بين الحكومة وتيار الإسلام السياسي والإخوان، وإنما انتقل التناقض أيضاً والخلافات إلى داخل الحكومة نفسها، لدرجة وصفتها الصحف المصرية بأن هناك مواقف متباينة بين صقور وحمائم الحكومة، وذلك على خلفية التعامل الأمني مع أعمال العنف والمظاهرات، فثمة من يريد استخدام أقصى أنواع العنف الشرطي من أجل القضاء على الاختلال الأمني وإعادة الأمن للمدن والشوارع المصرية، وآخرون يعترضون على استخدام هذا العنف لوقف العنف المضاد الذي يتبناه الإخوان وأنصارهم خاصة في أوقات ما قبل الحظر. فالمعارضون للتعامل الأمني مع المتظاهرين يبررون موقفهم بعدم ضرورة تكرار مشاهد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وهما الميدانين اللذين تسببا في ابتعاد المسافات بين مصر وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب تدخل الشرطة القوي لفض هذين الاعتصامين، ولذلك ثمة أصوات داخل الحكومة تطالب بعدم التعامل الشرطي – الخشن – حسب وصفهم مع المتظاهرين وضرورة احتوائهم قبل التصدي لهم.. في حين أن أصواتاً أخرى داخل الحكومة أيضاً ترى لا سبيل لفض الاعتصامات وأعمال الشغب إلا بالعنف، خاصة بعدما تشدد الإخوان في مواقفهم ومطالبتهم بوقف كل تداعيات ما بعد ثورة 30 يونيو وإعادة الرئيس المعزول محمد مرسي. وبطبيعة الحال، لم يكن محمد مرسي غائباً عن المشهد في مصر خلال الأيام الماضية، فمحاكمته اقتربت – يوم 5 نوفمبر المقبل – وهو ما دفع السلطات الى التحضير لإجراءات المحاكمة ووضع خطط شاملة لتأمينها، وهذا بدوره حظي بتغطية اعلامية مكثفة. اما لماذا هذه التغطية؟.. فالكل يعلم ان الرئيس السابق محمد مرسي أسهب في آخر خطاب له قبل عزله وكان يوم 26 يونيو أي قبل عزله بأسبوع تقريباً، في وصف سلفه حسني مبارك بأنه – مجرم – وذكر هذا الوصف مرات عديدة خلال خطابه الذي استمر ساعتين تقريباً، وإن لم يذكر مبارك نفسه كان يتذكر نظامه ويصفه ايضا بالنظام المجرم الفاسد. أما نظام مرسي نفسه فكان مسؤولاً عن إعادة تحويل حسني مبارك من مستشفى المعادي إلى سجن طره مرة اخرى بحجة ان صحته جيدة، وكان هذا لمجرد أن ابتسم مبارك في إحدى جلسات محاكمته مما اثار حفيظة النظام الإخواني وكان ردهم انتقامياً منه ومن ثم قرار عودته الى قضاء فترة سجنه في السجن نفسه وليس في المستشفى. ثم تدور الأيام ولم تكن الفترة طويلة بين محاكمة الاثنين، ليقف مرسي نفسه في المحكمة، وليرى المصريون رئيسين متتاليين في قفص الاتهام ايا كانت التهم الموجهة لكل منهما. فمعظم الشعب المصري يريد الآن رؤية مرسي في نفس القفص مثلما شاهدوا مبارك من قبل، خاصة وأن عائلة مرسي أعلنت أكثر من مرة عبر تسريبات إعلامية أن الرئيس السابق لا يعترف بمحاكمته ويرفض المثول أمام أي محكمة، ليتحدى بذلك القانون. أما لماذا شغف المصريين برؤية مرسي داخل القفص؟.. ولهذا نعود مرة اخرى الى يوم 26 يونيو حيث آخر خطاب لمرسي، فقد كال فيه الاتهامات لمعظم القطاعات المصرية، قضاء، إعلام، سياسيون، مسؤولون حكوميون، ولم يستثن أحداً تقريباً، حتى وإن كان وجه الشكر مرة اخرى في اخر الخطاب كنوع من الترضية بعد فضائح زل بها لسانه على الهواء وطالت قضاة وإعلاميين وصحفيين. وفي خضم هذه الأجواء، جاءت هزيمة المنتخب المصري لكرة القدم أمام نظيره الغاني في أول أيام العيد في التأهل لمونديال 2014 كنكسة لم يتحملها المصريون وقتها، وربما كانت أجواء الهزيمة اصعب عليهم من خسائر حكم الإخوان على مدى عام، ولكن المثير أن المصريين تعاملوا بسخرية مع الهزيمة التي لم يستوعبوها حتى الان، لدرجة أنهم تندروا عليها وعلى المدرب الأمريكي للمنتخب بوب برادلي، واعتبروه نكسة من نكسات الزمن بمصر. واعتبره آخرون أنه جاء الى مصر ضمن مؤامرة امريكية على بلدهم، خاصة وان واشنطن كانت قبلها بأيام قررت تعليق بعض المساعدات العسكرية، ثم تلتها الهزيمة ليعتبروا برادلي احدى وسائل الادارة الامريكية للتلاعب بمصر وبشعبها. لقد مر أول يوم عيد الأضحى المبارك كئيباً على المصريين بسبب مباراة كرة قدم، ومر أول يوم عمل بعد إجازة العيد كئيباً بسبب توقف المرور وقطع الطرق نتيجة مظاهرات طلبة الجامعات، ولكن ما يجعل المصريين صابرين في كل هذه الاجواء التي لو مر بها غيرهم لماتوا على الفور من الغمة والكآبة، إنهم شعب صبور واعتاد على تحمل الصدمات ومروا بالكثير من المشكلات المستعصية وعلى يقين تام بان الخالق سوف يحل كل مشاكلهم مهما طال بهم الزمن. ربما كانت نظرتي لمصر على مدى بضعة أيام قليلة واقعية في رصد ما يدور في الشارع، ولكن للمصريين وجهة نظر اخرى في بلدهم، فهم ينتظرون بل ويؤكدون ان الامور ستستقيم بلا شك مهما طالت الغمة، وهم يستشهدون بقول الشيخ الشعراوي الذي يعشقونه «انظروا الى التاريخ.. من الذي رد همجية التتار عنا.. انها مصر- من الذي رد هجوم الصليبيين على الإسلام والمسلمين.. انها مصر وستظل مصر رغم انف كل حاقد أو حاسد أو مستغل أو مدفوع من خصوم الإسلام هنا أو خارج هنا.. إنها مصر وستظل دائماً». صدقت يا شيخنا الجليل.. إنها حقاً مصر وستظل دائماً مصر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها